حوارات

الدكتورة سالمة عبد الجبار : تراثنا الديني يتضمن جوانب مضيئة ومستنيرة

الطيوب : حاورها / مهنّد سليمان

الدكتورة “سالمة عبد الجبار”

لازال العالم يعيش منذ عقود طويلة واقع صراع قديم ولعين لعل جذوته أُذكيت حين اهتدى الإنسان إلى المعجزة التي بين كتفيه، ورفض تهذيب إنفعالاته البدائية ونوازع الشر فيه، لتنفجر الحروب وتسفك الدماء تارة تحت اسم الله والدين وتارة أخرى تحت اسم أنتم متخلفون ونحن من سينقذكم من تخلفكم، وهذا التأزم البشري المزمن أدى لمآلات وعواقب جسيمة حافظ فيها الإنسان المعاصر على توحشه البدائي في قالب (برفان) باهظ الثمن، جعلت من الأفكار النمطية والأحكام المطلقة تأخذ حيزا شرعنت فيه لكل هذه الفوضى، وعبر هذه الاطلالة نستضيف الدكتورة سالمة عبد الجبار أستاذة الفلسفة والأديان بكلية الآداب جامعة طرابلس التي تؤكد بأن الصراع الحضاري أو الصدام الحضاري هو أكذوبة غربية وفكرة مررتها المؤسسات العاملة في مجال تصدير الفكر لأهداف معينة حتى تكون في مواجهة أفكار الإنسانية وقيم الحوار والتعايش، كما تتطرق الدكتورة سالمة عبد الجبار في هذا الحوار لجملة من الحساسيات الفكرية والدينية والفلسفية، وصدر لها في هذا الإطار مجموعة من البحوث والمؤلفات وهي : (الدين وقضايا العصر)،(الدين والحرية)، (تأملات)،(الدين والسياسة).

تطرحين في كتابك المعنون(الدين والحرية)آفاق استيعاب الدين لمفهوم الحريات المعاصرة هل ترين انسجاما ملموسا بين الطرح العقدي والمفهوم الغربي عن الحرية ؟
الدين والحرية هو محاولة للبحث في مفهوم الحرية من خلال الدين، هل الدين يحقق الحرية وهل الحرية تتناغم مع الدين، وهل تمنع الأديان الإنسان من ممارسة حياته بحرية تامة، وقد كانت هذه الاشكالية الاساسية التي استمرت مع الفكر الإنساني عبر التاريخ، إذ حاولنا في الدراسة من خلال استنطاق النصوص القديمة والدراسات الأركيولوجية وتفكيك القراءات الدينية واستحضارها بقوة لمعرفة طبيعة هذه العلاقة، وكانت الفكرة الأساسية أنه منذ بدء الخليقة ومع تطور الكائن البشري ومع محاولات التفكير المتعددة كانت كل الدعوات هي دعوة للحرية ومنذ بداية الظاهرة الدينية عند الشعوب القديمة، وقد عرضت الدراسة لاستعراض تاريخ لمراحل هذا التطور في مجال الفكر الديني مع بداية اشكال العبادات المختلفة في بلاد النيل القديمة وفي بلاد الرافدين في بابل واشور وسومر وكلدان كذلك تجسد الأمر في حضارات شرق آسيا عند الهنود وبلاد الصين وفارس واليابان القديمة وهو ما عرف بالتاريخ القديم بالديانات الوضعية وسميت كذلك في مقابل الديانات السماوية وهي التي ارتبطت بالأنبياء والرسل والنصوص المنزلة.


ويتضح من خلال هذا الأمر أن الكتابات الدينية لهذه المرحلة قد سجلت في نصوص دينية وكتب وأساطير واعتبرت بمثابة الكتب المقدسة لهذه الشعوب والحضارات
فقد عرف في بلاد النيل كتاب الموتى من أشهر ما كتب في مجال الفكر الديني إضافة إلى دعوات أخناتون وصلواته إلى جانب قصص الفلاح الفصيح وأساطير إيزيس وأوزيريس وغيرها التي تدعو إلى ضرورة خلاص الإنسان وتحرره من جميع سلطات الكهنة ومرتزقة المال وسراق قوت الفلاح ودعاة الخلاص من تجار الأدعية والتمائم، هذا ما احتوى عليه كتاب الموتى.


