دراسات

أسئلة المجتمع المدني في ضوء أدبيات الفكر العربي المعاصر

من أعمال التشكيلي محمد حجي.
مثقف من أعمال التشكيلي محمد حجي.

بتلقف الكتاب والباحثين العرب موضوعة المجتمع المدني انقسم أولئك الكتاب والباحثين إلى ثلاث اتجاهات موقفية هي:

أولاً: الاتجاه الذي يؤيد فرضية الإسراع في تفعيل مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية ويعتبر أن أي رأي مخالف لاتجاهه هو رأي يدعم القمع والاستبداد الذي تمارسه النظم التقليدية السلطوية على مواطنها البائس والمكلوم.

ثانياً: الاتجاه الذي يرفض الموضوعة بشكل مطلق ويعتبرها محاولة بائسة لإلهاء شعوب المنطقة عن قضاياها المصيرية وان الذين يتحدثون عن إحياء المجتمع المدني هم مجرد خياليين وواهمون وقعوا تحت تأثير مخدر الانبهار بالثقافة الغربية.

ثالثاً: الاتجاه الذي ينطلق من زاوية توفيقية مفادها انه إذا تمت صياغة موضوعة المجتمع المدني وفق منظور براغماتي يراعي خصوصية البيئة العربية وتجاربها الخاصة ، وانه إذا ما تم منحها متسع من النقاش العلمي المثمر والبناء فإن موضوعة المجتمع المدني ستكون أداة فاعلة في مواجهة قهر وتجبر النظم السلطوية ، ومع إن هذا الاتجاه الأخير والذي يمثل من وجهة نظر كاتب هذه السطور الاتجاه الأكثر نضجاً من الناحية التحليلية والفكرية يأخذ في عين الاعتبار ملاحظة سعد الدين إبراهيم التي نبه من خلالها إلى أن الحديث عن المجتمع المدني في المنطقة العربية لا يعني أننا نتحدث عن ” كيان واحد متجانس ومنسق ، ويعبر عن نفسه بصوت واحد اتجاه الدولة ” (1)

فإن العديد من أنصار ذلك الاتجاه طرحوا بشكل معرفي حذر جملة من الأسئلة التي ارتأوا أن حسم موضوعها سوف يسهم في بلورة نظرية تساعد على توظيف عملي إيجابي للموضوعة، فطرح موضوعة المجتمع المدني في الأدبيات الفكرية العربية ولد أسئلة استفهامية عدة لعل أهمها ما يتعلق بالمحاور التالية:

أولاً: محور سؤال الدولة:

فلقد كان من الطبيعي أن يترتب على استنساخ فكرة المجتمع المدني من المجتمعات الغربية، أن تستنسخ أيضاً مجموعة الخصائص والسمات المكونة لمنظومة تفاعلها النظري والتطبيقي مع محاور تحليلية هامة مثل محور ” الدولة “، حيث بدأت بعض الأقلام في هذا الصدد تتساءل عن مدى إمكانية خلق علائقية منسجمة بين المجتمع المدني والسلطة السياسية تكون مرتكزة على نفس الخصائص والسمات الموجودة في النظم الغربية التي تقوم فيها تلك العلاقة على اشتراطات عدة لعل أهمها ما يلي: (2)

1.استقلال السياسي عن الاجتماعي / المدني وتمايز هما وظيفياً ومؤسسياً.

2.تكامل السياسي والاجتماعي / المدني وتعايشيهما تفاعلياً.

3.الإختيار المجتمعي للسياسي على مستوى الأفكار والسياسات والأشخاص، وحقه في مراقبته ومحاسبته وتغييره سلمياً وشرعياً ودورياً.

