طيوب النص

وصية أم

من أعمال التشكيلي عائشة السنوسي (الصورة: فنانو فزان التشكيليون)
من أعمال التشكيلي عائشة السنوسي (الصورة: فنانو فزان التشكيليون)


هكذا كانت وصية الأم وهي تغادر هذا الحطام الذي نحياه.

كان الليل يصهل بقسوة والريح تعربد في اتجاه الوجه الشاحب.. كانت آخر كلماتها.. القطيع.. الأم.

لم يكن يدرك يوماً أن مسارب الأحزان تضفي على الوحدة قتامة الزمن. الوحدة التي أدرك من أفلاكها نوعاً ثرياً من معرفة فذة لا يدركها إلا أمثاله. سر العلاقة بينه وبين الأم الموصى بها هو ذلك ناصع البياض الذي يسري بين طرائق بدنه وسيما صلابته. سر العلاقة هي نظرات الأمان والاقتراب من الابن سنين الوفرة والكلاء.

في الأماسي يرسل النسيم أوشاج الطيب من الواد المتاخم لكوخ الاب، ومباهج الثغر الباسم للأم الاولى علة الوجود. لم يعد الأب وفارقت الأم بعد صراع مع سعال قاس. ها هو الآن يشدو بمفاتن الجدا وهي تتراقص فوق روابي الزمن.. ها هي الأم يسحبها الزمن بأديم العمر ويكبر القطيع وتكبر الأم.

تدلت منها الأثداء وخارت القوى.. لم تعد تقوى على ركوب الشامخ في السماء بسيماء الوجود والبحث عن الكلاء. صارت تواعد السفح وتلازم الابن بضيق الخطى.

تسأل عن الغموض الشاحب في نظرات الام.. تسأل عن سر الارتعاشة وذبول البدن.. أدرك بقرب الأم أن الوعد قد اقترب حين جثمت الأم على أديم المنبت ونظرات الرضاء والانتماء تزين لحظة الحب حين امتد العنق ليحضن اليدين وتزفر الزفرة الأخيرة. وتسيل الدمعة بالمقلة الغائرة لتغسل أديم الصدر الاجش. وتنساب لتغسل وجه الأم الموصى بها سليلة الصلابة وسر الأعاطي والحياة.

قال العراف.. عظيم الحب لا تكتنفه الخطايا وسيماء العشق للذاهب دوما نحو الأفول. وهنا سر الحكمة.. سر العشق.

مقالات ذات علاقة

ملح العراء

عبدالسلام سنان

حُلهً من نور

المشرف العام

حوار

فتحي محمد مسعود

اترك تعليق