النقد

قراءة نقدية لرواية (عطر شان) لفتحي محمد مسعود

د.عبد الفتاح محمد نجيب*

من أعمال التشكيلي الليبي الكيلاني عون
من أعمال التشكيلي الليبي الكيلاني عون

بعد توجيه الشكر لأديبنا العربي الليبي الواعد الأستاذ فتحي مسعود – وفقه الله وسدد خطاه – أود القول بأنه : في رأيي؛ فإن الدول أشبه بالتربة، ومجتمعاتها أشبه بدوح ضاربة جذوره في أنحاء تلك التربة، ومواطنوها أشبه بأغصان تلك الدوحة التي تتغذي هي وشجرتها على عطاء تربتها المستمر، فإن كانت التربة سبخة، أو صخرية مجدبة، كان مصير هذا الشجر، وأغصانه الذبول، والسقوط في وهدات الأرض، وأوحالها، فتصبح طعامًا سهلًا لهوام الأرض، وبراثن الفناء.

وعلى النقيض، فإن كانت التربة غنية بوافر الماء، وطيب الغذاء، ازدهر الشجر، ونمت أغصانه، فتضرب في السماء، وتعانق الجوزاء…وهكذا دولنا، ومجتمعاتنا وأبنائها، فإن ساد بتربة الدولة الديكتاتورية العفنة، ونهب الثروات لحساب فئة معينة، والقهر والظلم، وشراء الزمم بالمال، وتسخير الكوادر العلمية في النفاق والرياء؛ فإن مجتمعاتها تتأخر، وتتخلف، وتنضب منها كل القدرات، وإن كانت غنية بماء الكرامة، وعناصر الديمقراطية، والعدل والسمو الأخلاقي، فإن المجتمعات تنمو، وتزدهر، وتنمو معها قدرات مواطنيها.

وفي تلك الرواية الرائدة -باختصار شديد– صور الأديب بعدسته الأدبية فيلمًا تسجيليًا دراميًا بارعًا لسلبيات مؤرقة ضربت أنحاء التربة الليبية، وأضرت بمجتمعاتها، وأثرت بالسلب على مواطنيها، ومن أشرّ تلك السلبيات: الديكتاتورية ، وفردية الرأي، وحكم النخبة، واستئثار تلك النخبة، وأبنائها بثرواتها البلاد، وأقوات العباد، بينما هناك فقراء – لا يجدون قوت يومهم – ولا يحصلون على أدنى حقوقهم.

وإن أراد أي من هؤلاء الفقراء المطالبة بأي حق من حقوقه ، فإن مصيره غياهب السجن، وظلمات المحابس، بل ربما الموت في دولة ليس من حق مواطنها العادي مجرد النطق بحقوقه، وليس له الحق في الصراخ في وجه ظلمات الفساد التي أرخت سدولها على أركان المجتمع الليبي الحبيب.

إنهم لا يريدون له أن ينشد فجر الحرية وصبح العدالة.. لقد رضي المواطن العادي القابع تحت كلاكل الظلم  بأنصاف الحلول، ومعيشة الضياع ، وصار العلم عنده جريمة، والتفكير جنحة، والقلم جناية، والرأي مخالفة،..وياليته بعد نهب ثروته وضيق معيشته، ورضائه بالفتات يأمن على نفسه، وأهله وبيته ، فهو معرض في أي وقت للاعتقال، وضياع مستقبله، ومستقبل أبنائه، والتحول إلى مجرم في بعض الأحيان… وقد جسد الكاتب ذلك في  شخصية ” أيوب” الذي تحول من طفل برئ كان ينشد مستقبلا باهرًا إلى مجرم منتقم بعدما أصابه الجنون إثر مروره بظلم فادح وظلمات كثيرة.

وحلل الأديب ببراعة حالة الذعر الأمني، وأرجعها إلى سببين رئيسيين ، أولهما : انشغال الطبقة الحاكمة بالمفاسد ونهب الثروات، وقضية التوريث، وشراء الكوادر كما اشترى النظام المستبد الدكتور وغيره.. وثانيهما : استخدام تلك الجرائم ذريعة؛ لإلهاء الناس عن قوانين تمرر وكلها في صالح النحبة الفاسدة.

