الذكرى الـ23 لرحيل الكاتب والأديب الليبي كامل حسن المقهور
كامل المقهور
كان آخر المطاف يوم أخذوا البقرة.. من يومها والحقد يأكل قلبه.. وعلى ملامحه العريقة.. فوق ثنايا خدوده.. ظهرت خطوط سوداء قاحلة.. لا يرويها إلا العرق.. عرق الحقد. وعندما سال الدم الاحمر.. ونحرت البقرة.. وتأوهت (وصكت).. وخرج لسانها من بين أسنانها.. وفوقها الجزار الضخم.. أحس (علي) أن حياته قد تعكرت.. وإن السلام الذي يرفرف في قلبه قد أصطبغ بالدم.
كان الشهر من أوله أسود كقلب يهودي جائع حاقد.. يوم أن صحا من نومه على صوت (البارازان).. وتحركات عنيفة في السانية، وأوامر ولهجات ترطن.. واحذية ضخمة ثقيلة تفسد جداول البرسيم والفول والفجل.. وخيم تنصب أمام عينيه وسارية كبيرة عليها العلم الايطالي المثلث الالوان.. وبغال شديدة مربوطة إلى أشجار النخل.. وأعراف أشجار الزيتون يكسرها الجنود.. وطوابير منهم تقف في انتظام.. وأوامر.. وكل شيء في ذلك اليوم يقلبه إلى لون السواد.. تماما كقلب يهودي جائع حقود.. وكان يقف أمام بيته مشدوها يدعك عينيه من آثار النوم ويقول ( للتنينتي ) في خضوع دون أن يفهم شيئا..
– طيب يا سنيور.. لكن علاش سانيتي أنا؟
وحاول أن يفهمه الكثير.. وحاول الآخر أن يسكته.. وحاولت امرأته (الزينة) أن تشده من يده عله يفيق.. ولكنه ظل يتكلم ودماغه يفور..
– لكن ما عنديش غير هالسانية.. يا سنيور غير افهمني.. اننا نأكل منها.. نسكن فيها ما فيش مكان آخر نعيش فيه.. نو سنيور.. ما فيش غيرها.
وكان ( التنينتي ) يفتح فمه مرة وأخرى يحاول أن يجد فرصة للكلام.. ولكن (علي) كان لا يفهم شيئا.. إلا أن حقله الصغير قد أصابه التلف.. كان لا يرى إلا الخيم والبغال.. والجنود.. وجداول البرسيم والفول وقد تحولت إلى.. خراب..
– علاش يا سنيور..
وكان يشد شعر رأسه والزبد الطفيف الأبيض يتناثر من بين شفتيه وعيناه تملأها الدهشة وبقايا النوم..
فلا بد ان يكون هناك سبب لاختياره هو بالذات.. لا بد من وجود سبب لهذه الكارثة التي تسقط على رأسه.. لا بد من سبب.. وفتح فمه آخر مرة في أعياء فلم يجد ما يقول غير..
– علاش.. علاش.. علا..
وقبل أن يكمل كلمته امتدت يد (التنينتي) إلى أحد صدغيه بصفعة قوية أعقبها سكون موحش جامد يقف بينه وبين ضاربه..
من أول يوم سكن في سماء ( السانية ) غراب أسود موحش وظله الغريب يمتد من فوق العلم ويظلل خيم الجنود.
وتعود (علي) الكثير.. عرف الجنود فأرسل زوجته الى أهلها في (البر)، تعود أن لا يسأل عن سبب.. فهم هناك في السانية.. بأمر.. بأمر من؟
لا أحد يدري.. ثم لماذا هم هناك؟ بأمر.. بأمر من؟ لا أحد أيضا يدري.. المهم انهم هناك وليس هناك داع لسبب.
ولكن أشياء كانت تمتد من قلبه العريق الحي النابض. أشياء كالسم تسري الى جسده كله ولا تظهر الا على وجهه ، وعلى ثنايا خدوده ، خطوطًا سوداء من العرق.. عرق الحقد حتى قتلوا البقرة فكانت نهاية المطاف.
وامتد الحقد في عنف من قلبه الى يديه.. كان يحس بالألم وهو يحش تحت ضوء القمر آخر جدولة برسيم بقيت له ليقدمها لبغال الجنود ، ومن بعيد كانت أصوات الجنود.. وارتطام الأحذية بالأرض – تكسر حبات الزرع.. و (البارازان) كصوت الغراب يملأ السماء.. وصراع حاد عميق يأكل قلبه.. ويديه .. ووصله صوت أقدام ( التنينتي) وهو يتجه اليه..
وهم أن يقول له أشياء جديدة.. ويقنعه.. ولكن الآخر قال:
– أراباتشو.. اراباتشو.. فييني كوا..
وعندما وصله.. كان ظلهما يمتد بين سيقان البرسيم.. أسود بلون الحقد.. وكانت (المحشة) تترك بين السيقان ظلها المدور المرتعش.. وابتسم (علي).. وقال:
– سي سنيور..
ولمعت في خاطره أشياء كثيرة.. و(التنينتي) يكشر عن أنيابه ويرطن بالإيطالية.
– لكن علاش نا دينتي.. شن فيه؟
فضحك الآخر في خيلاء.. وعندما كشر (علي) ولمعت جبهته ببريق حبات العرق وهي تتفصد من جبينه امتدت يد الضابط في قوة ثم هوت على صدغه.
وفي ثانية لم يحسب لها (علي) أي حساب كان الضابط ملقى على الارض وفي عنقه المحشة.. وعلى الأرض الطيبة مجرى صغير من الدم الأحمر.. وتأوه الضابط.. و(صك) وامتد لسانه ليخرج من بين أسنانه ثم.. خمد إلى الابد..
وعندما كان (علي) يجذب (المحشة) عن عنقه ابتسم في انتصار. وخطوط العرق تمتد على جبهته الملتهبة وهو يقول:
– كل حاجة لها سبب.. لما الحكومة تبعت وراي العسكر.. لما نخش الحبس.. والا حتى نموت.. نكون عرفت علاش؟
وكانت الاصوات تمتد على السانية.. و(علي) يجري في سكون الليل يقطع السواني بعيدا عن الجثة.. وظل الغراب الأسود يمتد من فوق العلم ليعم البلاد الا قلوب الرجال حيث كان (علي) يبحث عن مخبأ.
الثقافة | رقم العدد: 3-4، 1 مارس 1982م.