قراءات

أثر الصداقة في “أثر الطائر في الهواء”

كتاب (أثر الطائر في الهواء) وهو مجموعة من الرسائل التي تبادلها الكاتبين (سالم العوكلي) و(عاشور الطويبي) من العام 2017 وحتى العام 2021.
كتاب (أثر الطائر في الهواء) وهو مجموعة من الرسائل التي تبادلها الكاتبين (سالم العوكلي) و(عاشور الطويبي) من العام 2017 وحتى العام 2021.

في فترة عزلة الكوفيد اقترح أحد الأصدقاء الكتاب مشروعًا على مجموعة من الكتاب والكاتبات العرب يتلخص في أن يتبادل كل اثنين منهم رسائل شبه يومية لمدة ثلاثة أشهر، على أن يتم جمع الرسائل وطبعها في كتاب في محاولة لإحياء هذا النوع من الأدب الجميل الذي لا يلقي اهتمامًا كبيرًا في المكتبة العربية الحديثة. في الحقيقة فإن المشروع كان يحمل من الإثارة والتحفيز ما جعل معظمنا يوافق على المشاركة ويقبل بشريك الرسائل الذي اقترحه صاحب المشروع على كل منا. بالنسبة لي كانت شريكتي شاعرة وكاتبة وصحافية شابة ومتميزة وتصغرني كثيرًا في السن ولم نلتق في حياتنا أبدًا ولم نتواصل في أية وسيلة تواصل سابقًا، أعرفها بالاسم وتعرفني بنفس الطريقة فقط، بدأنا بالمشروع وكانت المراسلات بيننا غنية ولطيفة. لكن بعد أن انتهت فترة الكتابة عدت لقراءة تلك الرسائل المتبادلة بيني وبينها فوجدت أن شيئًا ما كان ناقصًا، لم أتمكن من اكتشاف ما هو ولم أستطع تحديده ولم أنجح في وضع يدي لألمس المفقود في تلك الرسائل. خمنت أن الموضوع يتعلق بأن الفكرة هي فكرة شخص آخر، أقصد أنها ليست نابعة من رغبتي والصديقة في تبادل الرسائل والحديث عن يومياتنا في العزلة؛ كنا كمن يكتب لمهمة ما لا لرغبة أو حاجة ملحة للكتابة؛ على الأقل كان هذا شعوري أنا، ولا أعرف بخصوص الصديقة/ شريكتي في الرسائل؛ والمدهش هو اكتشافي الآن، وأنا أكتب هذا المقال، أنني لم أكتب لها في الرسائل عن شعوري ذاك، ربما لو فعلت، لو ذكرت أنني أكتب لها  بحيادية لأن رسائلنا هي جزء من مشروع أحد آخر لربما كان شيء ما قد تغير، لربما كنا تبادلنا الكتابة حول هذه النقطة تحديدا واستطعنا تفكيكها والتعامل معها بعفوية لصالح المشروع. لكنني لم أنتبه وقتها لذلك ولا أظنها هي انتبهت أيضا، أو على الأقل هي أيضًا لم تذكر هذا الأمر في رسائلها، لا أعرف الآن أين أصبح المشروع وهل طباعته ما زالت قائمة لدى الصديق أم أنه اكتشف لاحقًا أن ثمة ما ينقص في الرسائل المتبادلة سوف يقلل من نجاح المشروع وأهميته.

لا يوجد في التاريخ العربي الأدبي الحديث الكثير من أدب الرسائل، فباستثناء رسائل الأدباء لغادة السمان التي نشرتها بعد رحيلهم (غسان كنفاني وأنسي الحاج ونزار قباني) وهي رسائل من طرف واحد، ذلك أننا لم نقرأ رسائلها هي لهم ما يضع أمانة الرسائل ودقتها موضع شك، ذلك أن سياقها غير مكتمل، فالحوارات تجري علي لسان واحد فقط، وكذا الردود على رسائل مفترضة لها، هل تبادلت غادة الرسائل مع الثلاثة فعلًا أم هي كتبتها على ألسنتهم؟ هذا أمر سيبقى غير محسوم طالما هي لن تفصح عن رسائلها لهم وطالما لم يعرف أحد شيئًا عن تلك الرسائل سوى هي: الوحيدة الباقية منهم على قيد الحياة.

وقبل غادة السمان عرفت المكتبة العربية الرسائل المتبادلة بين مي زيادة وجبران خليل جبران، وبينها وبين عباس العقاد، وبينها وبين قريبها جوزيف زيادة، وكلها رسائل موثقة ومؤرخة ومتبادلة بين اثنين يتبادلان العاطفة والشغف والهموم والاشتباك مع الراهن الثقافي والاجتماعي والسياسي والإنساني. كما عرفت المكتبة العربية الحديثة الرسائل المتبادلة بين محمود درويش وسميح القاسم في ثمانينيات القرن الماضي وهي رسائل نثرية شعرية مشحونة بعمق فلسفي وتاريخي ونضالي، وفيها الكثير من الحديث عن الصداقة في زمن اليأس وهزيمة الأحلام الكبرى، كما فيها الكثير عن مفهوم الشعر والثقافة والنضال. هي باختصار رسائل متبادلة بين صديقين تجمعها اللغة العالية والحلم العالي والقضية العالية.

