قصة

يوميات عبور الطريق

من يوميات حياتي

من أعمال التشكيلي الليبي توفيق بشير
من أعمال التشكيلي الليبي توفيق بشير

كنت ولا زلت من الطبقة المتوسطة؛ عشت أغلب وأهم مراحل حياتي متنقلة بوسيلة الركوب العامة (الإفيكو)؛ لذعتني الشمس وأحرقتني؛ كنت أقف على حافة الطريق أنتظر ظهور (الإفيكو) تدفعني الرياح وكلمات المارة البذيئة و يبللني المطر أو يدور رأسي لهبوط جلوكوز الدم من التعب والإرهاق والجوع.

أذهب لكلية الطب بحمولتي من الكتب و (الشيتات) والمذكرات وأعود بحمولة أكبر من الضيق والهموم والدروس المتراكمة ومواعيد الامتحانات التي تلوح من بعيد مشقة وألما.

يحدث كثيرا أن أظل واقفة لعدم وجود كرسي ويحدث أكثر أن يرصنا السائق نحن الركاب بعضا على بعضا دون مراعاة لأدني الأخلاقيات والإنسانية حتى يزيد دخله ونحن أغلبنا طلاب الجامعة في ذلك المسار وتلك المحطات؛ يحدث كثيرا أنهم يقودون بسرعات جنونية ويرفعون صوت الأغاني (المغربية) عالية.

ويحدث أن التقينا بالكثير من الأصدقاء وأننا كنا نركب الحافلة معا ونتحدث حتى نغادرها واحدا تلو الاخر؛ ويحدث أن نسمات جميلة وعليلة تهب على وجهي حين أ جلس في الكرسي المحادي للنافذة ويحدث ان سمعت إطراء مهذبا جميلا أخجلني ويحدث أن دفع عني أحدهم لا أعرفه ولم يكلمني رسوم الحافلة (الربع دينار) وهو يغادرها مودعا لي بابتسامة إعجاب ويحدث أن تخنقنا في الصيام رائحة عرق الركاب ويحدث أن انتشينا بأغاني طربية وقت ظهيرة جميلة .

وتلك أيام انقضت وذكرياتها كثيرة وحين صرت أقود سيارة ظللت أنتمي لهؤلاء المترجلين القاطعين الطرقات المعافرين الغبار والاتربة والشمس انتظارا لمرور (إفيكو) قد يأتي سريعا أو يتأخر طويلا لأنه يوم عطلة مثلا.

نقشت تلك السنوات الطويلة ألما في ذاكرتي وإنتماء وعزيمة؛ ومن حيث أدري ولا أدري أهتم لأمر العابرين وأعرض خدمات توصيلهم (على طريقي) كبارا وصغارا خاصة في الطرقات المقطوعة.

أذكر ذات مرة (عصرية يوم عيد) وقفت لفتاة كانت تنتظر المستحيل أمام مركز طرابلس الطبي؛ فلن يأتي (الافيكو) ولن يستعمل (الإفيكو) إلا المفلسين أما ميسور الحال فيوقف (التاكسي).

وقفت للفتاة وعرضت عليها (نحطك في طريقي؛ انتي وين تبي)

ولم تكن مسافة بعيدة من مركز طرابلس الطبي حتى أمانة الزراعة سابقة أو الوزارة حالية؛ قبلت الفتاة عرضي لكنها كانت ترتعش خوفا متمسكة بمقبض الباب؛ أخالها تقول في عقلها :

(لو حاولت هذه المرأة اختطافي سأقفز للشارع)؛ وحين وصلنا لجزيرة (سيدي المصري) أوقفت السيارة لتغادر فشكرتني بحماس وسعادة.

في مرة أخرى وقفت لرجل مسن كان يكابد المسير صاعدا في اتجاه الجسر (الكوبري) والطريق طويل فوقفت وعرضت (نحطك في طريقي يا حاج)؛ حين وصلنا نهاية الجسر حيث يجب أن ينزل وحيث بيته كما قال طلب مني (عشرة دنانير) لكني اعتذرت فتلكأ في النزول فخاطبته بحزم آمرة إياه بالنزول ونزل.

ذات مرة كانت الأمطار تهطل بغزارة فأوصلت أطفال كانوا يركضون وسط الطريق وسعدوا جدا أني ساعدتهم (صحيتي يا ابلة.  بارك الله فيك يا ابلة).

