قراءات

ضباط عسكريون من جنزور في الجيش العثماني

قراءة في كتاب صدر حديثاً

محمود الغتمي

كتاب (ضباط عسكريون من ولاية طرابلس الغرب ومتصرفية  بنغازي - العهد العثماني الثاني) تأليف الأستاذ الدكتور عبدالكريم أبوشويرب
كتاب (ضباط عسكريون من ولاية طرابلس الغرب ومتصرفية بنغازي – العهد العثماني الثاني) تأليف الأستاذ الدكتور عبدالكريم أبوشويرب

صَدَر في شهر نوفمبر الماضي 2022م كتاب بعنوان (ضباط عسكريون من ولاية طرابلس الغرب ومتصرفية  بنغازي – العهد العثماني الثاني) تأليف الأستاذ الدكتور عبدالكريم أبوشويرب، وهو من إصدارات “جمعية الصداقة الليبية التركية” بطرابلس، ويقع الكتاب في 193 صفحة من القطع المتوسط، والدكتور أبوشويرب من الشخصيات العلمية القليلة في بلادنا التي تتقن اللغة العثمانية، وهو مطلع على خفايا الأرشيف العثماني بحكم تعليمه الجامعي في كلية الطب بجامعة اسطنبول التي التحق  بها سنة 1956م، وإقامته في تركيا لسنوات طويلة، واتقانه للغة التركية، ومعرفته كذلك للجالية الليبية القديمة التي هاجرت إلى تركيا منذ بداية الحرب الإيطالية على ليبيا سنة 1911م، وأنشطتها، وأعلامها البارزين، وأماكن وجودهم. وقد وضع المؤلف ضوابط عدة في اختيار شخصيات هذا الكتاب، منها أن تكون الشخصية ليبية، وأن تكون متخرجة من كلية حربية عثمانية.

 ترجم المؤلف في هذا الكتاب لعدد 121 ضابطاً من معظم أنحاء ليبيا، التحقوا جميعاً بالكليات العسكرية في الدولة العثمانية، وتخرّجوا فيها وتوزعت مهامهم الإدارية والعسكرية في مختلف أرجاء الدولة العثمانية، ومنهم من استُشهد في الحروب التي خاضتها الدولة العثمانية سواء ضد روسيا سنة 1877م، أو الحرب العثمانية اليونانية 1897م، أو في معارك شنا قلعة (جاليبولي) في اسطنبول سنة 1915م، وغير ذلك من حروبٍ ووقائع، وكان من هؤلاء الضباط مجموعة من جنزور، ترجم لهم المؤلف في كتابه، وتتفاوت حجم تلك التراجم، من بضعة سطور، إلى أكثر من صفحة أحياناً قليلة، ومنهم من كانت له صورة يمكن التعرف من خلالها على شخصيته وملامحه، وكما هي عادة الأتراك في حذف اللقب العائلي من أسماء الطلبة في المدارس العثمانية، ويكتفون باسم ثانٍ يضاف إلى الاسم الأول (أسماء مُركَّبة)، ولذلك يصعب أحياناً كثيرة التعرف على ألقاب هؤلاء الضباط، ويتطلب الأمر تعاون أحفادهم ممن يملكون معلومات عن أجدادهم لوضع الألقاب في محلّها الصحيح، وهناك نقطة في غاية الأهمية وضحها المؤلف في كتابه، وذلك عندما وقّعت إيطاليا معاهدة أوشي لوزان مع الدولة العثمانية يوم 03/10/1912م التي تنازلت بموجبها اسطنبول عن ليبيا ومنحتها استقلالها الذاتي، عندها أَمَر الجيش العثماني قواته في ليبيا بالانسحاب من ساحات القتال ضد الإيطاليين، ما سبب أزمة كبرى في صفوف المقاومة، وانسحب المئات من الضباط الليبيين مع الجيش العثماني تنفيذاً لذلك الأمر، في حين فضّل الباقي منهم الاستمرار في المقاومة دفاعاً عن بلادهم، ومنهم من استشهد في تلك الحرب المقدسة.