رابعاً: مسؤولية السياسي عن تجسيد إرادة المجتمع وضمان تحقيق مصالحه وأهدافه:

كما طرحت على نفس الصعيد أسئلة عدة حول علاقة موضوعة المجتمع المدني بالديمقراطية ، وكذلك بالطبيعة التي يفترض إن تكون عليها علاقة المجتمع المدني بالدولة في المنطقة العربية ، حيث أكد البعض على أن الديمقراطية تعد في الواقع إطاراً لانتعاش المجتمع المدني كما أن المجتمع المدني يعد ركيزة أساسية لترسيخ النظام الديمقراطي ، وان قوة المجتمع المدني لا تعني بحال من الأحوال ضعف الدولة ، فوجود دولة قوية وليس تسلطية ومجتمع مدني قوي هو الذي يكرس الشرعية والاستقرار السياسي أما إذا قويت الدولة وضعف المجتمع المدني ، فإن ذلك يفتح الباب والمجال للفوضى وعدم الاستقرار. (3) أيضاً ظهرت دراسات بحثية أخرى تطرح سؤالاً هاماً يشكك في وجود كيان يجسد المعنى الموضوعي الصحيح لمفهوم الدولة وبالتالي طالما أن ذلك الكيان الذي يعد مرتكزاً أساسياً لموضوعة المجتمع المدني غير موجود فانه لا حاجة لنا إذاً نحن العرب بكل ذلك الإرث الجدلي حول موضوعة تفتقد في المنطقة العربية أحد أهم مرتكزاتها وتجلياتها التفاعلية ، خاصة في ظل استخلاص ابستمولوجي يرى أن الدولة القطرية العربية قد قامت أصلاً على سد فراغ سياسي وسلطوي ومؤسساتي و أدارى وبيروقراطي ، ولم تكن هناك غير الزعامات المحلية التقليدية المشخصنة ، وبقايا التركة البيروقراطية العثمانية في بعض الحالات لتسد ذلك الفراغ ، وبدون وجود ركائز تذكر لدولة فاعلة ( ربما عدا دولة المخزن في المغرب والإدارة الحكومية القديمة في مصر) ، لذلك فقد اهتمت الدولة القطرية العربية بإقامة حكومتها و إدارتها وجيشها قبل أن تنتقل إلى ترسيخ مؤسسات الدولة الأخرى من مجالس وهيئات وتنظيمات ، أي إنها بدأت بطبيعة الحال بالحكومة (السلطة) قبل مؤسسات الدولة والمجتمع . (4) وفي مقاربة متماهية مع الرؤية الآنفة يؤكد الدكتور صالح السنوسي على أن ” الفرد العربي لم يكن على معرفة سابقة بمثل هذه المؤسسة (الدولة)وما ينتج عنها من رموز ومعان وقيود مفروضة على الحركة والانتماء، لقد التقت طموحات بعض الفئات مع مصالح القوى الأجنبية فآوى ذلك إلى دولته القبائل والطوائف والمناطق. (5) عموماً زاد من وطأة الاستفهام الدولتي الآنف وجود أنظمة عربية تعاني من أزمة حادة يمكن حصر أبرزها في النقاط التالية: (6)

1. أنظمة انتقالية غير مستقرة ويفتقد معظمها لنموذج واضح لإقامة سلطتها السياسية ومؤسساتها.

2. أنظمة تابعة للقوى الأجنبية وخاضعة لسياساتها وبرامجها بصور متنوعة ومتدرجة من التبعية المباشرة وغير المباشرة.

3. أنظمة تسلطية تحتكر السلطة والثروة والقوة وتنتهك الحقوق والحريات السياسية والاجتماعية لمجتمعاتها.

4. أنظمة محدودة الفاعلية تعثرت في إنجاز مشاريعها وتحقيق رهاناتها الوطنية والقومية على حد سواء.

5. أنظمة غير شرعية تفتقر إلى الرضا والقبول المجتمعيين مما جعلها أنظمة تعسفية مستبدة.

