المقالة

بنغازي في الشتاء

محمد أبوبكر المعداني

مدينة بنغازي كما رسمتها الفنانة الإيطالية تيزيانا فانيتي
مدينة بنغازي كما رسمتها الفنانة الإيطالية تيزيانا فانيتي عن بوابة الوسط

يعجبني كثيرا جو الشتاء في مدينتنا  الخالدة بنغازي… صحيح أن الأمطار الغزيرة التي تنهمر على سقف بيتي الذي تنهشه الرطوبة تقلقني كثيرا ومع إطلالة كل شتاء أجد نفسي حائرا بين ضالة مرتبي وثمن صيانة ذلك السقف المتداعي… إلا أنني اعشق رؤية قطرات الماء وهى تتساقط على الأرض كما لو أنني امتلك العديد من الأطيان العطشى للغيث النافع .

حقيقة آن الحي الذي أقيم به يذكرني في فصل الشتاء بالمدينة الإيطالية العائمة واحتار كل يوم في اختيار الطريق الذي يجب أن أسلكه للوصول إلى بيتي دون أن تتعطل سيارتي في منتصف بقعة المياه واصبح في موقف محرج … أما التضحية بالحذاء الذي كلفني نصف مرتبي أو الانتظار بالسيارة إلى أن ينقذني ابن الحلال ويدفع سيارتي بسيارته .

إلا إنني أحب تقلبات الجو وبرودة الطقس … فبفضلها اضطر للبقاء في البيت وبذلك اشعر بدف العائلة …  حينما أتحلق مع عائلتي حول “كانون الفحم” اشعر وكأنني أقيم في أحدى الفيلات الدوبلكس ذات التكييف المركزي .

 انقطاع التيار الكهربائي الذي يحدث بين الحين والأخر نتيجة الرطوبة في الأسلاك الكهربائية يمنحنا فرصة الإحساس بالجو ألشاعري ونحن نتبادل أطراف الحديث تحت ضوء الشموع ….أما صوت ( القاطر) فهو يرن في أذني كأنه موسيقى حالمة..

وجبة العشاء المفضلة في ذلك الجو العاصف بالرياح العاتية وموجات البرد القارص عادة ما تكون ( دشيشة ) غنية بقرون الفلفل (المبطبط)  الحار ، ولا اعتقد إن هناك أكلة في العالم تمنح أجسامنا الدف أكثر منها ، أما الحساء ( بالقديد والزعتر) الأكلة الأكثر انتشارا بالحي الذي نقيم به فهو يمثل لمعدتي الخروف المشوي المحشي باللوز والفستق .

بنغازي في الشتاء متمردة على كل محاولات التنظيف الجادة التي يبذلها رجال جهاز حماية البيئة ، فحملات النظافة العديدة التي قام ويقوم بها ذلك الجهاز أثبتت بالدليل القاطع إن مدينتنا لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون كمدينة ( سالزبورغ ) النمساوية حتى ولو جمعنا كافة خبراء وعمال التنظيف في العالم لتسليك مجارى طرقها والتخلص من القمامة التي تنتشر في بعض أحيائها .

ولكن تظل مدينة بنغازي هي الأفضل بين مدن العالم في فصل الشتاء وفى كافة فصول السنة .

فهي كما اسماها أديبها الراحل الصادق النيهوم في إحدى مقالاته .. ( أم اليتامى ) وكما يحلو للعديد منا أن يسميها (رباية الذايح) .


عن: (وخزات وقالات ساخرة 1990 – 2010) للكاتب الصحفي محمد أبوبكر المعداني، منشورات دار البيان للنشر والتوزيع والإعلان – بنغازي.

مقالات ذات علاقة

يبدأ التطرف حينما يختفي دفتر الرسم

سعاد سالم

ساحل المنشية

زكريا العنقودي

إشكاليات الأدب النسوي

المشرف العام

اترك تعليق