وذات مرة عرضت على سيدة توصيلها (نحطك في طريقي) جزيرة “الظهرة” فطلبت مني بتكبر إيصالها (لزاوية الدهماني) فقلت لها:

“خليك وين ما انتي” وقدت سيارتي مبتعدة.

ولا أنسى أبدا (رفيقتي في الجنة) هكذا سمتني ووعدتني أننا سنلتقي في الجنة.

كنت أقود سيارتي مغادة الجامعة أسلك الطريق الخلفي لأغادر من البوابة الخلفية ظهيرة يوم صيفي قائظ حرارته كانت (في الأربعينات) وفي طريقي رأيت مرأة تسير وحيدة في ذاك الطريق الرابط من كلية الزراعة مرورا بكلية البيطرة حتى البوابة الخلفية (الشرقية)

الطريق طويل جدا ولا ظل فيه وتبدو منهكة؛ أوقفت سيارتي وعدت للخلف بها (انديتروا) وطلبت منها الركوب فقفزت قفزا داخل السيارة “المكيفة” هروبا من (صهد القبلي) لأتفاجأ أنها (افريقية) تعمل بالجامعة فخفت منها كثيرا.

كانت امرأة مسلمة من أريتريا وراحت تدع لي بحماس وصوت عالي وانفعال حتى أنها كانت تتقافز في مقعدها بجسدها الضئيل ورائحة عرقها التي ملئت السيارة وظلت تقول وتعيد:

(أنا صايمة واشتغل من السبعة الصبح وحطيت منشف مبلول على راسي عشان خايفة من الشمس وانتي وصلتيني انا.

انا كل يوم بندعيلك ماما.. انا وانتي سوا سوا في الجنة

انا صايمة وانا كل يوم ندعيلك ماما.. انا وانتي صديق في الجنة).

أبكتني المرأة وأحرجتني مع نفسي؛ استحيت من الله أني خفت منها لأنها كانت افريقية سمراء؛ وأني شعرت في نفسي شيء من كبر حين عرفت من تكون وكنت ظننتها في البداية إمرأة ليبية

أخجلتني مع نفسي وأحرجتني حين سمعت دعائها لي وأبكتني..

وحين نزلت من السيارة ظلت ترسل لي القبل وتلوح بكلتا يديها بفرحة وحماس..

ليحفظها الله فقد عرفت رفيقتي في الجنة إن شاء الله..

ومنذ أيام كانت الطريق مقفلة فركنت سيارتي بعيدا وقضيت مصالحي راجلة سيرا على الاقدام.. حين عدت للسيارة تناولت (فطوري؛ ساندوتش التن) الذي معي وشربت مياه وعلبة عصير

وكان هناك رجل يقابلني على قارعة الطريق يحاول إيقاف (إيفكو) ولم تقف له أي (إفيكو).

لم أهتم لأمره كثيرا ولم أركز عليه لكني كنت على دراية بوجوده حولي وحين أدرت مفتاح السيارة و هممت بالمغادرة ؛ في لحظة ما أشفقت عليه؛ فناديته وعرضت عليه (نحطك في طريقي).

تفاجأ للوهلة الأولى وظهرت الدهشة على ملامحه لكنه بيأس (وافق).

صعد لسيارتي فطلبت منه لبس حزام الأمان وفعل وانطلقنا؛ ظل متسمرا في مكانه ولم ينطق كلمة بل إني أظن أنه حبس أنفاسه ولم يتنفس وظل ينظر للأمام بشكل مستقيم لم تتحرك رقبته حتى وصلنا.

 قال لي مغادرا (بارك الله فيك يا وخيتي.. بارك الله فيك). وقد أسعدني أني أعنته وشعرت بسكينة.

حين أخبرت زوجي القصة ذات حديث لامني على ذلك وعاتبني وأنبني كثيرا.

قلت له: أنا أنتمي لهؤلاء المسفوحين على الطرقات؛ أنا أعرف تماما ماذا يعني انتظار (إفيكو) لا يأتي.

قد لا أكون على صواب… لكنني أفعل ما أراه صواباً.

مقالات ذات علاقة

يا ليبيا ياجنة

إبراهيم حميدان

رمادي ..

خيرية فتحي عبدالجليل

دافنينو سوا !!

عوض الشاعري

اترك تعليق