لقد ترتب على المعطيات الآنفة أسئلة عدة حول المشكل الديمقراطي وعلاقته بموضوعة المجتمع المدني ، خاصة أمام تموجات الرفض الدائرة حالياً حول التطبيقات النظامية الموجودة في المنطقة العربية ، ففي الوقت الذي نبهت فيه الكاتبة بصحيفة الشرق الأوسط اللندنية ريم الصالح إلى أن التجربة في المنطقة العربية قد أثبتت أن الديمقراطية الشكلية وصناديق الاقتراع ليست إلا وسيلة لتكريس الجمود و اللا عدالة وعرقلة التطور (7) ، أكد العديد من الباحثين على انه حتى وقتنا هذا لا يوجد اتفاق حول شكل ومضمون الديمقراطية المطلوبة في منطقتنا العربية ، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن مسالة الاتفاق في مجال الفكر السياسي والممارسة ليست واردة ، وذلك لسبب مفاده أن الفكر السياسي العربي يمر في المرحلة الراهنة بعملية مراجعة ونقد ذاتي ، بالإضافة لمجابهة شرسة مع طغيان دولة الثقب الأسود. (8)

إن الواقع الديمقراطي في معظم الأنظمة السياسية العربية يشخصه سمير أمين بالقول ” وقد أخذت الحكومات العربية المعاصرة بمبدأ الاعتراف بالمواطن ذي الحقوق السياسية، ومنها أساساً حق الانتخاب في إطار دستوري يحدد قواعد وتكوين ممارسة السلطة، ولكن هذه المبادئ بقيت شكلية غير معمول بها جدياً ” (9).

وفي إشارة للمشهديات السلبية المرافقة للتطبيق المبتسر عمليا للعملية النيابية والى انعدام التسامح الفكري المتبادل فيها يؤكد كمال المنوفي على أن ساحات المجالس النيابية باتت تشهد أحياناً مهاترات شخصية وتراشقاً بالألفاظ النابية ، فمن “الملفت أن تجد حزباً يدافع بحرارة ، وهو في صفوف المعارضة ، عن اختلاف الآراء والتوجهات من منطلق أن ذلك ضروري لإثراء الديمقراطية ولكنك تجده يضرب بهذا عرض الحائط سواء في حياته الداخلية أو في تعامله مع الأحزاب الأخرى المعارضة ، بل انه لا يتردد حينما يظفر بالسلطة ، في تضييق الخناق أو التنكيل بالقوى والتيارات التي تختلف معه ” . (10) إن السلبيات المظهرية الآنفة جعلت العديد من الكتابات العربية المختصة بشؤون موضوعة المجتمع المدني، تبدي تريثا وتحفظاً وارفاً على الدعوات الرامية لاستنساخ التجربة الغربية في مجال المجتمع المدني، ومن ثم إسقاطها على المنطقة العربية، خاصة أن هناك مؤشرات منطقية عدة تعزز من تلك المخاوف وتثير العديد من الأسئلة الاستفهامية المحيرة.

ثانياً: سؤال الملمح الثقافي والاجتماعي:

في الوقت الذي دعا فيه أنصار فكرة المجتمع المدني لضرورة الإسراع في بلورة تطبيقية وعملية عاجلة للفكرة في منطقتنا العربية، شكك باحثون آخرون في إمكانية وجود نمط الفرد العقلاني المستقل في تلك المنطقة، واعتبروا أن ثمة عقبات تعرقل من عملية بناء ذلك النمط الفردي الذي اعتمدت عليه كثيراً بلورة فكرة المجتمع المدني في الغرب، وأن تمظهرات ثقافية عدة تحول دون التكون الناضج لشخصية الفرد العقلاني المستقل في منطقتنا العربية، ربما أن أهمها ما يلي:

1. أن الفرد العربي ، إجمالا يجمع في تركيبه النفسي ، وفي سلوكه الاجتماعي الذي يصدر عن هذا التركيب ، اتجاهين متناقضين : النزعة الفردية والنزعة الجماعية ،”فهو من جهة مدفوع بنزعة فردية عمياء تجعله يخرج عن المجتمع ويخالفه ، وينعكس ذلك في تأكيد الذات أمام الآخرين ، وبدافع الكرامة ، والحساسية ضد النقد ، ومن جهة أخرى، فهو مدفوع بنزعة جماعية تجعله عاجزاً عن العيش دون الالتصاق بالجماعة والاعتماد الكلي عليها ، وينعكس ذلك في طاعة شعائر بعض المجموعات ، بالرغم من كرهه إياها ، وفي عدم القدرة على تأكيد استقلاليته” . (11)

