حوارات

جمعة بوكليب : لولا البوح على الورق لأصبت بالجنون

حاوره / مهنّد سليمان

الكاتب الليبي جمعة بوكليب يوقع كتابيه بمكتبة الفرجاني بلندن

تاريخنا العربي عامة والليبي خاصة كتب على الكثيرين ممن بثّتهم الحياة روحها وفطرتها الأولى أن تتمزّق هويّاتهم وتضيع في خضم الركض والبحث عن البدائل الأخرى درءًا لبرد المنفى واغتراب الروح عن جسدها، ليبيا بلاداً وليست وطناً فهي لم تتحول بعد إلى وطن بهذه العبارة المكتظة يُعزز الأديب جمعة بوكليب من الصورة التي يُحدثها التمزّق داخل أغوار نفس الفارّ من جمود قُدّ من أثر الجحيم، إن الإنسان هنا يدفع ثمنا باهظا جراء ركض بلاده للخلف بغبطة بائسة ! حيث يُسجن أصحاب النبض الحرّ ويُطردون من ذاكرة طفولتهم وصدر شبابهم لا لجريمة ارتكبوها إلا لكونهم حاولوا الدفع ببلادهم لحلبة التنافس الحضاري، ولاغرو أن تكون البيئة المحلية بيئة قاسية جامدة الأطراف إذا ما أخذنا بالأسباب الثقافية والتاريخية لمسيرة مجتمع أذعن لمخاوفه فأوصد نوافذه عن ميلاد شمس الأصيل، ونحن في هذه المساحة الحوارية حاولنا الوقوف على بعض المحطات في سيرة ومسيرة الكاتب والأديب جمعة بوكليب في ضوء أبعادها الإنسانية والإبداعية فجاء حديثا مفعما بالشجون تُدفئه الذكريات وأصالة المواقف.

قبل زمن في المدينة القديمة بطرابلس إما أن يكون المرء لاعبا لكرة القدم وإما أن يكون صيادا للسمك، مالذي استدرجك لعالم الكتابة المفخخ؟
لابد ان تكون لاعب كرة قدم. أنا مهووس بالكرة منذ الصغر ولا زلت. وكنت، حسب ظنّي، لاعباً جيداً. أما صيد السمك فلم يكن لي فيه نصيب. لكني كنتُ ومازلتُ أحبُ البحر حد العشق، وأجيد السباحة. البحر مفردة من مفردات واقعنا في المدينة القديمة، وكان صديقنا، وكنا نجيد التحدث معه بلغته، وكان يحبنا. لذلك، في بعض الأحيان كان يغالي في اظهار حبه لنا بأن يسرق منّا واحداً. ولا يعيده إلينا. الكتابة أيضاً عشق. المرء منا يبحث عن نفسه في شيء ما. كنت أريد أن أكون لاعب كرة قدم في الدوري الممتاز ولم أنجح. ربما لأني تعلمت القراءة في سن مبكرة، وبنيت جسرا مع الكلمات والجمل والصور، لذلك استهوتني القراءة أولاً. القراءة كانت كلمة السر لدخول عالم الكتابة. وعالم الكتابة لم يكن سهلاً أو في المتناول. بل يتطلب ممارسة وتكريساً وصبراً وموهبة، وقدرة على التعايش مع العزلة. الكتابة قد تكون فخاً كما وصفتها أنتَ. وبالنسبة لي، قد تكون طريقا يقود إلى ما لا تعرف. لكنك تجازف بالسير فيه، لأنه مدهش ومليء بالمفاجأت، ويجعلك على تواصل مع ذاتك ومع العالم من حولك.