وسوف أخصص هذا المنشور للتعريف بأولئك الضباط الجنزوريين الذين خدموا في الجيش العثماني ممن ترجم لهم المؤلف في كتابه وعددهم (ستة ضباط فقط)، وللعلم أن هذا العدد يخص فترة العهد العثماني الثاني فحسب (1835-1911م)، وبالتأكيد أن الرقم أكبر من ذلك بكثير إذا تصدّى أحد الباحثين للقيام بدارسةٍ أخرى شاملة عن الضباط الليبيين في الجيش العثماني خلال العهدين الأول والثاني (1551-1911م)، اعتماداً على الوثائق العثمانية. وسوف أذكر هؤلاء الضباط وفقاً لترتيبهم في الكتاب:

1- إسماعيل فاضل الجنزوري: التحق بالكلية الحربية في اسطنبول، وشارك في مواجهة الاحتلال الإيطالي منذ بداية العدوان، ثم هاجر وأسرته إلى تركيا.

2- عبدالله عارف محمد شلبي: ولد بجنزور، وبعد أن تعلّم القرآن الكريم، وتخرج في المدرسة الرشدية، التحق بالكلية الحربية في اسطنبول، وبعد تخرجه عاد إلى بلاده وعُيِّن مُدرِّساً للجنود في إحدى الثكنات العسكرية بطرابلس، ورُقِّي إلى رتبة ملازم أول، وكُلّف بتدريب المتطوعين من المواطنين بعد صدور قانون التجنيد الإجباري، وبعد الغزو الإيطالي لطرابلس سنة 1911م عُيِّن قائداً لكتائب المتطوعين من جنزور، والماية، وصياد، والعزيزية، وشارك في المعارك الأولى للجهاد، وعند انسحاب الجيش العثماني من ليبيا تنفيذاً لمعاهدة (أوشي لوزان) في شهر أكتوبر 1912م، انسحب معهم واستقر في مدينة أزمير بتركيا؛ حيث تزوّج وانتقل إلى منطقة اسكودار في اسطنبول، وكُلّف بمهماتٍ في اليمن، وبلاد الشام، والحجاز. وبعد سنوات عدة رجع إلى ليبيا، وتقلّد بعض الوظائف الإدارية، وكان من أعيان ووجهاء جنزور المقدّمين.

3- عثمان المبروك محمد بن غرسة (1880-1952م): ولد بجنزور، وأنهى تعليمه الإعدادي والرُّشدي في ليبيا، ثم التحق بالكلية الحربية في اسطنبول، وتخرّج فيها سنة 1904م، وعُيِّن ضابطاً بالجيش العثماني، وكُلِّف آمراً للحامية العسكرية في مدينة بني وليد سنة 1905م، ثم التحق بكتيبة جيش البلقان سنة 1907م، ومُنح وسام غازي، وشارك في الدفاع عن قلعة العقبة بالأردن، وفي سنة 1914م عُيّن آمراً لسرية الفرسان في بيروت- لبنان، وعند الغزو الإيطالي لطرابلس سنة 1911م شارك في العديد من معارك الجهاد تحت إمرة القائد العثماني نشأت بك، وأُسر في معركة بني وليد سنة 1923م، وحُكم عليه بالإعدام، ثم خُفّف الحكم إلى المؤبد وسُجن بطرابلس، وخَرَج من السجن يوم 30 مايو 1932م، ونُفي إلى جزيرة أوستيكا بإيطاليا سنة 1933م، وأُفرج عنه واستقر مع أسرته في مدينة مرسين بتركيا، وتوفي هناك سنة 1952م.

4- الزعيم كامل صبري: ولد سنة 1890م بجنزور، وتخرّج في المدرسة الرشدية بطرابلس، والتحق بكلية الضباط في اسطنبول وتخرج فيها، وتولّى العديد من المناصب في الجيش العثماني إلى أن وصل إلى رتبة زعيم في سلاح المدفعية، تزوج في طرابلس وهو عديل الأستاذ المُربي خيري السراج، توفي سنة 1965م بطرابلس.

