قصة

جحا والخبز

من أعمال التشكيلي_محمد بن لامين

[1]

أ

مع أول بدايات يومٍ من الأيام الجديدة في المدينة، تبين أنّ المحكمة لا تحتمل التأجيل أو التأخير فقد دعت مسرعةً المولى جحا المثير للسخرية والثرثرة للمثول أمامها ولكن هذه المرة تحت قبة البرلمان بتهمة أنّه تجرأ و قال على الملأ وفي إحدى الساحات المشعشعة بضوء القمر، والتي كانت تعجّ بالرجال والنساء والشباب والشابات، ومن دون خوفً أو وجل وبكل بساطة إنّ: “حكماء وعقلاء المدينة لا يعرفون ولا يعقلون ولا يعلمون عما يتكلمون وينتحلون الكلمات الفضفاضة ويدورن على الفاضي لسنوات طوال في تشخيص وفهم الواقع الذي تعيشه المدينة في الآونة الأخيرة” ومع شموس الليل وصل الخبر أهل المدينة وعلموا أيضاً أنّ أهل الشكوى زعموا أنّ جُحا طويل لسانٍ وشتّام وسباب.

ب

وحدث أنْ يكون وزير الثقافة والعلم والمعرفة حاضراً لحساسية الموقف وخطورته على أمن البلاد ومصالح العباد للقيام بذاته بإستجواب المولى جحا أمام هذه النخبة، بينما جلس خلف الوزير سبعة من شهود أفراد حكماء وعقلاء المدينة للمساهمة في هذا الإستجواب حتى تتم نعمته على المدينة وحتى لا يندم أحد وذلك للوصول إلى نتائج مرضية عادلة.. وتجنباً لسوء المصير فقد شارك في هذا الإستجواب أهم المحللين السياسين وفلاسفة المجتمع والمؤرخين العباقرة وأهم أعلام الفكر والصحافة ومراكز الإنماء البشري والأقتصادي والتعليمي وخبراء نحو اللغة العربية وعلوم الصرف وبعض الفنانين والفنانات وأهل الفضائيات والمنصّات الأثيرية ربيبة الريح وجبر الخواطر… 

[2]

وها هي الريح التي على رأس قبة البرلمان ورأس الجميع تتراقص بنبل ورشاقة تنبس السمع نبساً وقد أخذت تكتب على سطح القبة ستين سطراً من سطور اللهجات الآمرة عن نوازع القلب وعن سياط الذل من عهد لعهد وعن السيول الزائلة والحفر الهائلة، وفي صمتٍ تكتب من مخبأ التأويل عن سحائب المرايا التي تنشر الأحكام التي لم تكتحل يوماً بالخبز والماء وهوامش الموائد الفسيحة، وحتى لا يرتطم رأس الحابل برأس النابل ها هم بعض الناس يحضرون الجلسة نصف نيام تحت قبة المجد والتاريخ تستمع للريح وعزفها الشجي.. أما وزير الثقافة فيتأمل كل شيء حوله بوجه صارمٍ مذهولٍ تنبشه غبار السنين.. لم يحدث شيء كهذا من قبل في المدينة. فليس في مقدور كل الناس حضور قبة البرلمان، ومتابعة شؤون المدينة السياسية والثقافية.. فمن هوامش البرلمان أحياناً أنْ لا يُستثنى أحد يوم الإستجواب أنْ لا يكوم من الحاضرين.. وثمة جانب آخر: تحت قبة البرلمان يكرم المرء أو يهان.. وها هي الريح في مسيرتها تنحو نحو رحاب رماح الكلام القادمة من تجاويف السنين وعتمة الدروب وهي تدق طبولها وبناديرها فوق أديم طريقٍ طويل تتهاطل عليه الدراهم القديمة وتهرول فوقه الأحذية المثقوبة.

[3]

