المقالة

جدران القاعات الخاصة آخر ما تبقى للفن في ليبيا

دار الفنون
دار الفنون

من هو مهتمٍ ومتابعٍ للحراك الفني التشكيلي في ليبيا يدرك جيداً أن وضعه الحالي ليس على ما يرام، وأنه يواجه تحديات حقيقية تهدد استمراره في الوجود، لا سيما في الآونة الأخيرة، أي منذ حلول العشرية الثانية للألفية الثالثة، بل لم يكن حاله منذ أن أدركته منتصف ثمانينيات القرن المنصرم يرضي سقف الطموحات الشاهقة لدى فئة واعية من الفنانين التشكيليين، الذين شاهدوا تجارب وصروح فنية في بلدان أوروبية متقدمة، تأثروا بها أثناء دراستهم في جامعاتها، فأرادوا بعد عودتهم أثناء عقدي السبعينيات والثمانينيات أن يحاكوها وأن يطبقوها على أرض الواقع، الذي لم يكن يحتمل أن يحتضن ولو قاعة “معاصرة” للفنون التشكيلية. لا يمكن للمرء أن ينكر أن ثمة فترات قصيرة من التاريخ، بعيده وقريبه، قد شهدت انتعاشات طارئة للفن، خاصة في مدينتي طرابلس وبنغازي وبعض المحاولات في مدن مصراتة وهون وسبها رغم تواضعها. لكن تدهور حال الفنون التشكيلية وتدني مكانتها في المشهد الثقافي، مقارنة بما وصلت إليه (من تنظيم استثنائي) في عقدي ثمانينيات وبداية التسعينيات، يرجع في اعتقادي إلى غياب إدارة مختصة بهذا المجال الحيوي، تعمل في إطار الإدارة الكبرى لمؤسسة الدولة الثقافية، أيضاً لغياب الرعاة من رجال الأعمال وأصحاب الأموال نتيجة لغياب الثقافة البصرية لديهم، إضافة إلى تحريم القطاع الخاص زمن حكم القذافي أصلاً. لقد ظل شأن الفنون التشكيلية منذ استقلال الدولة الليبية في حيز بسيط داخل إدارة الفنون والآداب، ومن ثُمَّ وضعت في أوائل عقد السبعينيات في إطار إدارة صغيرة تسمى (دائرة الفنون  التشكيلية) ثم في أواخر العقدِ ذاته أصبحت تسمى (وحدة الفنون التشكيلية) التي كان مقرها الرئيس في طرابلس بـ(مجمع الفتح الثقافي) إبان عقد الثمانينيات، وهي تتبع لما كانت تسمى زمن الانقلاب بأمانة الإعلام والثقافة، لها فروع في كل من بنغازي ودرنة وأيضاً في قرية سيناون النائية. برغم ذلك لم تنشأ عبر هذه المسيرة التاريخية الممتدة لأكثر من ستين عاماً حركة تشكيلية راسخة ولا حتى حراكاً يرسم ملامح لتقاليد وثقافة بصرية مستمرة ومتطورة وجادة، تؤدي إلى نشوءِّ مؤسسات فنية قارة. قد يعترض أحدٍ ما منذ بداية قراءة هذا المقال فيقول: ها هي الفنون التشكيلية اليوم تشهد انتعاشٍ مجددٍ فلماذا هذا التبلي، لماذا تندب حظها بكتابتك المنتقدة هذه؟! أقول مع كامل الاحترام لرأيه، أنه من الواضح لا يفقه في شأن الفنون التشكيلية المعاصرة شيئاً، ولم يفهم بعد الفكرة من وراء ما تقدمتُ به!. لكني سوف أوضح أمراً مهماً وهو: أن المناشط والمعارض القليلة جداً والمتناثرة هنا وهناك على مدار السنة، لا تخلق حراكاً تشكيلياً حقيقياً في بلادنا، ولا يمكن – بأي حال من الأحوال – اعتبارها حراكاً تشكيلياً يؤدي في النهاية إلى نشوءِّ حركة تشكيلية واعدة، بل إن الذي نشاهده اليوم من معارض هي ثمرة مجهودات فردية أو تجمعات عرضية تعكس تجارب وتوجهات فئات معينة، منها ما هو يرتقي إلى مستوى العمل المتقن، وهي القلة، ومنها ما هو مجرد محاولات تائهة دون أن تحمل في باطنها بوصلة صائبة، وهي الكثرة، همها الوحيد هو الظهور وملء الفراغ الناجم عن غياب مناشط تشكيلية جادة. فجلّ هذه التجارب لا يمكنها أن تعكس اليوم حقيقة المشهد التشكيلي الليبي، ولا يمكن التعويل عليها في خلق رؤية أشمل لخطاب بصري معتبر ومستمر، يعبر عن جوهره الثقافي، من ناحية، ومن ناحية أخرى، يتلمس المتغير التي طرأت على الواقع المحلي ليضع لها رؤية ثاقبة. لقد غابت عن المشهد التشكيلي الليبي منذ فترة ليست بالقصيرة تجارب – من المفترض أنها – تمتلك خطاباً بصرياً متميزاً يقودنا إلى فهم أغوار التفكير لدى الإنسان الليبي، وتتناول الظروف التي ساهمت في تشكّل شخصيته وهويته فثقافته، وجعلته يغترب عنها أحياناً، ويتنكر لجزء منها في أحياناً أخرى، بل الأسوأ أننا نجده يجهل كيانه ويشوه هويته المحلية الليبية، في خضم هذه الأحداث المتسارعة والتقلبات المتتالية التي تشهدها بلادنا.

