سرد

مقطع من رواية: الزئبق

من أعمال التشكيلية الليبية إسراء كركره
من أعمال التشكيلية الليبية إسراء كركره

كنت أنوي زيارة خاطفة للمتحف القومي – المقر السابق للاستخبارات العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية – فلقد أصبحت مصدرًا يثير القلق لدى كاميرات المراقبة؛ بسبب قدومي شبه اليومي لهذا المقر الآيل للسقوط، ولا أعرف سر حرصي الزائد على هذا الجناح بالذات، والذي لا يحتوي إلا على ثلاث قطع استخدمت قديمًا في حرب (روسيا، وأوكرانيا) منذ حوالي تسعة عقود، أما باقي الجناح، فكان مخصصًا للمحادثات، والوثائق السرية بين الاستخبارات الروسية، والإنجليزية، والأمريكية، والصهيونية، وإيران. وثائق أكل الدهر عليها وشرب، ولا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به. لكن الغريب في الأمر هو طريقة التفكير القديمة، بل الرجعية للمسؤول عن المتحف. هل مازال يعتقد أن هناك إنسانًا لا يزال يفكر في التقسيم المقيت الذي كان جاثمًا على قلوب البشرية، ويطلق عليه الدولة؟ لا أعرف كيف كان الإنسان يعيش في تلك الحقبة؟ لا يستطيع السفر إلا بورقة صغيرة يطلق عليها اسم “جواز”، فضلًا عن تأشيرة السفر، وتصريح الأمن، وتفتيش الحقائب، بل، والتفتيش الذاتي. صعبة جدًا تلك الحياة. قرأت في بعض كتب التاريخ: كان لكل دولة رئيس، وجيش، ووزراء، وحدود تفصل بين الدول، فإذا كان تفكير المسؤول رجعيًا إلى هذا الحد، فلماذا لا يقدم للعدالة الإنسانية؟ لا يوجد أحد على سطح الأرض يحب الرجوع للعبودية. رئيس مجنون يدخل شعبه في حروب لا حصر لها، يستخدم فيها أسلحة تبيد البشرية، نووية، وجرثومية، وبيولوجية. ولا زلنا نعاني منها حتى يومنا هذا. آه قد تركوا لنا تركة صعبة للغاية. بحثنا في الهواء والماء والطعام بدون جدوى. نعم لعلي أعثر هنا عن ضالتي، وأعجل بسعادة البشرية، لكن كيف يحدث ذلك مع وجود مسؤول مثل هذا يشتت التفكير؟ فسبب قدومي لهذا المكان البائس هو الرغبة في إجراء مسحة على فوهات البنادق التي استعملت قبل تسعة عقود. كما أجريت نفس المسحة على منصات الصواريخ النووية، والجرثومية، وأماكن انفجارها، سواء في شرق الأرض، أو غربها؛ للعثور عن إجابة واحدة لسؤال يطاردني: هل كان لتلك الأسلحة علاقة بتشوه الأجنة في شرق أوروبا؟ وهل انتشر ذلك التشوه بعدها كالنار في الهشيم بكل أصقاع الأرض؛ حتى بات العالم بأسره ينتظر على أحر من الجمر قدوم أول مولود سليم بفارغ الصبر منذ حوالي تسعة أشهر؟ لقد عجزت تمامًا عن تفسير هذه الظاهرة التي أقلقت البشرية جمعاء. استوقفني الحراس. طلبوا تفتيش ثيابي، وحقيبتي اليدوية، بل تم فحصي بالموجات فوق البنفسجية، فلم يعثروا على شيء، استفسرت من أحدهم، قال بصوت خافض هناك مجموعة من الوثائق قد سرقت وجاري البحث عنها. حقًا، إذا عرف السبب بطل العجب. خرجت بعد التفتيش خالي الوفاض. شعرت بشخص ما يترصدني؟ ركبت سيارتي، وجدت مؤشر خزان الوقود يعلمني أن الخزان فارغ من غاز” ثاني أكسيد الكربون” ركنت السيارة في محطة قريبة من نهر “المسيسبي” في ولاية ” مينيسوتا” انطلقت أبحث عن مقهى، وجدت مقهى يطلق عليه “البن اليمني” جلست في الغرفة المخصصة للمدخنين. الغرفة مصنوعة من الزجاج؛ محاطة من الداخل بأنواع مختلفة من الأشجار الاستوائية، والقطبية، وشجيرات صحراوية، وحشائش السفانا، والتندرا. كان الكرسي مصنوعًا من ” الخيزران” طلبت فنجان قهوة، سلمت جسدي للكرسي الذي له القدرة على التدليك الذاتي؛ حتى جاء “الربوت” يحمل فنجان القهوة. سألته عن رمزية المكان، قال: محاكاة لسطح الأرض، الزجاج يوفر الحرارة داخل الغرفة، ويمنع خروجها والأشجار تمتص ثاني أكسد الكربون، وتنقي هواء الغرفة. ما سبب تقلص مياه النهر لهذه الدرجة؟ دارت عيناه الغائرتان في محجريهما، وقال: بسبب انخفاض درجات الحرارة، وتجمد كثير من المياه في كندا. ماذا يعني اسم المقهى؟ يعني يا سيدي دولة تقع في جنوب غرب آسيا تطل على ساحل البحر الأحمر، وكانت قبل قرن مشهورة بـ “البن الممتاز”. شربت فنجاني، وأدخلت علبة السجائر في سترتي، شكرت “الربوت” على القهوة والمعلومات القيمة. انحنى لي احترامًا. استلمت السيارة الساعة العاشرة ونصف، ذهبت فورًا لـ ” نيويورك” قاصدًا مركز الأبحاث البيولوجي، وقد تكون هذه الفرصة الأخيرة لي. وضعت العينات. دونت عليها التاريخ (23-8- 2102.) الساعة العاشرة وخمس وأربعون دقيقة. خرجت من مركز الأبحاث أتجول قليلًا رغم أن البرودة تعم المكان، فالثلج يتساقط صيفًا، وشتاء، لم يعد سطح الأرض دافئًا كالسابق، فالأشجار يعلوها الثلوج، ووجوه الناس خالية من التعبير تعلوها كآبة. سمعت بالأمس أحد علماء الأنثروبولوجيا يتحدث عن أن الظاهرة التي نمر بها الآن قد حدث مثلها في السابق منذ حوالي تسعين عامًا، حيث اجتاحت أرضنا فيروسات (كوفيد 19) وراح ضحيتها الملايين. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا كان البشر في تلك الحقبة يتكاثرون، بينما اختلف الأمر اليوم، فتغيرت درجات الحرارة، وأصاب الإنسان الصداع المستمر وعدم القدرة على الإنجاب؟ آه. ليتني ما ذكرت الصداع. فها هو قد بدأ يتسلل لرأسي. يجب أن أخذ قرصين ” بنادول” قبل أن يتمكن من رأسي. رجعت مسرعًا للسيارة، وهناك استوقفني شاب في مقتبل العمر، مرتب الهندام، شعره أصفر، عيناه زرقاوان يقفز منهما الذكاء والدهاء. أنفه يوناني. ملامحه حادة. قال: سيدي. تفضل. أنا جئت وراءك من “مينيسوتا” إلى هنا. هل تعرفني؟ لا. لكن معي شيئًا. صمت قليلًا. ربما كنت تبحث عنه. استغربت، لماذا يكلف نفسه تتبعي مسافة تقدر بألفين كيلومتر؟ وهل ما يحمل مهمًا لهذه الدرجة؟ قلت: ما الشيء الذي أبحث عنه؟ فلو سمحت لي بالركوب معك، حينها يمكنني منحك ما كنت تبحث عنه. شعرت بالقلق منه، لكن الفضول اضطرني أن أسايره. أحضر حقيبة، وجلس بالقرب منِي. فتح الحقيبة، وأخرج منها شيئًا سميكًا به ثلاثة ألوان: (أحمر، أسود، أخضر) ما هذا يا سيدي؟ أنا “جاكوب” وهذا ملف، كان يوضع فيه الأوراق الهامة في أزمنة غابرة. ما علاقتي به؟ رأيتك تتردد كثيرًا على المتحف؛ وخاصة قسم الوثائق السرية. نعم ما علاقتك أنت؟ التفت. وأردف قائلًا: سرقت لك بعض الوثائق. كان ينتظر مني المكافئة قلت له: تفضل غادر السيارة من فضلك. تفاجأ من ردة فعلي. كان يمني نفسه بمبلغ كبير. قال:” لا تخف”، لن أطلب منك. قاطعته قائلًا: لن أتعامل مع سارق. غادر من فضلك قبل أن أطلب الشرطة. قال: إنها معلومات عن خطف علماء من دولة كان يطلق عليها ” ليبيا”، ونزل من السيارة مكسور الخاطر، لكنه ترك رقم هاتفه.

مقالات ذات علاقة

شرمولة

محمد الأصفر

رواية الحـرز (26)

أبو إسحاق الغدامسي

حدث في مدينتي

المشرف العام

اترك تعليق