المقالة

الحياةُ في الغياب..!

(مقدّمة لشهادات في التجربة)

من أعمال التشكيلية شفاء سالم

قبل أعوام كتبتُ “أصحاب المغيب” وهو كتابات في الغُربة، جمع بين الأسفار وذكريات الأصدقاء من مختلف الأصقاع.. جمعتُ إليه ما كتبتُ في سنوات خلت عن الغربة وأضفتُ إليه ما بقي من حنين واشتياق لتلك الأمكنة الوديعة ولتلك العلاقات التي عبرت أرصفة الذكريات دون ضجيج..!

معظم أولئك الأصدقاء الذين تركتهم خلفي، ماتوا في بهجتهم. دون وداع.. تركوا لي الذكريات وغادروا الدنيا دون ضجيج، وكأنهم انتقلوا من مقهانا القديم ولم يعودوا إليه كما كان يحدث تماماً في دمشق وبيروت ونيقوسيا.. الشاعر محمد الماغوط ضاقت به الشام فنزف في العبارة الأخيرة وهو يبكي على أريكته الحمراء وحيداً حتى مات.. الشاعر محمود درويش الذي فتح القلاع الشعرية بجيوشٍ من الفراشات والعصافير، لم يحتمل في باريس أن يفتحوا له قلبه مرّتين، فمات في الثانية وعاد غريباً إلى فلسطين.. الشاعر حسين نصرالله كان يبحث عن ذاته في بيروت المعطوبة، فسافر إلى موسكو وحيداً ليموت هناك غريباً على وسادة غريب.. الشاعر أمجد ناصر الذي كان يهيم بالحياة ويبتهلُ لها، أصابه “اللعين” في دماغه عنوة، وكأنه يستهدف عقل الشاعر لتخريب أجمل القصائد، ليثور عليه أمجد بكتابة عنيده كانت كافية لمواجهته في الحياة، ومات أمجد على سرير الغريب في لندن الباردة، وليعود جثماناً في قصيدة ويدفن في “المفرق” على أعشاب الأردن الدافئة.. والشاعر سميح القاسم الذي كان يضحك رغم الألم، تعتريه أوجاع الجسد فيتكئ على أوجاع فلسطين وليموت على ركبتيها طفلاً كبيراً..!

كانوا “أصحاب المغيب” في الغُربة، وذهبوا إلى بعيد وقد تركوني وحدي بلا أصحاب.. حتى أصدقائي في وطني ليبيا ماتوا غُرباء، وكانوا في الذكريات أطيافاً بيضاء في سفر الكلمات.. فرحيل الشاعر علي صدقي عبدالقادر كما رحيل الكاتب رضوان بوشويشة ومن قبلهما الشاعر جيلاني طريبشان، ورحيل الكاتب الصادق النيهوم في الغُربة كما رحيل الكاتب خليفة الفاخري في الوطن، وبينهما بقليل الشاعرين علي الفزاني ومحمد الشلطامي والكاتبين داود حلاق وعبدالسلام شهاب.

كتاب (أصحاب المغيب) للكاتب سالم الهنداوي
كتاب (أصحاب المغيب) للكاتب سالم الهنداوي

لقد رحلت قافلة الأصدقاء إلى حافة الآخرة بلا زادٍ سوى من تقوى الله وحُب الوطن، حيثُ كُنّا من أبناء الجيل الذي واجه الظُلم في الحياة قانعاً قنوعاً بأن حُب الوطن كان من الإيمان..!

لم أغفل عن أصدقائي يوماً، وهُم من بادلوني بالترحاب في أفئدتهم، سافرنا معاً وسهرنا، واعترانا الجوع معاً على أرصفة غريبة ليكرمنا البحّارة على كُل رصيف بوجبة طازجة بنبيذ البحر.. وكُنا في الحكايات نفتحُ نوافذنا على العواصم ونهدي عاشقيها الليل.