2. إشكالية الذهنية العربية المتسمة بخصائص وسمات سلبية عدة لعل أبرزها:

أ‌. إنها ذهنية عاجزة عن مواجهة الذات وعاجزة عن الاعتماد على الذات، لكنها موهوبة بالبكاء وتعليق مشاكلها على مشاجب الآخرين، تحتاج إلى الآخر وتعاديه في آن واحد، تحب وتكره بشيزوفرينيا ملفتة ومحيرة.

ب‌. ذهنية منكوبة، جنائزية، واقعة في أسر الإحساس بالنكبة، وغروب المجد الأندلسي الغابر، تنوح على ما ولى وتتناسى إنها سلبت من الآخرين أشياء كثيرة، لكنها تكره الآخر الذي انتزع منها مجد الماضي فتحوله إلى شبه شيطان أكبر ومصدر دائم للشر والظلم، وبالتالي من الطبيعي جداً أن نراها غير قادرة على التخلص من العذابات والآلام التي تختلج في سريرتها، وغير قادرة في نفس الوقت على مواجهة ذلك الآخر، أو الاستغناء عنه (12).

إنها ذهنية كما يقول (الكاتب الكويتي صلاح الساير) ” مسحورة، عمياء، لا بصر لها، ولا بصيرة “، تلفيقية لا ثبات للمنطق فيها، تري ما تود أن تراه، لا ما يتراءى للعيان، وتبصره الأبصار، وتلمسه البصائر، ذهنية تذكرنا بالثري التركي الخامل الكسول والمتعجرف الذي فقد ماله وسلطته وهيبته الماضية، ورفض الاعتراف بالواقع الجديد، في الوقت الذي رفض فيه الجد والاجتهاد والعمل، وارتضى التسول على الطرقات، وهو يقول للمارة.

” حسنة وأنا سيدك ” (13).

3. ترتب على وجود النمط الذهنوي الآنف وبالأخص خصوصيته الماضوية إشكاليات عدة واجهت الفكر العربي الحديث والمعاصر ، حيث تحول ذلك الفكر إلى فكر لا تاريخي يفتقد إلى الحد الأدنى من الموضوعية ، ولذلك كانت قراءاته للتراث قراءة سلفية تنزه الماضي وتقدسه وتستمد منه الحلول الجاهزة لمشاكل الحاضر والمستقبل ، الأمر الذي خلق مواطناً عربياً مؤطراً بتراثه ، بمعنى أن التراث يحتويه احتواء يفقده استقلاله وحريته ، لقد تلقى ذلك المواطن البائس ومازال تراثه منذ ميلاده كمحفوظات ومفاهيم ، كلغة وتفكير ، كحكايات وخرافات وخيال ، كطريقة في التعامل مع الأشياء ، كأسلوب في التفكير ، كمعارف وحقائق ، كل ذلك بدون نقد وبعيداً عن الروح النقدية ، فهو عندما يفكر، يفكر بواسطته ومن خلاله ، فيستمد منه رؤاه واستشرافا ته مما يجعل التفكير هنا عبارة عن تذكر، إن جل الشعوب كما يقول الجابري تفكر بتراثها ولكن ثمة فرقاً شاسعاً بين من يفكر بتراث ممتد إلى الحاضر ويشكل الحاضر جزءاً منه ، وبين من يفكر بتراث توقف عن النمو منذ قرون. (14)

4. ترتب أيضا عليه سلبيات عدة امتدت إلى منظومة محددات الفعل الديمقراطي للمواطن العربي، وتتجسد تلك السلبيات بشكل جلي وواضح من خلال أزمة ثقافته السياسية أو أزمة عقله السياسي، التي تتضح خصائصها من خلال جملة العقبات الكؤود التالية:

أ‌. عدم وجود الاستعداد للمشاركة أو الممارسة السياسية.

