المقالة

القاعة

عمر أبوسعدة

“المفازة” بين تونس ومصر، التي ذكرها ابن خلدون (والأرجح أنه الحسن الوزّان) بوصفها مكمناً لقطّاع الطرق، لا علاقة لها بليبيا اليوم.

الصحراء القفر التي مرّ عليها ابن بطوطة مرور الكرام، -أو خائفاً يترقّب- لا علاقة لها بليبيا اليوم.

ليبيا التي منها “يأتي الجديد”، كما قال هيردوت، لا علاقة لها بليبيا اليوم.

ليبيا الفينيقية والرومانية، بمدنها الثلاث، لا علاقة لها بليبيا اليوم.

وقبل هذا، فإن ليبيا الهكسوس والجرمنت والتحنو والليبو والمشواش، لا علاقة لها بليبيا اليوم.

كذلك فإن ليبيا بني سُليم وبني هلال وأعراب غطفان، لا علاقة لها بليبيا اليوم.

وهذا يصحّ في بلدان أخرى، كالعراق ومصر واليمن.

فمهما يكن من أمر عُشّاق البحث التاريخي والتأريخ الحضاري، سواء كانوا من الشباب الهواة أو المختصين المحترفين؛ فإن واقع الحال أنه خلال هذه الأزمنة المتطاولة، جرت لهذه البقعة الجغرافية تغيّرات ضخمة، أحدثت قطائع تاريخية بين كل حقبة وأخرى، بحيث لم تعد “ليبيا” سوى علمٍ يدلّ على المسرح الذي شهد كل تلك الأحداث. وهو بالمناسبة، اسم لم يُطلق إلا لفترات قصيرة، قياساً بعمر المنطقة، المتقلّبة الأحوال.

والحق أن محاولة الربط بين شعب ما في الحاضر، وبين تواريخه المتقطّعة والمضطربة، الموغلة في القِدَم؛ لا يخرج عن هدفين: تبيان عظمة التاريخ الغابر، ليُجعل منه تكئة للنهوض، على اعتبار أن هذا قدره الموعود. أو على النقيض من ذلك: التوكيد أنّ لخيباته المزمنة وبؤسه المديد، جذوراً قديمة، وأنّ ما هو فيه، لا يعدو أن يكون مجرد استمرارية لجوهر أزليّ فاسد.

وعلى الهامش يكمن هدف ثالث صغير: إعادة اختراع “هويّة” البلد، في زمن وباء الهُويّات. وهي هنا تحديداً، محض تسويق فلكلوري كرنڤالي، يقف عند حد الاحتفاء بـ”الأصالة” و”العراقة”.

وهكذا تتثبّت رؤيتان ماهويّتان تستسهلان الربط بين الماضي والحاضر وتُشدّدان عليه، وإن من موقعين متناقضين.

وأقل ما يُقال فيهما أنهما “وهم” كبير، لا يقوله إلا من فقد كل وعي تاريخي، يُنتِج بالضرورة محاولة استنطاق الماضي، بحثاً عن أجوبة الحاضر.

بعبارة بسيطة، هذا تاريخ الأرض. لا موروثٌ عقلي وثقافي “قومي”، يصحّ أن يُقال إنه متراكم وممتد.

فتلك الجماعات بحضاراتها ومدنها وتقاليدها ومآثرها ومخازيها، وشهادات الرحالة والمؤرخين عنها، لم يجمعها سوى حيّز المكان فقط.. أو “القاعة”، على حد تعبير ليبيّ متأخر، كان هو الآخر مهووساً بالتاريخ، ومؤوّلاً له على طريقته الخاصة!.

مقالات ذات علاقة

كلاسيك (100/27)

حسن أبوقباعة المجبري

لا نعاتبك لا نلوم

خيرية فتحي عبدالجليل

مدن ليبيا القديمة بكاميرا السيفاو

منصور أبوشناف

اترك تعليق