5- اليوزباشي محمد ثابت الجنزوري: شارك في معارك الجهاد ضد الإيطاليين إلى أن استشهد في معركة المشرّك يوم 04 مايو 1923م مع الزعيم سعدون السويحلي الذي استشهد في المعركة نفسها، وأعتقد أنه من عائلة الأعور في منطقة قامارة (زاوية عمورة) بجنزور، وهو والد الأستاذ خالد زكي ثابت الذي يُعدّ من المعلّمين الرواد بجنزور وكان يتقن ثلاث لغات، وله أكثر من كتاب مترجم عن اللغة الإيطالية صادر عن مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية.

6- الشيخ عبدالقادر أحمد قنيدي (توفي سنة 1935م)، وقد ذَكَرهُ مؤلف الكتاب ضمن الضباط العثمانيين، والشيخ عبدالقادر من قادة حركة الجهاد بجنزور، وشيخ قبيلة الدبابنة إحدى قبائل جنزور، وقد أورد المؤلف ترجمته نقلاً عن ترجمة مختصرة دونتُها في كتابٍ قمتُ بتحريره بعنوان (وجوه مشرقة في ذاكرة جنزور) صدر في شهر يناير 2016م ضمن مهرجان أيام جنزور الثقافية، وقبل ذلك ترجمتُ له بشكل أوفى في كتابي الذي صدر سنة 2014م بعنوان (بحوث وتراجم في تاريخ جنزور)، إلّا أنني في تلك الترجمة للشيخ عبدالقادر قنيدي التي استقيتها من مصادر عدة، ومن بعض الروايات الشفوية من أحفاده وأقاربه لم أذكر أنه كان ضابطاً في الجيش العثماني !!، ولم أعرف على أي مرجع آخر اعتمد الدكتور عبدالكريم أبوشويرب في هذه المعلومة المهمة.

في ختام هذه المراجعة المتواضعة للكتاب، لا يسعني إلا التوجه بالتحية والتقدير لمؤلف الكتاب المؤرخ الأستاذ الدكتور عبدالكريم أبوشويرب على جهوده العلمية، وصبره وجَلَده، ولم يمنعه تقدمه في السن -بعد أن ناهز الخامسة والثمانين عاماً- من الغوص في هذا الموضوع التاريخي والاجتماعي المهم الذي يربط بين ليبيا وبين الدولة العثمانية، بعد أن أجرى العشرات من المقابلات الشفوية مع أبناء وأحفاد الضباط الليبيين، واطّلع على مئات الوثائق، والكتب، والدوريات ذات الصلة بالموضوع، وكابد صعوبة الحصول على جهة تتكفل بطباعة الكتاب وتوزيعه في زمن شَح فيه القراء والمهتمين بالكتاب.

مقالات ذات علاقة

روايـة (النَّـصُ النَّاقــص) .. ليست ناقصة

يونس شعبان الفنادي

عـرّاف الشـعر

نورا إبراهيم

“جماليات النص الأدبي” قراءة ليبية في الإبداع والأدب الأردني

المشرف العام

4 تعليقات

عبدالودود خالد.زكي.محمد تابت ابوفائد الأعور 12 نوفمبر, 2023 at 20:03

اللهم اغفر لجدي.محمد ثابت الأعور ووالدي خالد.زكي ثابت

رد
المشرف العام 13 نوفمبر, 2023 at 04:38

نشكر مرورك الكريم

رد
عبدالله خالد زكي محمد الاعور 2 يناير, 2024 at 19:08

السلام عليكم..مجهود كبير مشكوريين عليه..اللهم اغفر لجدي محمد ثابت الاعور ووالدى خالد زكي ثابت وجميع المسلمين.

رد
المشرف العام 3 يناير, 2024 at 04:49

نشكر مرورك الكريم

رد

اترك تعليق