المقالة

ظلهن.. يسقط عندنا

الشاعر السنوسي حبيب
الشاعر السنوسي حبيب

يأتينا تذكار الشاعر السنوسي حبيب بأبريل الذي وصفه الشاعر ”ت. س. إليوت” في مفتتح قصيدته ”الأرض اليباب” بأقسى الشهور الذي لا يمكن أن يكون في ليبيا شهرا قاسي البرد أشبه بالشتاء إلا إذا كانت هندسة السجن كبنية تعسّف متقصّدة، قد تعمّدت أن تجعله كذلك…

فنقرأ في (أتذكر) حبيب: “يتكوّن المبنى (سجن الجدّيدة بضاحية طرابلس) من مكتبين للإدارة وعشر زنزانات في صفين متقابلين تتوسّط بينهما صالة صغيرة، وملحق به دورات مياه كان بشكل عام بناء صغيرا، وشديد البرودة”.. فالفقرة المقتطفة توصف البناء بأنّه: صغير وشديد البرودة، بما يوحي بأن الزمن الذي دخل فيه السجين المبنى كان شتاء. وهو ما يتّم نفيه بالجملة الخاتمة للنصّ: “حين اقمت به حوالي اسبوعين في شهر ابريل الربيعي، ولكنّه كان ربيعا قاسيا، اشبه بالشتاء”.. تشبيه الربيع بالشتاء في أتذكر الشاعر حبيب استعارة تصريحية ذكر فيها المشبه به “المستعار منه” وحذف أو عبر عنه بكأنه المشبه “المستعار له“…

ففي السجون غير الليبية التي أطلعنا على مذكراتها تكون الحضورات الحميمة التي تسمح بها القضبان الفاصلة وتتيحها زيارة السجن المنتظمة والتي تخصبها المراسلة المتواترة باتجاهيها التي تبدو أنّها كانت بالضّد من قساوة الاعتقال تجربة ماتعة، تجلّت في تلك ”الأدبية” الرائقة التي اتسمت بها غالبية نصوص (رسائل) أدبيات السجن التي قرأناها في الآداب العالمية وبعض العربية والتي خفّفت إلى حد ما من قتامة السجن لدى المتلقّين لها…

هذه الحضورات هي ما نفتقده في السردية الليبية والتي عكست شحوبا وفقرا ملحوظا في مخيّلة الفضاء البديل، فأبدلت السجن بفضاء سجني مواز هو (سجن النساء) لمصادفة وجوده مرتين مجاورا لسجني الكويفية ببنغازي والجديّدة بطرابلس اللذين قبع فيهما حبيب والذي تمّ اقتراحه في سرده مجالا أو (فضاء) رغبيا (ليبيديا) مثّله مع نصّ آخر ليس بذات الأهمية، هذا النص اليتيم يقول: ”تصادف للمرة الثانية ان نكون جيرانا لسجن النساء بالجديدة حيث لم يكن يفصلنا سوى الجدار وبعض الأشجار التي كان ظلها يسقط عندنا”.

مقالات ذات علاقة

بمقهى الفنانين طرابلس: شربنا القهوة وبعيدا أخذنا الحنين

زكريا العنقودي

خيوط الحنّاء

المشرف العام

حُب الطفولة المتأخرة

عمر الككلي

اترك تعليق