وهكذا كان الأمر في بقية أنماط الفكر الديني القديم في كل المناطق حيث يشكل الدين الخلاص والدعوة لتحقيق العدالة والحرية للانسان حتى يعيش بعيدا عن أخطار استغلال الكهنة ورجال الدين وتتواصل الفكرة في الكتاب عبر مراحل التاريخ الانساني لتصل إلى نتيجة مفادها أن الدين يحقق الحرية،أما ما جاء في فكرة سؤالك عن المفهوم الغربي للحرية مقابل المفهوم العقدي نقول أن تلك تقسيمات جغرافية وتاريخية لمراحل التفكير والقول بها إنما هو تأكيد نظرية المركز والأطراف التي نادى بها مفكرو الغرب حيث تم وضع الإطار الغربي للفلسفات والأفكار والتي خدمت منظومة الغرب الذي خرج من حروب وتقاتل بسبب الدين في مرحلة العصور الوسطي إلى مرحلة جديدة من الوضعية والعقلية التي ترفض كل ماله علاقة بالفكر العقدي والروحي والأديان بسبب ما قامت به الكنيسة ورجال الدين من القساوسة والقديسين ومفكرين الكنيسة من الاباء الاوائل امتال القديس ((اوغسطين ))ورفاقة والذي نشر افكاره في كتابه الشهير(( مدينة الله ))بالدعوة إلى الإيمان أولا ثم العقل،((أومن تم تعقل )) مما أدى إلى سيطرة تامة على العقل البشري ومنع العلم والعقل والتفكير فجاء التفكير الإنساني الغربي مع عصر النهضة ليلغي كل محاولات التفكير العقدي والديني، وقد كان لهذه المرحلة تأثير كبير على منظومة الفكر الإنساني حتى يومنا هذا في الموقف من الدين والفكر الديني ومفهوم الحرية في شكلها العام .

غلاف كتاب (الدين والحرية)

لا تنفك الأصوات التي تتعالى مطالبة بضرورة تحييد المؤسسة الدينية عن صناعة القرار السياسي، ماهو تصورك للسبيل للخروج من المأزق الحضاري اليوم ؟
العالم اليوم يعيش سلسلة من الأحداث التي تشكل مأزق على صعيد الإنسانية جمعاء ويكمن هذا المأزق في استغلال الدين لصالح فئات خاصة تعمل علي الارتزاق والاستفادة من كل الأطروحات الدينية، وتأتي المؤسسات السياسية على قائمة هؤلاء حيث يتم استغلال الدين للمزيد من المكاسب السياسية بغية الحصول على السلطة والسيطرة على عقول الناس، ولابد للخروج من هذا المأزق الكبير التفكير في العودة بالدين إلى طبيعته السمحة في قلوب الناس ليتحول بذلك إلى وازع داخلي وضمير حي في نفس كل إنسان.


برأيك لماذا أخفق إنسان اليوم في تجاوز آثار الصدام الحضاري؟
فكرة الصراع الحضاري والصدام الحضاري هي أكذوبة غربية وضعتها المؤسسات العاملة في مجال تصدير الفكر لأهداف معينة لتكون في مواجهة أفكار الإنسانية والحوار والتعايش، وذلك لغرض تأجيج العالم وفق مقولات تتصدر الحوارات الفكرية كالعولمة والصراع الديني والأقليات المهمشة ونهاية التاريخ والعديد من هذه الاطروحات التي تجاوزت وإمتدت لتصبح مقولات عالمية يتم طرحها عبر منظومة الفكر الإنساني والتعامل معها وفق أهداف سياسية لأصحاب السلطة والمركز في العالم.