“أثر الطائر في الهواء” قد يكون هو الكتاب الأول منذ رسائل درويش والقاسم في المكتبة العربية في أدب المراسلات. الرسائل في الكتاب مؤرخة من عام 2017 وحتى 2021، وهي المدة التي قضاها عاشور الطويبي في النرويج في إقامة أدبية طويلة وفي استراحة ضرورية من الحرب العبثية الدائرة في ليبيا بعد أن تم إحراق منزله في مصراتة، بينما كان سالم العوكلي يعيش في كرسا الليبية القريبة من البحر الأبيض المتوسط بعد أن منعته الميليشات المتطرفة من العودة إلى مدينته درنة والعيش في بيته بسلام.

طالع أيضا | ليبيا والشعر والصداقة.. أدب مراسلات عربي في الزمن الإلكتروني

نحن إذا أمام كاتبين تجمعهما صداقة قديمة (عاشور الطويبي شاعر وكاتب ومترجم ورسام وطبيب، مواليد 1952/ سالم العوكلي شاعر وقاص وناقد وكاتب مقالات ومسرحي، مواليد 1960) والاثنان ليبيان عاشا في ليبيا فترة ديكتاتورية القذافي، ثم كانا من المنخرطين في ثورة التغيير إبان الربيع العربي ومن الحالمين بليبيا جديدة وحديثة وحداثية مدنية وديموقراطية لا أثر فيها لأي استبداد أو هوية خارج هوية المواطنة الليبية. لكن الاثنين أيضا عاشا المآلات الكارثية التي انتهت إليها ليبيا (والربيع العربي عمومًا)، فانكفآ كل إلى نفسه في محاولات للنجاة من أثر هزيمة الحلم (حال كثر من الحالمين العرب بالتغيير) باحثين عن خلاصهما الفردي في الفن (الشعر والنثر والرسم… إلخ) طالما الخلاص الجماعي مني بهزيمة فادحة أفضت إلى ما أفضت إليه من خراب عميم.

“أثر الطائر في الهواء” هو مجموعة رسائل عن الشعر وعن الحياة وعن الصداقة وعن الحب وعن ليبيا، عن مفهوم الأوطان، عن سبل العيش وسط كل هذا اليأس، عن كيف يمكن للفن أن يكون منقذًا. لا شيء يبدو عاديًا في هذه الرسائل، لا التفاصيل ولا اللغة المستخدمة، فتفاصيل اليوميات بالغة الغنى بما تقدمه من فهم عميق لكل ما حدث ويحدث في ليبيا، فهم مترافق مع تفهم وتسامح مع الماضي والحاضر بوعي جديد يتطلع إلى مستقبل ليبي موحد لا كاره ولا منفر. أما لغة الرسائل فهي في أكثر تجلياتها عمقًا وثراء وبلاغة خالية من الرطانة والاستعلاء، لغة جارحة كنصل سكين يقطع لحم قلبك فتشعر بلسعة برودته وبالدم الذي ينزف منك دون أن يجعلك الألم تبعده عنك. نحن هنا مع كل رسالة نقرأ نصًا أدبيًا في الشعر أو النقد أو اليوميات، نقرأ خلاصة ما يقرأه الاثنان، نقرأ آخر ما كتباه من الشعر، وآخر ما ترجمه عاشور الطويبي من نفائس الشعر العالمي، نقرأ مفاهيم جديدة عن الشعر والنقد، ونقرأ عن الأدب الليبي الشاب، نقرأ عن تاريخ ليبيا وعن حاضرها، ونقرأ عن تلك الجوهرة التي تجعل الرسائل المتبادلة بين عاشور الطويبي وسالم العوكلي نادرة واستثنائية ونفيسة: الصداقة والذاكرة المشتركة عن تفاصيل عاشاها معًا، تفاصيل في الحياة والأدب والوطن والحلم والخيبة، تلك التفاصيل العابرة للمسافات وللزمن، الحصيلة التي يرتكز عليها الفهم العميق لسيرورة الزمن بوصفه متحولًا بقدر ما هو ثابت وبوصفه عابرًا بقدر ما هو مقيم. هذه الحصيلة هي التي كانت تنقص الرسائل التي تبادلتها مع الصديقة الافتراضية في مشروع الرسائل الذي تحدثت عنه في بداية المقال؛ ذلك أن الأرضية  التي حاولنا تأسيس رسائلنا عليها هي أرضيه آنية افتراضية وسطحية تصلح لأي اثنين يبنيان مشروعًا كهذا، لكنها تفقد الخصوصية والحميمية والغوص في تفاصيل يعرفها كل عن الآخر؛ وتفقد الاشتباك المشترك مع مفهوم الوطن والمنفى والغربة بين شاعرتين واحدة في أواخر خمسينيتها منفية ولا وطن لها لتعود إليه، وأخرى في أوائل أربعينيتها تعيش في وطنها المستقر والآمن.


ضفة ثالثة | 22 نوفمبر 2023

مقالات ذات علاقة

عن النص، ونقطة الـ90

رامز رمضان النويصري

أحمد مصطفى الرحال يدرس أحوال يهود ليبيا

سالم أبوظهير

في الذكري الخامسة لرحيله… كتاب طرنيش في القلب

حواء القمودي

اترك تعليق