ألم محنة السجن يجعلك تتحدث دائما على مضض عن تجربتك السجنية ألم يساعدك البوح على الورق على تجاوز هذا الهاجس ؟
لولا البوح على الورق لكنت أُصبتُ بالجنون. السجن محنة. ولم أكن على استعداد له حين وجدتني بين أسواره. جاء فجأة ولم يرحل مني حتى بعد خروجي منه. أنا لم أكتب سيرة السجن بعد. لأنها مرهقة جدا أولاً، ولأني بسبب تقدمي في العمر لم أعد قادرا على تذكر الكثير من التفاصيل. البوح يأتي في مقالاتي و قصصي و نصوصي النثرية والشعرية من حين لآخر، متقطعاً وعلى شكل موجات. ربما كان ذلك مفيداً لي في تخفيف معاناتي النفسية و استعادة توازني. لدى وصولي بريطانيا قمت بزيارات عديدة لأطباء نفسيين لمساعدتي على التأقلم مع الحياة خارج السجن. وكلهم نصحوني بكتابة التجربة. هل تصدق ذلك؟ لكني لم أستمع لنصحائحهم ذلك الوقت. وليتني فعلتُ. لأن ذاكرتي كانت، آنذاك، مليئة بالتفاصيل. لكن روحي، للأسف، لم تستجب لأنها كانت مثقلة بالحزن على السنوات التي ضاعت مني هباء.


الوطن من بعيد يبدو براقا يملأ الصدر بالحنين، كيف يرى جمعة بوكليب الوطن خلف زجاج الغربة؟
أنا أرى طفولتي وصباي ومراهقتي وشطراً من طراوة شبابي، كلما نظرت من خلف زجاج الغربة. أراني، معظم الوقت، صياداً يطارد فرائس مراوغة وعديدة في وقت واحد. الأن، وأنا استعد لدخول عامي السبعين، صرتُ أرى الوطن ملاذاً افتقدته كهولتي. تعبتُ من الغربة. وتعبتُ من جر أقدامي على أرصفة وشوارع لا تتكلم لغتي ولا تفهمني ولا تحبني. في هذا السياق، يكون الوطن البراح الذي تستريح فيه النفس، وتتحدث فيه إليك الأمكنة. وكما كان الملجأ الأول للوجود في الحياة يكون الملجأ الأخير للوداع. ليبيا بلاداً وليست وطناً في رأيي. لم تتحول بعد إلى وطن. ونحن نعاني من ذلك حالياً: قبائل وثارات وجهويات وأقاليم وعالم مقلوب على رأسه. ربما إذا نجحنا في الخروج من عتم النفق الذي دخلناه، أو أُدخلنا إليه قسراً بعد فبراير ،2011 لربما نتمكن بعدها من تأسيس وطن. الغربةُ قد تكون قارب نجاة. وقد تكون مدرسة حياتية يتعرف فيها المرء على نفسه من خلال الآخر. والغربةُ بين الأهل والأحباب اسوأ من تلك التي نعيشها بعيدا عنهم. والإنسان في نظري يعيش في غربة منذ أن يغادر رحم أمه. يظل دوماً يحن إلى العودة إلى ذلك المكان الآمن.

غلاف (حكايات من البر الإنكليزي) مجموعة قصصية، صدرت عام 2009م

-يقال في الأثر بأنه أينما وجدت حريتك وجدت وطنك ، هل تعتقد أن ذلك كاف لشعور المرء بالانتماء نحو المكان؟
الحريةُ وسيلة للعيش سعيداً وكريماً أينما كنت، وليس غاية في حد ذاتها. والحرية وسيلة للعق كي ينضج، وللروح كي تزهر من دون خوف. أي أن يصير المرء منّا قادراً على صياغة الأسئلة وطرحها، والشك في كل شيء، من دون خوف على حياته. أعتقد أنني عبر الغربة تفاديت مخاطر حقول ألغام كثيرة في الوطن وما حوله. وهذا فتح أمامي أبواب كثيرة ما كنت لاعثر عليها لو بقيت حبيس جدران طرابلس وحقول ألغامها اجتماعياً ودينياً وسياسياً. الوطن مسألة أخرى. قضية شائكة مثل الهوّية. الانتماء قد يكون إلى مكان أو إلى فكرة. وقد لا ينتمي اطلاقاً لشيء. أنا مازلت أحمل في ذاكرتي تفاصيل أمكنة طفولتي وصباي ومراهقتي. لكني أحمل أيضا تفاصيل أمكنة أخرى لا تقل عندي أهمية عن الأولى. وماذا عن السجن؟ السجن مفردة بذاكرة تحيلك على حيز مكاني محدود، ومحصور بأسوار. هل نشعر بالانتماء نحوه إذا عشنا فيه سنوات طويلة؟ الأمكنة ذاكرة. الأمكنة قد تكون علامات على مراحل عمرية حياتية. حاولت الاشتباك مع هذه المسألة في روايتي نهارات لندنية. لكن ليس بالقدر الكافي.