تقدم الوزير في طلعته البهية، ابتسم له أهل المعرفة مُشجعين، أنفه دقيق وعيناه واسعتين تشع ببريق النصر والفوز المبين متحلياً بابتسامة شبابية، ألقى بصره حيث يقعد المولى جحا، قال للمولى سائلاً بصوت رخيم بنبرة مهذبة: ما قولك فيما نُسب اليك من تهمٍ وتطاول على أهل العلم والمعرفة والتفكير الناقد وخبراء المجتمع المدني وكتبة التاريخ وأهل القانون وفقهاء الحقوق من أقوالٍ تحط من قدرهم وتقلل من شأنهم دون مراعات لمشاعرهم الفهمية وعقولهم الذهبية وخبراتهم المتعددة وانجازاتهم التي لا تعدّ ولا تُحصى؟.. تنهد الوزير بعد السؤال والقى السمع مبتسماً بخبثٍ ذكي.. هزّ جحا منكبيه، تابع كلام الوزير باِهتمام و سرور، تطلع أمام بصره، تأمل جمال القبة، ظلّ يتطلع للجميع صامتاً يتأمل سحنة الذكاء وشعلة الفهم لدى العباقرة المصونين، تنفس بعمق، أدرك أن الوزير يحذره، همّ بالكلام، ثمّ قال بابتسامة باهته فيها بعض الغموض: حسناً، حسناً حتى يكون الأمر سهلاً على المحكمة الموقرة وعلى الجميع؛ إذا أذن لي معالي الوزيرأن أسال هولاء الحكماء السبع سؤالاً واحدً على أنْ أكتب السؤال على ورقةٍ يطّلع عليهأ كل حكيم على حاله دون أن يعرف بقية الحكماء النجباء ما هو السؤال ودون أن يطلع أحدهم على إجابة الآخرين،.. في اللحظة نفسها كانت الريح تدور في مدارها تفك مغاليق الكلام المستجاب، ثمّ قال جُحا بنبرة واثقة: ستعرف يا سيدي فيما بعد ما الذي دعاني إلى قولي ذاك الذي تفضلت به تحت هذه القبة السنيّة والذي – معذرةً – بالغت فيه كيفما يطيب لك.. تنهد الوزير وقال بصوت عميق التاثير على السمع والذهن وأمام الجميع: يا لك من رجل غامض لا ثقة لي فيك.. وبين لحظة ولحظة لحظةٌ قادمةً من بحور الشك.

[4]

تسلل الريب والشك إلى عقل وزير الثقافة كما سرت في المحكمة حالة من الرتابة والضجر، الناس تنصت مندهشة غير مكترثة بما يجري. ظلّ جحا صامتاً وقد تجلى الرضا في وجهه… كتب جحا السؤال على سبع ورقات واعطى كل حكيم ورقة من دون ارتباك أو حرجٍ.. تلقف الحكماء السؤال تلقفاً سريعاً وكل حكيم شرع يقرأ السؤال في صمتٍ تام: “ما هو الخبز“… ما هو الخبز؟ تطلع كل حكيم في وجه حكيم آخر فقرأ على جبينه: ما هو الخبز؟

[5]

انقضت برهة بسيطة، إنكب كل حكيم يكتب إجابته، مضى جحا واقفاً صامتاً.. جمع وزير الثقافة الإجابات عند الإنتهاء منها وشرع يقرأها الواحدة تلو الأخرى إجابة عن السؤال الخفي: ما الخبز؟ دهمت الوزير قشعريرة لتوه وهو يقرأ ومن تحت القبة يستمع:

الأول يقول إنّ الخبز طعام مفيد، الثاني قال إنّه دقيق وماء، الثالث قال إنّه نعمة من الله، الرابع قال إنّه رغيف يشبع الناس، الخامس قال إنّه غذاء صحي، السادس قال إنّ الأمر يعتمد على نوع الخبز هل هو محلي أم مستورد، أما السابع فقد قال لا أعرف حقاً أظن أنه دقيق وخميرة وملح وربما بعض الكمون الحلو ودقيقه إما قمح أو دقيق أبيض.

قرأ رأس الثقافة الوزيرالنجيب الإجابات بصوتٍ عالٍ، هي الإجابات بلاء مراء واضحة التفكير.. سمعت المحكمة الإجابات وسمع جحا ذات الإجابات فغرق في حالة من الذهول ثمّ الضحك، ثمّ مطّط فاه ثمّ قال على مسمعٍ من المحكمة وهو يثمل بنشوة خفية ويغمز بعينيه الحاضرين: يا سيدي الوزير كيف يمكنك أنْ تثق في إفادة وإجابة هولاء العقلاء النجباء المخضرمين أهل الخبرة والمعرفة والرؤى الثقافية والسياسية والفلسفية و التاريخية ألم ترى إنها حقاً إجابات وليست أوهاماً، ولكن يا سيدي ألم تنتبه بأنهم لم يتفقوا بتاتاً مرةً في الإجابات عن معنى شيء بسيط يأكلونه كلّ يوم…

[6]

لم يتفوه الوزير بأي كلام وأكل كل حكيم رغيف خبزه ليقيه من الجوع، وظلت الريح تتراقص برشاقة وطيب خاطرفوق قبة المحكمة وعند بوابة المحكمة كان حمار جحا يقف منتظراً وصوله رغم أنّه لا يطيق الإنتظار، يقف مشرعاً أذنيه ثابتاً مثل تمثال روماني و بعفوية و نباهة فطرة الحميرضبّح عن أسنانه فشعشع بريقها بقلبٍ طموحٍ مليحٍ وسأل صديقه بتؤدة: كيف كان الاستجواب يا جناحي اليمين؟ ضحك جحا وأقترب من حماره في تمهل شديد وربت على رأسه قائلاً: أما أنك حمارٌ عجيب حشري! 

مقالات ذات علاقة

الذئاب

علي الجعكي

المُولى جحا بدون حماره

محمد دربي

الدم الكبير

الصديق بودوارة

اترك تعليق