ب‌. انعدام التسامح الفكري المتبادل.

ت‌. عدم توفر روح المبادرة، فالمواطن العربي يفكر دوماً بعقلية أبوية تتصور أن كل قرار وكل مبادرة ينبغي أن تكون من مستويات عليا وفوقية وليس من منطلق ذاتي وكينوني.

ث‌. اعتقاد المواطن العربي بان السلطة السياسية مودعة في أطر وآليات متوحدة مع شخص الفرد الحاكم والذي يجب ألا يعامل كبشر معرض للوقوع في الخطأ.

ج‌. انعدام الثقة بين المواطن العربي والنظم السياسية التقليدية القائمة على حكم الفرد الطاغية أو الايجارشية المتنفذة.

ح‌. عدم الشعور بالاقتدار السياسي حيث يقول أحد الباحثين في نص يحمل دلالات ومؤشرات عدة أتضحت من دراستين ميدانيتين أجريتا على عينات من الحضر والريف في المجتمع المصري خلال عقد السبعينات من القرن المنصرم، (أن أغلب المبحوثين لا يستطيعون مواجهة المسؤول بكلمة الحق والإعلان عن آرائهم بصراحة في حضرته خوفاً من احتمال التعرض لإيذاء جسدي أو لفظي، إضافة إلى الاقتناع بعدم جدوى الكلام حيث يفعل المسؤول ما يراه هو في النهاية ” (15).

هذا عن أسئلة الملمح الثقافي أما عن أسئلة الملمح الاجتماعي فهي عديدة وذات مستويات ومحاور تحليلية وارفة ، لعل أكثرها جدلاً ما يتعلق بسؤال الثقافة العصبوية( القبلية – العشائرية – الطائفية ) السائدة في المنطقة العربية ، وما إذا كان بالإمكان أن يتبلور عملياً مجتمع مدني نموذجي ومثل ذلك النمط الثقفوي هو السائد والمهيمن على منظومة العقل السياسي العربي ، فالمجتمع المدني قائم في الأساس على ثقافة التسامح التي تتطلب احترام الآخر المختلف معه وعدم التعصب والتحيز لجماعة اجتماعية معينة واستخدام ذلك ذريعة لإحداث التوترات والقلاقل في المجتمع واستعمال العنف والقمع المادي أو المعنوي ضد كل من يخرج عن الإطار الفكري لتلك الجماعة ، هذا فضلاً عن ” أن كيان الدولة العربية ، من حيث وجودها كدولة – لا يزال لا يحتمل بقوة التعددية الديمقراطية لأن التعدديات العصائبية المترسبة لم تنصهر بعد في بوتقة تحدي الدولة الحديثة والمجتمع ، وهذا النوع القديم من التعددية قد يغطي الديمقراطية ويحل محلها بشكل يتجاوزها إلى ما يشبه الفوضى والحرب الأهلية ، بمعني آخر أن المسار الديمقراطي لم ينفذ بعد بوضوح إلى جذور البناء الاجتماعي ، كما لم تبرز بوضوح فئات من المجتمع المدني تحمي المشروع الديمقراطي وتضمن استمراره ” . (16) فالمجتمع المدني هو مجتمع تقوده أساسا نخبة مدينية ” صنيعة الموروث الحضاري للمجتمع ككل ، نخبة تفرض هيمنتها الاقتصادية والثقافية على المجتمع كله ومثل هذه النخبة غير موجودة في الوقت الراهن في أقطار العالم العربي ، قد تكون هناك نخبة مدينية في هذا القطر العربي أو ذاك تصف نفسها بالمجتمع المدني ولكنها لا تمارس ما هو ضروري من الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للتحول فعلاً إلى مجتمع مدني قادر على القيام بدوره التاريخي كقاطرة للإصلاح والتغيير في المجتمع ككل ، كما قد تكون هناك نخبة لها الهيمنة الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية ولكنها بدوية في سلوكها وعقليتها وتطلعاتها ، وبالتالي فهي لا تنتمي إلى المدينة التي هي الشرط المؤسس لمفهوم المجتمع المدني ” (17) .

