قصة

شو قالوا يا عمر حلو وما ذقتك

خديجة رفيدة

من أعمال التشكيلي المغربي خليل بوبكري (الصورة: عبدالمجيد رشيدي-المغرب)

ينطلق صوت فيروز عبر مذياع جدتي صادحا ورائقا في آن، أسمعه من المطبخ وأنا أُحضر لها إفطارها الذي تحبه باكرا جدا، تغضب إن تأخر، ودرجة الغضب تقاس بشيئين: مزاجها؛ ومقدار تأخري.

اليوم تأخرت في نهوضي، تأخرت حتى التاسعة والنصف، لم أستيقظ حتى للفجر، بالتالي لم أعجن الخبز الذي تحب، لقد كان ألم الأسنان مرافقي طوال الليل، وحين خف الألم غيبني نومي عن واجباتي: صلاة الفجر؛ عجين الخبز؛ تشغيل سخان المياه لحمام جدتي.

قفزت من نومي كمن لدغته عقرب، نظرت للساعة في هاتفي فوجدتها التاسعة والثامنة وعشرين دقيقة، نظرت لشباك غرفتي فوجدت الشمس موجودة حقا، الأمل بأن أحدا ما لعب بإعدادات الساعة في هاتفي تلاشى.

لقد خفت العقاب، ليس عقاب صلاة الفجر التي غفلت عنها، الله يغفر لي صلاة واحدة تأخرت عنها بسبب الوجع والألم، لكنني خفت من جدتي، سأعيش يوما كاملا – حتى فجر الغد – في توتر وخوف رهيبين.

غسلت وجهي، توضأت على عجل وذهبت للمطبخ لأضع براد الشاي على النار، رجعت لغرفتي وصليت – على عجل أيضا –، تذكرت أنني أرتدي الفستان الذي تكره أن تراني فيه، سيزيد اليوم توترا، بدلت ثيابي، وخرجت مرة أخرى من غرفتي كي لا أعود إليها حتى صلاة العصر.

وضعت ابتسامة خائفة على وجهي، فجدتي لا تمنح الحق لأحد أن يُكشر إلا هي، فتحت بيت الثلج* وأخرجت فردة الخبز الملفوفة في فوطة وكيس، دعوت لعمتي في سري، عمتي التي كانت قبل سنوات في مكاني، أخبرتني حين استلمت منها هذا المكان بعدة أشياء تخفف حدة التوتر وغضب جدتي وتزيد الراحة أكثر، من بينها وضع بعض الخبز في بيت الثلج فور إخراجه من الفرن، من ثم تسخينه في حال لم يتوفر الخبز الطازج لأي سبب، من باب الاحتياط وحل الأزمات.

مزقت الكيس ونفضت الفوطة ووضعت الخبز في المايكروويف، فردتُ الصفرة على الطاولة، أخرجت المفرش الذي لا ترضى غيره ولكن سقطت مني مفارش أخرى، يداي ترتعش، تذكرت أني لم أشعل النار تحت الحليب، حليب جدتي من عنزها التي يربيها عمي، يحضر لها يوميا قنينة نصف لتر حليب، وقنينة أخرى لبن، تفطر وتتعشى بهما.

جدتي تحب كل شيء ضمن تخطيط وتنظيم معين، وجباتها؛ حمامها؛ زيارات أعمامي وعماتي لبيتها، كل شيء يسير وفق خطة محكمة لا تحيد عنها – ولا نحيد عنها نحن جميعا بالطبع – ولا نجرؤ حقا.

أشعلت النار تحت بكرج الحليب، ووضعت صحن الهريسة والجبن والزيتون على الصفرة، والشاي أيضا، ووقفت أنتظر صوت الميكروويف معلنا انتهاء دورانه، ثم وقفت أمام الغاز كي لا يفور الحليب ويخرج على السطح الخارجي للبكرج، فهذا المنظر كفيل بدفع يدي جدتي لقلب صفرة الفطور على الطاولة، لكنني سرحت، وكأنني أرى أمام عيني مشهد مضى عليه عشرون عاما وسبعة أشهر وخمس أيام:

حين توفي والدي رحمه الله تعذّر على أمي البقاء في بيت يعجّ بالعُزاب حسب ما تسنه التقاليد، وفي ثالث أيام العزاء جاء أهل أمي ليأخذونا – أنا وهي – لبيتهم بطبيعة الحال، لكن جدتي وقفت في مدخل الخيمة بعكازها أمام جدي لأمي، سنت أحكامها وقالت “تأخذ بنتك وبنتنا تقعد”، حُكم عليّ بتلك الجملة أن أُحرم من العيش مع أمي بعد حرماني من أبي بعد ثلاثة أيام، أنا الطفلة ذات الثلاث سنوات ونصف.

