المقالة

2+2= 5

جورج أورويل، وروايته (1984)
جورج أورويل، وروايته (1984)

تفكير الإنسان أو اعتقاده بما ليس له أو صادر عنه، صاحبه مُستعبد، لا يجد كيف يمكنه التخلص منه إنْ تشرّبه وآمن به وغدا عنصراً من تفكيره ومُرشداً لسلوكه، فضلاً عن أنّ قد يجد في ذلك التفكير ملجأه الأخير وملاذه الأمن.  فهل من الممكن أنْ يُستعبد الإنسان فكرياً؟

(1)

في روايته 1984، كان خوف الروائي الإنجليزي جورج ارويل الرئيس، هو من أن يتحول أي مجتمع برمته للأسوأ حيث لا محالة يسوده الإستبداد والقمع الفكري والتهجين الذهني وتمركز السلطة بيد طرف واحد كان فرداً أو مجموعةً، ولم يكن مهاجماً للنظام الإشتراكي أو الشيوعي بشكل صريح وواضح وإنما تركيزه كان على احتمال أن يظهر أيّ مجتمع على النحو الذي رسمه في الراوية، مجتمع مغلق غير مفتوح.

(2)

مجتمع 1984 يحكمه حزب واحد له قدرة فائقة على ابتكار لغة أخرى بمفردات وأفاهيم أخرى على النقيض من اللغة المتعارف عليها، فيتلاعب الحزب باللغة وبالجماهير كيفما يشاء وتحت كل الظروف إلى حدّ أنّ أعضاء الحزب الحاكم يرون – بناءً على ذلك- لا فكر إلا فكر الحزب ومن ابتغى غير ذلك نهجاً أو مسلكاً فذلك يعني ارتكاب جريمة فكرية ومن ثمة فكل من أراد أن يكون حراً فكرياً مآله السحق إلا إذا آمن بفكر الحزب واعتنقه الإعتناق المطلق الذي لا تبديل له. فحتى يفرض إنسان سلطته ونهج تفكيره ومعتقداته علىإنسان آخر ، فليس أمامه إلا أن يجعله يعاني مرارً .

(3)

 فلم يكن “أرويل” تعنيه الحقيقة في الرواية كما رسمها وصورها بتفاصيل مذهلة، وإنما كانت خشيته من ينتج المجتمع البشري أياّ كان مجتمعاً تتطابق صورته حقيقة وعياناً لما رسمه في الراوية من مظاهر التعسف واغتيال العقل وتعطيل التفكير والسيطرة على ذهن الإنسان فضلاً عن القمع والسحل والتعذيب الجسدي والنفسي.

(4)

لنفترض أن السلطة أو النظام السياسي وضعك تحت اختبار بسيط مفاده أن تقوم بعملية  جمع حسابية بسيطة للرقمين 2+2 على أن تكون اجابتك محددة سلفاً وذلك على انّ حاصل الجمع يساوي 5 وعليك أنْ تصدق ذلك مقابل أن يصرف لك النظام مبلغاً من المال قد يصل إلى أكثر من مليون دولار في حال تصديقك لنتيجة الجمع التي فُرضت عليك من دون اكراه أو ترهيب مع احتفاضك بكامل حريتك من أن تقبل أو ترفض! إذن فأنت حرّ، فهل ستقبل ذلك ومن دون اكراه أو قمع؟ يعني هل تقبل بحاصل الجمع المغلوط مقابل مبلغاً كبيراً من المال دون أي تعذيب أو ضربٍ؟

(5)

هنا تنشا طبيعة الإعتقاد، فهل اعتقادنا يقع تحت سيطرتنا ونتحكم فيه على النحو الذي نعتقده ولا يعتقده الآخرين لنا؟ من الطبيعي يمكن حدوث ذلك عندما يتحقق المرء مما يعتقد فيه عقلانياً وبمساعدة التجربة والبحث والفحص والتقصي والدلائل. يعني إنّ الإعتقاد ذاته اشتراطه ليس فيما نعتقد فيه بالدرجة الأولى ولكن يتجلى ويظهر في المجال العام إنْ كان عقلانياً أو غير عقلاني.