واختار الكاتب ببراعة عنوان رواتيه: العطرشان ، وهو نبات عطري يستخدم في التداوي، وقصد به الكاتب أنه  كان دواءً للغز حير رجال الأمن؛ فاستعار الأديب ببراعة ذلك الرمز، كفك للغز قضية محيرة ، ستكشفونها حينما تمخر عقولكم الفطنة عباب تلك الرواية الزاخرة؛ لتستخرجوا منها لآلئ الفكر، ودثائر المعاني الغنية.

وقد تميز أسلوب الأديب في روايته، بروعة التصوير، وحسن توزع الأدوار بين الشخصيات، وتناسق الأحداث، وتسلسها في تدرج فكري بارع، كما انتهج الأديب النزعة النقدية في كثير من جوانب روايته على لسان شخصياتها، كجمال، وقاسم، ووجه النقد لشخصيات كأمثال  “أيوب” و ” الصادق ” الصادق” ، و ” دكتور عادل ” و” سليمة الممرضة ” و” سلطانة وشقيقتها”

وما أراد الكاتب بهذه النقد انتقاصًا من شأن مجتمعه العربي الليبي المسلم، ولا تقليلًا من قدر أهله الأحباب، وإنما أراد تقديم وصف، وتشخيص لهذه الشخصيات؛ لتنبيه الناس منها، وتطهير المجتمع من دنسها، وتشخيص الأمراض العصية التي ضربت جسد هذا المجتمع، فهو كأي مجتمع يمرض ثم يشفى إذا أحسن الطبيب المؤسي وصف علاجه بدقة، وتقديم الدواء الشافي؛ فقسوة الكاتب في نقده هي قسوة الرحيم، ولله در أبي الطيب المتنبي حينما قال:  من يك راحمًا فليقسو أحيانًا على من يرحم.

 وبعدما قدم الأديب تشخيصًا دراميًا ناجحًا لأمراض مجتمعه الحبيب أعقبها بتقديم الدواء الشافي الذي ينشده مع إشراقة فجر ليبيا الجديد، فليبيا الحبيبة في حاجة إلى حاكم عادل، وحكومة مستنيرة ديمقراطية تحسن توزيع الثروة، وتنشر الأمن والأمان، وتكفل حرية التعبير بلا قيود، وتستغل طاقة الشباب في البناء والتعمير، وتفتح لهم سبل الإنتاج، والتصنيع والعمل الجاد، وتحسن استغلال طاقاتهم وحماستهم.

فما أشبه الأديب في تلك الرواية بفارس مغوار تصدر كتائب التجديد، والبناء، فأخذ يستنهض جيله من الشباب؛ ليتصدروا كتائب التعليم التشييد والتعمير، مستلهمًا بذلك روح جده العظيم وفخر كل العرب والمسلمين البطل: ” عمر المختار” سيد شهداء عصرنا – رحمه الله – عندما صرخ في وجه المجرم ” جرتسياني ” قائلًا : ” نحن قوم لن نستسلم ننتصر، أو نموت، وسيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم، والأجيال التي تليه، فشباب لبيبا لا يعرفون الاستسلام، ولا يحققون إلا النصر العظيم، وهكذا وصفهم جدهم المختار ..ولن أطيل على حضراتكم وأترككم تستمتعون بتلك الرواية الرائدة.

وفق الله أديبنا العربي الليبي الصاعد الأديب : فتحي مسعود   

_____________________

* مدرس مساعد بقسم تطوير الذات – عمادة السنة الأولى المشتركة – جامعة الملك سعود

مقالات ذات علاقة

مختارات 

ناصر سالم المقرحي

رجل بأسره يمشى وحيدا

إنتصار بوراوي

احمد ابراهيم الفقيه في ‘القذافي البداية والنهاية’: بحث عن الزمن المفقود في ركام دمار القائد الاوحد

المشرف العام

اترك تعليق