الرهيب في قصتي هو أن مشهد جدتي الواقفة فاردة ظهرها أمام جدي الذي يغزو الشيب رأسه وأحنى العمل في الميناء حمّالا ظهره، وأمي التي تحضنني بكلتا يديها تبكي بشدة وتنوح لأنها ستفقد ابنتها الوحيدة إثر موت زوجها، والنساء المجتمعات والمتجمهرات خلف جدتي ويتهامسن، والرجال الواقفين خلف جدي وأصواتهم تعلو، كان هذا المشهد بكل وجوهه التي لا أميزها الآن أول مشهد حُفر بشكله الكامل في ذاكرتي.

انتصرت جدتي – الجبارة – كما يناديها الناس، واستلتني من حضن أمي، وبقيت في حضن عمتي، كانت أمي تزورني كثيرا جدا، ثم كثيرا، ثم قليلا، في كل زيارة تُسمعها جدتي شتائما وكلاما لا يرضاه شخص لنفسه إلا من له حاجة – أو ابنة – وبطبيعة الحال كان هذا الرضا يتناقص مرة بعد مرة، كنت أشعر أن رصيد أمي من التحمل سينتهي يوما ما، وكنت أخاف هذا اليوم، وحين تزوجت أمي سدّت جدتي أمامها الباب، وفقدت أمي للأبد.

خرجتُ من سرحاني على صوت الحليب الذي يفور، خرج رغم انتظاري، طفرت دمعات من عيني، خفتُ أكثر، العقاب سيشتد لا محالة، والغرفة تبدو لقلبي جحيما مرتقبا، بدلتُ البكرج بآخر، على الأقل لن ترى خطوط الحليب على البكرج من الخارج، وهرعتُ أرفع حاجبيّ وابتسامتي المزيفة وصفرة الفطور، دخلتُ بقدمي اليمين استجلابا للبركة والخير ورضا جدتي، وقلت بصوت يرتعد “صباح الخير”، لم ترد عليّ، تغني فيروز “شو قالوا يا عمر حلو ما ذقتك” فرددتُ دون قصد مني “حتى اني يا فيروز”.

رأيت امتقاع وجهها، ورأيت يدها تمسك بالعكاز وتضربه على الأرض مثلما كانت تضربه ذلك اليوم الذي تذكرته قبل دقائق، وضعتُ أمامها الصفرة وبررتُ تأخري، لم تقل شيئا، لكن ما إن أدرتُ ظهري حتى قالت لي أنها رأتني قبل أن أبدل فستاني، ووبختني على ارتدائه، فستاني الذي أحب، آخر ما تبقى لي من أمي، خبأَتْه عمتي لسنين لتحتفظ به لي، فستان أمي الذي كان في غسالة الملابس يوم جاء أهلها ليأخذوها لبيتها، خطر على بال عمتي أن تحتفظ به، وحين تزوجت عمتي وتركتني لأهوال جدتي لوحدي سلمتني كيسا به شيء مغلف ومغلق بإتقان، قالت بأن هذا الفستان لأمي، وقالت كلاما طيبا كثيرا في حق أمي، خمنتْ عمتي أن جدتي نسيت الفستان بعد هذه السنوات، لكنني ما إن ارتديته حتى بدت كمن صُعق بكهرباء من غضب، فصرت أرتديه فقط في أوقات نومي، لأشعر بأمي، لأشعر بأن شيئا ما يربطني بها، وجدتي تستكثر عليّ هذا.

لقد نسيَت أني لم أعجن لها خبزا طازجا، ونسيَت أنني تأخرتُ ساعتين كاملتين على موعد إفطارها، ونسيَت أمر الحليب الفائر، فقط لأنني ارتديت فستان أمي.

توقفتْ فيروز عن الغناء، لكنني رددت: “شو قالوا يا عمر حلو وما ذقتك”؟


* بيت الثلج هو الجزء العلوي المجمد من الثلاجة

مقالات ذات علاقة

الرحيل

عبدالمنعم المحجوب

موسم الخرافة

كريمة حسين

فـزعُ الكوابيس

خالد السحاتي

اترك تعليق