(6)

لكن في كثير من الأحيان قد يصعب أن نكون عقلاء لذلك الحد حتى عند امتلاكنا خاصية التفكير الناقد وبالذات داخل مجتمع مقفول، فاحياناً قد نقوم بعملية التفكير تحت وطأة التمني، او نخدع أنفسنا على أساس أننا فعلا ما نعتقد فيه هو الصحيح أو أن نعتقد فيما تعتقد فيه سلطة خارجة عن ارادتنا ومنذ أمدٍ بعيد! بل قد نقوم بسلوك يتعارض مع معتقداتنا وأفكارنا والقيم التي نسترجد بها في الحياة.

(7)

لذلك، لنفترض الآن أنك تعيش في مجتمع سلطته مطلقة واحادية الجانب أرغمتك قهراً بشكل متكررٍ على أن تصدق بأنّ عملية حساب الجمع  2+2=5 صحيحة وحقيقة تحت استخدام أبشع  السبل الوحشية من الضرب والتعذيب والمهانة إلى حد أنّ السلطة ذاتها تستجوبك عن حالتك العقلية ذاتها كما حدث لبطل رواية جورج اورويل، “وينستون سميث” والذي وُضع قهراً تحت حكم هذا الإختبار، على أننا ندرك من سياق الرواية والأحداث بأنّ السيد سميث انسان عقلاني ويمتلك نعمة التفكير النقدي وذهنية متحررة بالإضافة إلى أنّه كان يعمل في “وزارة الحقيقة” ومسؤولا عن مراجعة التاريخ والمقالات على أن يقوم بوعيٍّ بتغيير الحقائق التاريخية في حين أنّه كان يحمل كُرهاً شديداً للنظام وللحزب بل وكان يسعى للقيام بثورة ضد “الأخ الأكبر” الحاكم بأمره والذي يعبرعن ارادة الحزب المُتسلطة على ذهنيان الناس التي يصل الأمر عندها بتصديق نقيض الشيء على أنه النقيض ذاته فالأسود أبيض وليس خلاف ذلك وعلى الجميع الإيمان بذلك ونسيان ذات الإيمان حتى يصير واقعاً فعلياً، فليس أمام المرء إلا أن يؤمن بفكرتين متناقضتين في نفس الوقت، ثمّ فجأة يرى ذاته أثناء رحلته العقلانية الذاتية بأنْ يصدق أنّ 2 + 2 = 5 بعد صراع ذهني أقحمته الظروف فيه بعد أنْ تشبع بمعلومات جديدة تتعارض مع قيمه ومعتقداته. فالسيد سميث صدّق بعملية الجمع الخاطئة في حين يعرف أنها خطأ.

(الرقم خمسة إشارة إلى الخطة الخمسية التي ينبغي أن تنجز في أربع سنوات عوضاً عن خمسة كما اتفق على ذلك أعضاء الحزب الحاكم.)

(8)

جبروت القائد أو الزعيم أو “الأخ الأكبر” هذا المخلوق الغامض الذي يُجسد جبروت وسطوة الحزب والذي يمتلك الحقيقة ومفاتيح اسرار الحياة، هذا الجبروت أرغم انساناً عاقلاً مثل السيد “سميث” والذي يتبع نهجاً عقلانياً في التفكير على أن يصدق ما اراد منه “الأخ الأكبر” تصديقه مستعيناً بأقصى وسائل الإكراه والعنف والتعذيب النفسي من انتزاع الإجابة التي يرتضيها ذاك “الأخ”. فهل من الممكن أن يتماهى هذا السيد “سميث” مع فكر السلطة وما تمليه السلطة ورؤية الحزب السياسية والحياتية إلى حد الإستعباد والطاعة المطلقة للزعيم؟

(9)

جورج ارويل ربما كان أيضاً يحيل القارئ في روايته بأنّه ليس من أيّ دكتاتور أو سفاح في التاريخ المعاصر لم يتعلم من نصائح “ميكيافيل”، فإن رغب “الأمير” أو الزعيم أو “القائد”  الإستمرار في السلطة فلا يكفي أنْ يتحكم في مجريات امور الواقع بل عليه أن يتحم في العقول والتفكير والإعتقاد. فعليه أن يعرف كيف يمارس الإساءة للناس على درجة بالغة من القسوة لا يضطر بعدها الخشية أو الخوف من انتقامه، عليه أن يكون مخادع مثل الثعلب وشرس مثل الأسد.

مقالات ذات علاقة

“دار الفقيـــه حسـن” شعــــاع نــــور يحمـل الأمــل

سالم أبوظهير

المحررون . من يحررهم

علي عبدالله

في حضرة ما نحب

ليلى المغربي

اترك تعليق