ثالثاً: سؤال الملمح الاقتصادي:

من الصعب أن نقبض على جل خيوط الإشكالية الاقتصادية التي يرى البعض بأنها قد تعرقل سير عمل منظمات ومؤسسات المجتمع المدني في المنطقة وبالتالي إجهاض حلم إحياء المجتمع المدني الفاعل والمؤثر ، لذلك سوف نختصر حديثنا على هواجس الاستفهام المتمحورة حول الإسقاطات والتداعيات السلبية التي قد تترتب على استفحال ظاهرة مثل ظاهرة الفساد على البناء الاجتماعي المهم لبلورة المجتمع المدني الفاعل والمؤثر ، فمن المعروف أن دراسة الفساد ومسبباته وعواقبه لها تاريخ طويل في علم الاقتصاد ، إذ ترجع جذورها إلى المساهمة المميزة التي قدمها إلى الأدبيات المتعلقة بالتكسب غير المشروع كل من ( بها جواتي 1982 م ) ( و كروجر 1974م ) … وآخرون (18) .

حيث أفضت تلك الدراسات وغيرها إلى جملة من التعميمات الابستمولوجية المرتبطة بالبناء الاجتماعي وتحديداً بتمظهراته المتعلقة بظاهرة الفقر، وهي تعميمات يمكننا من خلال ربطها بالمنطقة العربية أن نقول بأن متغير مثل الفساد في النظم الاقتصادية العربية قد ساهم في خلق بناء اجتماعي مترهل وفي تأزم وضعه الثقفوي الذي سبق وأن تحدثنا عن جانب منه، وعلى كل حال فانه وطبقاً لما أورده تقرير الفساد لعام 2005 م الذي يصدر عن منظمة الشفافية العالمية. فان أربعة عناصر رئيسية تلعب دوراً كبيراً في التأثير على البنية التحتية ومن ثم على تكلفة الخدمات بالنسبة للفقراء من خلال رفعه لتكلفة رأس المال وهذه العناصر تتمثل في التالي: – (19)

1. الفساد يؤخر ويقلص الإنفاق الاستثماري على البنية التحتية.

2. الفساد يقلص النمو الذي يتم تخليقه عبر الإنفاق على الاستثمارات في البنية التحتية.

3. يرفع الفساد تكلفة تشغيل المستوى المتوافر من خدمات البنية التحتية.

4. تقليل الفساد من نوعية ومستوى خدمات البنية التحتية، وتقليص القدرة على الاستفادة منها خصوصاً للفقراء.

هذا عن الفساد وتأثيره على جدلية الفقر بشكل عام أما عن الفساد وتأثيره على موضوعة المجتمع المدني في المنطقة، فأن ذلك يتلخص في متغيرات عدة لعل من بينها التداعيات السلبية المرتبطة بتنامي ظاهرة البيروقراطية التي تعمل على تسويغ الفقر واستفحال أمره من خلال آليات منهجية يقوم باستخدامها ثلة من المفسدين المتنفذين (20).

والذين تكمن خطورتهم من وجهة نظر كاتب هذه السطور في إقدامهم على صناعة أنماط ثقافية تعمل على توظيف أهدافهم الرامية لتعزيز ظاهرة الفقر قرا طية ولعل من بين أهم تلك الأنماط ما يلي:

أ. ثقافة كاتم الصوت:

وهي ثقافة صمت يسعى الفقر قراطيون إلى تفعيلها في المجتمع بوسائل وأدوات عدة وهدف هذه الثقافة على كل حال هو خلق مواطن عربي يتسم بالاهتزاز وفقدان الثقة في النفس ومن ثم تحويله إلى كائن متخشب لا يجيد إلا تطبيق شعار واحد هو شعار ” نعم سيدي “.

