قصة

درنه الهادئة 1971

فتح الله المجدوب الحاسي

من أعمال التشكيلية الليبية إسراء كركره
من أعمال التشكيلية الليبية إسراء كركره

أطلق جرس الدراجة أنيناً مبحوحاً، امتزج مع صوت أبي وهو يناديني بصوته المجروح (سقد روحك ) كان صوته اشج فيه بحة تشعرك بأن حنجرته تعاني من خدوش قديمة. ويظهر ذلك أيضا في سعاله المكتوم المتكرر.

تسلم أبي دراجة كعهدة تساعده على إنجاز عمله، أو كمساعدة تعينه فقد كان أبي أعرجَ، يجر رجله بصعوبة لكنه كان يتعالى على إعاقته ويثبت ذلك من خلال حركته الدؤوبة وتفانيه في عمله، وإجادته لعدة لغات أجنبية، كان يبذل جهداً مضاعفاً لأثبات ذاته.

مسح أبي كرسي الدراجة الصغير بيده، ثم فحص الفرامل، علتَّ وجهه علامة رضى، نظر إلي ثم قال: (حسونه أركب ورائي).. لكنني فضلت أن اجري بجانب أبي ودراجته العجوز، داس أبي برجله على (البيدالي) فانطلقت ترتعش كأنها تنوي السقوط ارتعشت أنا أيضاً خوفاً على أبي أن يقع.. مددت يدي ومسكتها من الخلف ثم دفعتها فانطلقت مسرعة.

الشوارع خالية والهدوء سيد المكان، وأنا أجري بجانب أبي اسبقه أحيانا ويسبقني عندما يصادف أن يهبط الطريق إلى الأسفل.

بين أزقة الجبيلة، وعبر الشوارع الضيقة تفوح رائحة الياسمين، (والاونطه والنعناع)تختلط مع نسيمات قادمة من البحر تمنح الهدوء أناقة وتنثر البهجة على الوجوه، فنستنشق ملء صدورنا هواء عليلا، عاطراً يغري بالجري والحركة والانطلاق.

كان أبي متعباً تتجمع حبات العرق على جبينه ثم تسيل حتى تصل أرنبة أنفه فيهز رأسه بغضب. غير أنه كان ينتصب ويُصلح من جلسته على كرسي الدراجة عندما نصادف بعض النساء في أزقة الجبيلة.. يبتسم لهن ويطلق رنين جرس الدراجة في فرح وغبطة، يتفرس في وجوههن المغطاة، بالفراشية البيضاء محاولا اختلاس نظرة غير شرعية، من ملامحهن الجميلة دون جدوى.

نتابع سيرنا حتى نلتقي الشارع الصاعد نحو محطة البنزين الوحيدة شرق المدينة، ينزل أبي عن دراجته ويقودها وأنا من الخلف أساعده في دفعها. تُصادفنا بعض العربات التي تجرها الأحصنة، وبعض أصدقاء أبي يلوحون له بأيديهم من بعيد.

وصلنا إلى محطة البنزين القديمة، ووضع أبي الدراجة في ركن الغربي وسندها على الجدار بالقرب من المتجر الصغير الملاصق للمحطة. كان عامل المحطة صديقاً لأبي، رحب به كثيرا وجلسا يتحدثان ويضحكان بينما جلستُ أنا على كرسي صغير أمام المحطة.

بعد مرور وقتٍ طويل جاءت سيارة (فيات) وقفت عند ألة تزويد البنزين، يقودها رجلٌ وسيم ٌوبجانبه فتاة صغيرة. نزل الرجل من السيارة وخرج أبي وصاحبه واستقبلوا الرجل بترحاب شديد ومودة زائدة. أما الفتاة فقد نزلت من السيارة ودخلت المتجر واشترت منه قطع من الشوكولاتة. ثم جاءت وجلست بجانبي في انتظار أبيها. أعطتني قطعة شوكولاتة. كنت انظر إليها بمحبة غريبة وكأنني اعرفها منذ زمن طويل. كانت تبادلني ابتسامات صغيرة، وأبادلها نظرات خجولة مرتبكة.

ركب الرجل والفتاة السيارة وودعه أبي وصديقه، وأنطلق يطوي الطريق وأبي يلوح له مودعاً. أصابتني الحيرة واجتاحني الفضول وحاصرتني الأسئلة: من هذا الرجل؟ ومن هي هذه الفتاة؟.. ضاق صدري بالأسئلة، أردت أن أسأل أبي لكنني أجلت ذلك إلى المساء.

ركبت خلف أبي وانطلق بنا حتى وصلنا، السينما. نزلنا وركن أبي دراجته، ودخلنا صالة العرض معاً. جلست بالمقعد بجانب أبي، تابعنا الفيلم بكل شغف فيلم مصري ُمثير، فجأة ظهر الرجل الذي جاء إلى محطة البنزين في الفيلم. صاح أبي: عرفته يا حسونه عرفته.. أنه (عمر الحريري). ابتسمت.. كنت أتمنى أن أرى الفتاة الصغيرة في الفيلم ولكن خاب أملي.


* ملاحظة: القصة واقعية بطلها المخرج/ حسن مكائيل.

مقالات ذات علاقة

طـابور الــتوتــة

كامل المقهور

عبسي البرويطَة

محمد النعاس

انتظار

فتحي نصيب

اترك تعليق