غير أني في تلك الليلة بالذات، ليلة السادس عشر من مايو 2022 بكيت، بكيتُ وحدي في غرفتي الفردية بالمصحّة بطرابلس، وأنا مازلتُ تحت تأثير المخدّر والسماء تشتعل بنيران الرماية العشوائية، فتلك النافذة الكبيرة المطلّة على السماء، والتي غادرتها إلى العملية الجراحية بدمعتيْن على أمل أن أعود إليها وأراها في المساء وقد زيّنتها النجوم، تحوّلت إلى مسرح نيران بين أبناء الوطن، لأرى غُربتي الموحشة في المدينة التي أوتني كاتباً في مُقتبل شبابي، وفيها كتبتُ عن الحياة والأصدقاء.. وفيما توقّفت الرماية بعد انقطاعات ودوّت صرخات عربات الإسعاف في الشوارع القريبة، حاولتُ مغادرة السرير إلى النافذة لرؤية من يصرخ في الطريق، لكن الدوار غلبني واستيقظ ألم الجُرح موجعاً لأمكث عاجزاً وعينيَّ على النافذة صوب الصراخ..!

توقّفت شعلات النار في السماء مخلّفة سحاباً أسود لا يليق بطرابلس، وانهار جسدي على هواجس كثيرة تداخلت مع تأثير المخدّر، وكاد الفجر أن يحين وأنا أتساءل ماذا لو دخلت غرفتي قذيفة طائشة وأردتني أشلاء وأنا على سرير موت كان أبيض متفائلاً بالحياة وصار أحمراً كسيل الدم في المدينة؟!.. وتذكّرتُ وجوه الأصدقاء الذين رحلوا بلا ضجيج، الأصدقاء الذين تركوا المقهى ليذهبوا بعيداً إلى حافة الآخرة ولن يعودوا.. تذكرتُ بهجة أصحاب المغيب وضحكاتهم الصاخبة قبل أن يصمتوا فجأة إلى سكون..!

كنتُ بين وجع الجُرح والسُهاد أهذي بين وجوه بلا ملامح تطير في الغرفة كأشباح بيضاء، وجوه تستريح قليلاً في بؤرة ضوء المصباح الأبيض ثم تقلع إلى النافذة بملايات بيضاء وتختفي، وجوه تتهادى في فضاء الغرفة ثم تهسهس بقربي وترحل، وكأني بها تدعوني للذهاب معها من نافذة تطلُّ على السماء كانت تشتعل في الليل وصارت رمادية في الصباح..!

صحوتُ بعد ليلة طويلة وأنا ملئ بالرؤى، وبالتوق للحياة.. لأجد نفسي حيّاً بعد موت، ولاحت لي فكرة أن لا أدع الحياة تغادرني فجأة كما فعلت مع أصحابي في المغيب، إذ كان عليهم أن يستعدّوا لغدر الحياة، الغدر الذي رأيته في سماء طرابلس في تلك الليلة وكان الموتُ قريباً من سريري الأبيض في المصحّة، وعزمتُ على أن أسمع صدى خطواتي في الدنيا بعد قضاء نصف قرن من الكتابة للحياة، أن أقف على الرصيف في المحطّة مع أصدقاء أحببتهم، ليقولوا لي كلماتهم الأخيرة قبل السفر.. فبيننا حكايات وأسفار وذكريات وموائد سهر، وكتبنا معاً كثيراً في سيرة العاشقين قبل أن يرحلوا.

هي تلك البداية مع أصدقاء أحببتهم، عرفتهُم وعرفوني عن قرب، عاشوا معي غُربة الإنسان، ونسجوا من الكلمات خيوط غربتنا الأبدية.. وهي الشهادات الحقيقية في التجربة، قبل الرحيل.. وكان الجميل والأجمل أن أقرأها مع الأصدقاء في محطّة الحياة..!

مقالات ذات علاقة

تأشيرة الغفران

المشرف العام

الثقافة السوداء

نادرة عويتي

أين ليبيا التي عرفت؟ (25)

المشرف العام

اترك تعليق