ب. ثقافة الخوف:

وهي ثقافة اجتماعية تصب في مصلحة الإستراتيجية الفقر قرا طية وتقوم على منطق استبدادي يحدده جورج اورويل في روايته ( 1984 م ) بالقول بأنه ” أن تعرف ولا تعرف ، وأن تعي حقيقة صادقة كل الصدق وتري بدلاً منها كذبات موضوعة بعناية ، وان يكون لديك في نفس اللحظة وجهتا نظر متباينتان وان تعتقد وتؤمن فيهما كليهما ، وان تستخدم المنطق ضد المنطق ، وان تنكر الفناء بينما تدعيه ، وان تعتقد بان الديمقراطية غير ممكنة وفي نفس الوقت تنادي بان الحزب الحاكم هو حامي للديمقراطية ، وان تنسى ما تدعو الضرورة لان تنساه ثم تستعيده إليه ثم تعود فتنساه مرة ثانية, الأنكى من كل ذلك كله ، أن تطبق نفس الطريقة في حالة الإيجاب والسلب ” (21).

وفي سبره البحثي في تداعيات ثقافة الخوف على الوعي الجمعوي للمواطن العربي، يربط أحد الباحثين العرب بين تبعات تلك الثقافة وبين قمع الدولة السلطوية العربية من خلال الإشارة إلى أن ” القمع المفرخ للخوف واللاجم للشعور بالأنا الاجتماعية، يقتل الأنا الأخلاقية داخل الفرد، فيرتد إلى أحط أنواع الدناءة والخسة وانتهاز الفرص” (22).

ج. ثقافة المحاكاة:

تتجسد من خلال تمظهرات تقليد الفقراء العرب للمفسدين في سلوكياتهم وأساليبهم في التكسب غير المشروع، وكذلك من خلال الاندماج الإرادي أو غير الإرادي في نظام مجتمعي يتحول فيه المواطن إلى قاهر ومقهور في نفس الوقت، نظام عبر عنه بعمق الكاتب المصري نبيل عمر في مقالة له بعنوان ” صناعة الفراعين ” حيث يقول عمر بأنه كان يعاتب صديقاً له تغيرت أحواله بعد أن تم اختياره لمنصب رفيع عن طريق نشاطه السياسي وبات يقوم بما كان ينبذه من قبل قائلا..

“هذا النظام أقوى من أي رغبات شخصية أو غير شخصية، نظام غير مكتوب، لكنه مسيطر وفعال، من أول لحظة دخلت مكتبي وكل رغباتي مجابة …. حتى لو كانت مخالفة للوائح والقوانين، فالكل يجندون أنفسهم لتبرير أي طلبات أو تقنين أي أفكار تطرأ على بالي قبل أن يقوموا بمهام أعمالهم … بمجرد أقف يقفون جميعاً، أمشي يمشون، أجلس يجلسون، أحببت هذه السلطة، ثم عشقتها، وأخيراً … أدمنتها، شيء لا أستطيع أن أصفه.. وأنت تمارس السطوة يخيل لك أن صفة من صفات الله …قد انتقلت إليك “(23).

على كل حال هذه بسطة مقتضبة عن أهم هواجس الاستفهام الدائرة حول المعوقات البنيوية التي قد تحول دون بلورة عملية وتطبيقية فاعلة لفكرة المجتمع المدني، وهي عموماً بسطة مكملة لما أوردناه في دراسات نشرت في أعداد سابقة عرجنا من خلالها بشكل عام على أهم تمظهرات الخلط المفاهيمى الدائر حول الموضوعة.

الاستخلاصات النظرية:

أولاً: انقسمت التيارات الفكرية العربية في تعاملها مع موضوعة المجتمع المدني إلى ثلاث اتجاهات رئيسية تنوعت ما بين التأييد المتطرف والرفض المنغلق والمطلق واتجاه آخر يحاول التوفيق بين الاتجاهين هو الاتجاه التوفيقي.