   إذن سأعود لاستكمال ما استهلت به حديثي لأقول بما أنه كان ولايزال من الواضح أن الحراك التشكيلي في ليبيا ليس على ما يرام، والدليل على ذلك، إذا ما قورن حاله بما هو في دول الجوار، إلان بعض المحاولات كانت قد بذلت من قبل مؤسسة الثقافة وغيرها من المؤسسات إبان حكم النظام السابق بشأن بث الروح في جسد الفنون التشكيلية “الشبه ميتة”. ودون النظر إلى مدى جديتها من عدمها، فإنني سأتوقف عند إحدى تلك المحاولات التي أرى أنها جديرة بتسليط الضوء عليها مرة أخرى، بغية أن يعاد تفعيلها إن كان ثمة نية صادقة وراء ذلك، لاسيما في هذه الظروف الصعبة التي انحصر فيها حضور الفن الجاد واختفت المعارض الهادفة عن المشهد التشكيلي. في منتصف العشرية الأولى من هذه الألفية، وفي خضم بدء ظهور أبن القذافي سيف الإسلام كوريث للحكم في البلاد وكرجل ثقافة في “ثوب رسام” يسعى إلى السلام ومناصرة حقوق الإنسان والانفتاح على الغرب!. بادر ما كان يتولى أمين اللجنة الشعبية العامة للثقافة نوري الحميدي بإبرام اتفاقات مع (دار الفنون) ومن بعدها مع (دار أنور) أو كما عُرفت باسم (شركة ليبيا للإنتاج الفني) من أجل إقامة معارض للفنون التشكيلية. وبالفعل أقيم معرضان “سداسيان” أي أن في كل معرض يشارك ستة فنانين تشكيليين على حدة، احتضنهما رواق (دار الفنون) الكائنة بطريق السكة طرابلس سنة (2006)، ثم أقيم “المعرض السنوي العام” سنة (2009) شارك فيه عدد كبير من الفنانين الليبيين، واحتضنه رواق أكاكوس بمقر (شركة ليبيا للإنتاج الفني) الكائن بمنطقة قرقارش. لقد جاءت هاتين المبادرتين لعدم وجود إدارة داخل الوزارة (الأمانة) تدير شؤون قطاع الفنون التشكيلية وأيضاً لعدم امتلاك (الأمانة) لقاعة كبيرة مخصصة للمعارض يكون مقرها وسط المدينة كما هو معتاد. ما زاد الطين بلة هو إقدام رأس النظام السابق في أواخر عقد الثمانينيات بتقليص موظفي (أمانة الإعلام والثقافة) في إطار تقليص الملاك الوظيفي للدولة الليبية الأمر الذي أدى إلى تقليص موظفي (وحدة الفنون التشكيلية) بطبيعة الحال، وهي الجهة التي كانت تنظم المعارض وتنفذ الملصقات وتصدر المقترحات الفنية والاستشارات. فحتى بعد قرار فصل قطاع الإعلام عن الثقافة وإنشاء وزارة (أمانة) للثقافة مستقلة منتصف التسعينيات تقريباً، لم يراع في تلك الخطوة استحداث إدارة للفنون التشكيلية، وظل أمرها آنذاك في يد القطاع الأهلي المتمثل في (دار الفنون) وهي شركة مساهمة أهلية. وبعد أن بات واضحاً إهمال وتخلي (الأمانة) عن الفنون بشكل عام، لجأت أواخر العشرية الأولى من هذا القرن إلى استحدث (هيئة المسرح والخيالة والفنون)، التي كان من المفترض أن تضطلع بمهمة الاهتمام بالفنون جميعاً، في الوقت الذي كان ينبغي أن يكون لكل فن من الفنون هيئة قائمة بذاتها تدير شأنه بشكل جاد.   