لماذا لم يستوعب أحد أن الحضارة الإنسانية تنصهر في بوتقة مشتركة ؟
الحضارة الإنسانية عبر التاريخ هي تعبير عن الواقع الإنساني ونتاج لالتقاء الشعوب والثقافات وهي تعمل بشكل مستمر للانصهار في بوتقة واحدة رغم محاولات التقسيم والتمييز بين الحضارات شرقية وغربية أو تقسيمات تاريخية كالحضارات القديمة والحديثة والوسيطة بيد أن البعد الإنساني للحضارة يتطلب أن تعيش الإنسانية في واقع من الانصهار يتغذى بالتنوع والتعددية في الفكر والمذاهب والتوجهات دون تمييز بين البشرية وثقافاتها وحضارتها.


التراث موضوع شائك وطويل وعلاقته بالدين مترامية الأطراف، كيف يمكن تحويل مخزوننا التراثي لعامل استثمار ؟
الدين والتراث من الموضوعات المثيرة في الفكر الإنساني للجدل والحوارات الفكرية أيهما يشكل المرجعية الأساسية وكيف تتحق تلك المرجعية في ظل الأديان وكيف يتشكل التراث الديني وما علاقته بالفكر، وهنا لابد أن نميز بين النص الديني وبين الفكر الديني، فالنص مقدس أما الفكر فهو نتاج للتفكير الإنساني، وهو في حالة تراكم معرفي وتزايد عبر التاريخ مما يعني أن الفكر الديني يحتوي إضافات بشرية في مختلف القضايا المتعلقة بحياة الإنسان عبر التاريخ ومن هذا المنطلق ينبغي التركيز على الجوانب المضيئة والمستنيرة في التراث الديني والابتعاد عن كل ما يمنع حياة الإنسان من التطور والإبداع دون المساس بالمقدسات المرتبطة بالنص الديني.


البعض يربط قضية الحرية بمبدأ تحرير رأس المال والانفتاح على الأسواق الحرة، إلى أي حد تقترب الحقيقة من ذلك ؟
هناك فرق بين الحرية بمفهومها الفكري وانعكاسها على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وهي في نهاية المطاف تركيبة متكاملة لا تتجزأ تبحث في تعزيز مكانة الإنسان وتقديسه باعتباره كائن بشري يطمح إلى تطوير ملكاته عبر الزمن عبر منظومة السياسة والاقتصاد والاجتماع.


هل تجدي المفاهيم الحداثوية وظروف بيئتنا الثقافية والحضارية ؟
الحرية ومفاهيم الحداثة ودورها في البيئة الثقافية من الموضوعات الخطيرة والمثيرة إذ أن الحداثة نمط سلوك ترنو إليه كل المجتمعات من أجل تطوير أسلوب العيش والارتقاء به بشكل حديث في مجالات الفكر والأدب والصناعة، وهو أداة لتأكيد حرية الإنسان في وضع خيارات محددة لحياته دون قيود مادية أو معنوية تحول بينه وبين استخدام العلوم والمعارف لتحقيق الحداثة والنهضة، وبالتالي فإن مجتمعنا في حاجة ماسة للانطلاق بقوة نحو مفاهيم الحداثة وأطروحاتها لتحقيق التوازن المطلوب.


كلمة أخيرة :
شكرا لجهودكم في طرح الفكر وفتح آفاق الحوار بشكل علمي ورصين يحقق التواصل بين مختلف الثقافات والأجيال من أجل حاضر مستنير ومستقبل مشرق لأبناء وطننا.

مقالات ذات علاقة

إبراهيم الكوني: الصحراء وطن الرؤى السماوية وإلا لما كانت مبدع الديانات (2 ـــ 4)

المشرف العام

الشاعر: فرج العربي: نعيش مناخاً مشتركاً بأنفاس مختلفة

المشرف العام

حوار مع محمد النعّاس المرشح للقائمة القصيرة

المشرف العام

اترك تعليق