الوعي طريق تراكمي وعر يهتدي من خلاله الإنسان لمساحة أوسع من الفهم الآمن للحياة، إلى أي مدى نجح الوعي في انقاذك؟
الوعي لا يُمنح. وهو على قول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر جمر. وأن تعرف وتدرك يعني أن تزداد مسؤوليتك أمام نفسك ثم مجتمعك والإنسانية. الوعي مسؤولية. وجرأة على نزع جلدك إذا تبين لك أن لا علاج لامراضه سوى الخلع واستبداله بآخر صحيح. والوعي قد يقودك إلى العزلة أو الغربة أو الهجرة. لكنه قد يقودك ايضا إلى القدرة على التعايش مع مجتمعك،بتسامح وبرضا وتقبل ما لا يقبله غيرك، بهدف أن تكون جزءا منه وتساعد في انضاجه. الوعي زاد من ثقل مسؤوليتي واحساسي بالواجب تجاه أهلي ومجتمعي ولغتي وثقافتي..الوعي جعلني ما أنا الآن.

للأمكنة روح يُوجِدها الإنسان بتنوع طقوسه وثراء ذكرياته، حدثنا دور المكان في صقل مسيرتك ؟
حين كتبت ” حكايات من البر الانكليزي” كنت في الحقيقة أنوي تصفية الحساب مع الغربة. وفي ذات الوقت كنت أوطد، من دون أن أدري، من عمق الأمكنة التي عرفتها في ذاكرتي كي لا تموت. وبطريقة أخرى يمكنني القول إنني كنت أحاول أن أعيدها إلى الحياة، أو امنحها خلوداً. لذلك حرصت على أن اسجل الأسماء والتضاريس المتعلقة بتلك الأمكنة كما عرفتها. ليس كلها بالطبع. بل المصطفاة منها، التي تمثل لي شيئا في حياتي. طرابلس – لندن مكانان عظيمان، في الأولى بذرت بذور موهبتي وأسئلتي، وفي الثانية نمت واستطالت وأثمرت.

غلاف رواية (نهارات لندنية) صدرت عام 2021م

من المسؤول عن مأزق المثقف السلطة أم المجتمع ؟
الثقافة والابداع لا ينموان في العدم, يريدان تربة ثرية خصبة اجتماعيا وسياسياً. لا ثقافة ولا إبداع من دون حرية. وكلما زادت مساحة الحرية زاد الإبداع وتكامل النمو الإنساني وازدهرت الحياة. وكلما تقلصت ازداد القمع والتخلف. وحين يكون المثقف في مجتمع لا مكان فيه للحوار في البيت أو في المدرسة أو الجامعة ومحظور فيه الأحزاب والنقابات والهيئات الأهلية والجمعيات الثقافية كيف له أن يتنفس ويعيش؟

غلاف كتاب (يد التاريخ) صدر عام 2021م

من خلال اهتمامك بمجريات ما يحدث على الساحة السياسية الدولية أتجد أن نظام العولمة قد يشكل خطرا على خصوصية المجتمعات ؟
أعتقد أن التقنية قد جسّرت كل المسافات بين الأمم والشعوب. العالم حاليا بحق وحقيق قرية كونية. وليس علينا سوى التواصل مع عالم يسبقنا. الخصوصيات تبقى. لكن الأفق يتسع أمام الذات الإنسانية لتتمدد خارج خصوصياتها، وتتواصل مع غيرها من الذوات.

مقالات ذات علاقة

ليلى المغربي لفسانيا ::المرأة الليبية تسعى وتعمل بجدية للمساهمة في إنقاذ الوطن

المشرف العام

أماني محمد: الغربة قد تكون نقطة انطلاق رجعية

حنان كابو

محمد الهريوت: لم يكن في خارطة حياتي أن أكون شاعراً فكل أهدافي بحثية علمية

المشرف العام

اترك تعليق