قصة

قبل أن تتلف كبدك

من أعمال الفنان محمد الشريف.
من أعمال الفنان محمد الشريف.

خرج رمضان من بيته والابتسامة تعلو وجهه، أفشى السلام على جيرانه بفرحٍ ومرحٍ، اقتربَ من سيارته وفتح غطاء المحرك كعادته؛ كي يتفحصه قبل تشغيله.

دنا منه رجب -أحد الجيران- قائلاً له: صباح الخير يا حاج رمضان.

فردّ رمضان: صباح الأنوار، كيف أصبحت؟

– الحمد لله، بخير.

أردف الجار: هل نزور ميلود اليوم؟

نظر رمضان في رجب حائراً، وقال: همم.. لم نزُرْه منذ يومان، هيّا بنا لنذهب إليه.

وصل الجاران للغرفة التي يقبع فيها ميلود، وقابلا عند الباب زوجتَه، أفشى كلٌّ منهما السلام وبدأ رمضان بالسؤال عن جاره، فكانت الزوجة تجيب بكل حسرة وحزن على وضع زوجها، واستودعتْهما وغادرت الممرَّ بسرعة البرق.

طرقا الباب فأذن لهما ميلود بالدخول.

دخلا وسلّما عليه وجلسا بجانبه، وبدأ كل منهما بسؤال ميلود عن حاله وصحّته، وما إن فرغا حتى بدآ بطرح أسئلة كانت مهيئة مسبقًا لديهما:

– كيف حال كبدك هذا اليوم؟

– ردّ ميلود قائلاً: بخير، الحمد لله.

قد سمعنا من زوجتك أن التحاليل عن الكبد لم تكن إيجابية، سأل رجب هذا السؤال بابتسامة ساخرة!

فرد رمضان: بالطبع ستكون غير إيجابية، هذا الخمر داءٌ لا شفاءَ منه.

وأردف قائلًا: قل لي يا ميلود، لو خيروك بين شرب الخمر وبين ضربنا ماذا ستختار؟

فرد رجب ضاحكًا: سيختار الخمر بالطبع، لم تعد فيه قوة ليضربنا من جديد.

قهقه رمضان بصوت عالي قائلًا: لا ضرب ولا خمر، إنّما يلازم فراشه حتى آخر العمر.

فقال ميلود: لو يخيروني فسأختار ساعةً فقط؛ كي أعود كما كنت، وأمسح بكما بلاط هذه المستشفى.

فقال له رجب وقد وضع يده على كتفه: لا تقل كلامًا يسبب لك الإهانة أمام زوجتك.

وقهقه الاثنان بصوت عالٍ جدًّا، مما جعل ميلود يستشيط غضبًا ويحاول بكل جهد أن ينهض.

في تلك الأثناء دخلت زوجته حائرةً هائمةً فقال ميلود موجهًا الكلام لها، إلا أن عينيه لم تنزل عن الاثنان: أخرجيهما من هنا قبل أن أقتلهما.

فنهض رجب مقهقهًا وقال له: لا عليك، سنخرج.

بينما ظل رمضان ينظر إليه بازدراء وسخرية فاقترب منه وقال له: تقتلنا نحن؟ فأومأ إليه برأسه موافقًا.

فأردف رمضان قائلًا له بكل سخرية: هذا قبل أن تتلف كبدك.

وخرج الاثنان وهما يضحكان، وكانت زوجة ميلود تنظر إليهما بدهشة وتعجب، وحين نظرت إلى زوجها رأته ينظر إلى السماء من النافذة والدموع منهمرةً من عينيه.

فحاولت تخفيف الإهانة عنه وربَّتت على كتفه قائلة: لا تحزن يا ميلود، ستعود كما كنت بصحة وعافية، ويعود الشارع يهابك ويخافك كما كنت.

تحسنت صحة ميلود بعد فترة العلاج، وحذره الطبيب من الاقتراب من الخمر مرةً أخرى قائلًا له: إنّ صحتك لم تعد كما كانت، والخمر سيقتل كبدك إن شربته مرة أخرى، كبدك سودة مثل سواد الليل، قد تلفت، أرجو منك ألا تشرب إن أردت أن تحيا.

وفي تلك الأثناء كانت الزوجة مبتهجة فرحة بخروج زوجها، وكانت الابتسامة لا تغيب عن ملامحها لحظة، كانت وكأنّها طفلة صغيرة تحمل في يدها لعبتها المفضلة، بينما كان ميلود مرتاح ومبسوط لأمر آخر.

في صباح اليوم التالي فتح ميلود نافذة الشارع وتطلع بعينيه في الحياة خارج تلك الجدران الأربعة التي أطبقت على أنفاسه، فرأى زوجته عائدة من البقالة، واستوقفها رجب ورمضان قليلًا، ثم أقبلت نحو البيت، ودخلت للبيت وكانت ملامحها تفيض أملاً وشغفاً، سألها ميلود عن سبب إيقافها من الجارين.

– فأجابت: لا شيء، كانا يسألان عن صحتك.

ابتسم ميلود قائلًا: جيران أوفياء، سأجعلهما يعلمان بصحتي الآن، وخرج من البيت، بينما همَّت زوجته بفتح النافذة لترى ما سيفعله زوجها.

اقترب ميلود من السيارة التي كان يقف أمامها رجب ورمضان، وكان غطاء المحرك يحجب عنه رؤيتهما، فحين وقف خلفهما وانتبها لوجوده انصدما! فبدأ بضربهما دون أن ينبس ببنت شفة، ووضع رأس كلٍّ منهما فوق محرك السيارة، وأقفل عليهما بغطاء المحرك وجلس فوقه، وكان الجاران يستنجدا ويصرخا: أخرجنا أخرجنا.. فردّ ميلود مقهقهًا: لن أخرجَكما حتى تتلف كبدي!.

مقالات ذات علاقة

قدر..

حسين بن قرين درمشاكي

الكمامة

عزة المقهور

هدرب

رشاد علوه

اترك تعليق