دار الفنون
دار الفنون

   اليوم ودون النظر إلى الخلف كثيراً، أقترح أن تبادر وزارة الثقافة – بغض النظر عمن يقودها – بعقد اتفاقيات مع عدة أروقة في داخل مدينتي طرابلس وبنغازي، بحيث يتم بموجبها إقامة معارض فنية ومحاضرات وندوات فكرية، تكون مشتركة التنظيم (بين الوزارة والرواق الخاص) في مجالات الفنون التشكيلية، لاسيما وأن هاتين المدينتين تحوزان على أروقة خاصة لعرض الأعمال الفنية. ففي طرابلس ثمة رواق (دار الفنون) التي أمست داراً معروفة في أرجاء البلاد، وهي تسعى – كما يقول مديرها المهندس خليفة المهدوي – إلى الرفع من مستوى سقف المعارض التي سوف تحتضنها مستقبلاً، ما يضمن أن تكون الأعمال المعروضة ذات قيمة فنية عالية. ثم ثمة (بيت إسكندر للفنون) وهو عبارة عن مبادرة شخصية من الشاب مصطفى إسكندر الذي دفع بماله الخاص لاستثماره في مشروعٍ فني، متخذاً من بيت قديم تم ترميمه يقع في زقاق الفرنسيس بمدينة طرابلس القديمة ليكون رواقاً ومكاناً لاحتضان المعارض والمناسبات الفنية الثقافية بشكل عام. أما في مدينة بنغازي فثمة – على سبيل المثال – نادي عوض عبيدة الذي يقوم بين الفينة والأخرى بتنظيم المعارض الفنية فضلاً عن اعتماده تنظيم دورات تعليمية لفنون الرسم والتصوير الزيتي، تستهدف اليافعين من كلا الجنسين. هذه الأروقة وغيرها ليست – في حقيقة الأمر – جمعيات خيرية تنظم وتحتضن أنشطة ثقافية دون مردود مادي، يعود عليها بالربح، ولو كان هذا الربح مبالغ بسيطة لكي تستمر في إداء عملها التجاري الثقافي. وإن كان (بيت إسكندر للفنون) قد بادر في أكثر من مناسبة بتنظيم معارض خيرية يذهب ريعها دعماً لحملات خيرية في المجال الصحي بالمشاركة مع مستشفيات مختصة، إلا أن ذلك يعد عملاً استثنائي خارجٍ عن هدا المشروع. هنا يكون من باب أولى أن تقوم وزارة الثقافة، وهي الجهة المعنية بالآداب والفنون في ليبيا – مع أنه واضحٍ للعيان عجزها عن إقامة مناشط ثقافية – بالاتفاق مع الأروقة الفنية في طرابلس وبنغازي لإقامة مناشط فنية وفكرية مشتركة، تكون مساهمة الوزارة – على سبيل المثال – بطباعة الكتالوجات والملصقات والخلفيات وأمور لوجستية أخرى تتعلق بالمعارض والاستضافة والندوات والمحاضرات الفكرية. أما خلاف ذلك، فإن الوضع سيستمر على ما هو عليه الآن، أي بمعنى سيستمر – في المنظور المتوسط – عجز وزارة الثقافة والإدارات التابعة لها عن أداء دورها التنظيمي بإقامة المعارض للفنون التشكيلية وبناء قاعة للعرض بشكل احترافي، وهو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى اندثار هذا الفن واختفائه من الوجود الواقعي مع تطور الأجهزة والتقدم التقني الإلكتروني الذي يعمل على تحويل الثقافة إلى واقعٍ افتراضي بعيداً عن الاتصال التفاعلي العملي.


ملاحظة: أثناء كتاب هذا المقال نشر موقع وزارة الثقافة والتنمية المعرفية خبر استقبال الوزير المكلف [سلامة الغويل] للسيد [مصطفى إسكندر] مالك ومدير بيت إسكندر للفنون. كان موعد اللقاء الذي جمعهما بديوان مجلس الوزراء يوم الخميس الموافق 20 يناير 2022، دون أن يفصح الخبر عن تفاصيل أكثر حول ما جرى فيه.

مقالات ذات علاقة

جمال الصوت والأداء قبل حُسن المظهر لدى الفنان الليبي محمد السليني

زياد العيساوي

الخال يوسف القويري (2)

سالم الكبتي

شاعر بأسره يعاني

عمر الككلي

اترك تعليق