قصة

البيت

من أعمال التشكيلية شفاء سالم
من أعمال التشكيلية شفاء سالم

للمرة الخامسة أو ربما السادسة يعيد ترتيب المقاعد في غرفة الجلوس، على شكل نصف دائرة هذه المرة تقابلها طاولة مربعة فوقها زهرية مرصّعة بأصداف البحر.

في الركن الشمالي وأسفل النافذة المطلة على الحديقة وضع خزانة صغيرة للكتب وداخلها جهاز الهاتف ووارى سلكه خلف ستارة النافذة.

ابتعد قليلاً ليعاين هندسة المكان، حمل عدة طنافس ووزّعها في المساحة الفارغة لتكون مع المقاعد دائرة شبه كاملة.

قال لنفسه: لو أن (جمانة) معي الآن لرتـّبت الأثاث في وقت أقصر.

لقد جذبته هذه الفتاة التي تنطق السين ثاء منذ أن جاورتهم أسرتها، شيء ما جذبه نحوها وحتى هداياها مميزة، لقد أهدته ذات يوم عدة فراشات محنّطة، ولكن أجملها فراشة الليل ذات اللونين البرتقالي والأسود، واهدته مرة أخرى كائنات بحرية كنجم البحر وبعض الودع و(توتياء الرمال) ليضعها في حوض سمك الزينة.

اتجه نحو المطبخ وغيّر مكان الثلاجة لتكون قرب الباب وتأكد من أن باب الثلاجة وباب المطبخ يفتحان في ذات الاتجاه، أما موقد الغاز فوضعه جوار النافذة كي لا تتسرب رائحة الطعام إلى داخل البيت، وفي المنتصف وضع طاولة الأكل ذات المفرش المقلّم وكرسيين متقابلين.

كان يذاكران معاً ويلهوان معاً ولكنه انقطع عن زيارتها حين قال له والدها ذات يوم: اسمع ابنتي لا وقت لديها للهو، هيا اغرب عن وجهي.

كانت غرفة النوم صغيرة فقرر الاستغناء عن بعض قطع الأثاث. احتفظ بالسرير المزدوج وخزانة الملابس، أخرج جهاز التلفزيون الذي قال والده مرة أنه لا يجلب إلا الصداع ولقد تحقق من صدق كلام والده، فأغلب القنوات تردد أخبار الإضرابات والاحتجاجات والمجاعات والصدامات والانقلابات والاغتيالات.

حمل جهاز التلفزيون ورماه في صندوق مكعّب ووضعه في مرآب السيارات خلف المنزل. لديه شاحنة صغيرة وتملك جمانة سيارة رياضية حمراء اللون.

ودّا لو يبنيا بيتهما كما يشاءان، وان تكون لهما حياة مشتركة بعيدة عن أنوف ووساوس الآخرين ولذا ابتكرا ذات يوم لغة خاصة بهما تعتمد الأرقام بدلاً من الحروف.

وزّع خارج البيت عدة شجيرات استوائية وأحاطها بسياج خشبي قصير.

لقد افتقدها الأسبوع الماضي نتيجة إصابتها بالزكام، فاحمر أنفها وذبلت عيناها، ولم يجرؤ على عيادتها خوفا من والدها الذي لم يره مبتسماً قط.

رن جرس البيت وتناهى إليه صوت أمه قائلة:

ــ فارس.. لقد حضرت جمانة لتلعب معك.

قفز من مكانه منشرحاً ولكنه تعثر بالبيت الذي بناه منذ قليل، تبعثرت القطع الصغيرة واختلطت، ابتسم وقال: سنعيد معاً ترتيب البيت، وربما على نحو أفضل مما كان عليه.

مقالات ذات علاقة

حقيقةُ ما حَدَثَ…!

أسماء مصطفى

ضباب

أحمد يوسف عقيلة

الشكماجة

عزة المقهور

اترك تعليق