ثانياً: لا يوجد في المنطقة العربية بشكل عملي وتطبيقي كيان واحد متجانس ومنسجم يعبر عن نفسه بصوت واحد تجاه الدولة يسمى المجتمع المدني العربي، ولكن ثمة مكونات تقليدية ومعاصرة للمجتمع المدني في المنطقة العربية تحاول وفق إيديولوجيات متباينة تنفيذ برامجها الخاصة.

ثالثاً: بالإضافة لغياب الديمقراطية عن النظم السلطوية العربية وإلى محاولتها ابتلاع مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني بمختلف الطرق والوسائل فإن ثمة أسئلة كثيرة تتمحور حول مدى إمكانية صياغة أطروحة المجتمع المدني واقعياً في ظل أسئلة وطلاسم استفهامية عدة تتمحور حول:

أ‌. الوضع الراهن لما يسمى بالدولة القطرية العربية وما ينجم عنه من أسئلة تتعلق بمحاور (الدولة – السلطة – الديمقراطية).

ب‌. الواقع الثقفوي والاجتماعي للمواطن العربي ومدى خطورة تحوله لعقبة كؤود أمام طموحات الاتجاه التوفيقي الرامي لبلورة عملية ونظرية مثمرة لموضوعة المجتمع المدني في المنطقة العربية وذلك بما يتماشى مع خصوصيتها البيئية.

ت‌. الواقع الاقتصادي وإسقاطات ظاهرة مثل ظاهرة الفساد على البناء الاجتماعي وعلى مسيرة مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية وتحديداً على بنائها الداخلي وأطرها الهيكلية.

رابعاً: على الرغم من وجود عوائق عدة تحول دون بناء مجتمع مدني منظم في المجتمعات العربية فان ذلك لا يقلل من قيمة أطروحة المجتمع المدني وبالأخص دورها الإصلاحي المتمثل في التصدي لتداعيات النظم السلطوية العربية.

خامساً: ما تزال موضوعة المجتمع المدني من وجهة نظر معد هذه الدراسة موضوعة في طي التبلور النظري في الأدبيات الفكرية العربية وبالتالي فان الاستعجال في إطلاق استنتاجات تعميمية غير مدروسة بعناية أمر ينطوي على العديد من السلبيات والمخاطر الابستمولوجية.


الإحالات:

1. د. سعد الدين إبراهيم وآخرون، المجتمع والدولة في الوطن العربي، (الطبعة الثانية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، مايو 1996م) ص 185.

2. د. على عباس مراد، المجتمع المدني والديمقراطية (مقاربة تحليلية في ضوء التجربتين السياسيتين الغربية والعربية)، مجلة دراسات، كلية الاقتصاد، العدد الأول والثاني (بنغازي، 2002 م)، ص 127.

3. د. حسنين توفيق إبراهيم، التطور الديمقراطي في الوطن العربي (قضايا وإشكاليات)، مجلة السياسة الدولية (العدد 142، السنة السادسة والثلاثون، أكتوبر ،2000م)، ص 22.

4. د. محمد جابر الأنصاري، تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية (مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي)، (الطبعة الثانية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1995 م)، ص 186.

5. د. مولود زايد الطيب، العولمة والتماسك المجتمعي في الوطن العربي، (الطبعة الأولى، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، 2005م) ص 63.

6. د. على عباس مراد، المصدر السابق، ص 134.

7. ريم الصالح، الإنسان العربي قبل الأمة العربية، الموقع الالكتروني لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية، العدد الصادر بتاريخ8_4_2005م

8. د. خميس حزام والي، إشكالية الشرعية في الأنظمة السياسية العربية، (الطبعة الأولى، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، فبراير 2003 م) ص 244.

9. د. خميس حزام والي، المصدر السابق.

10. د. كمال المنوفي، الثقافة السياسية وأزمة الديمقراطية في الوطن العربي، بحث نشر ضمن كتاب الثقافة والمثقف في الوطن العربي، (الطبعة الأولى، بيروت، ديسمبر 1992 م)، ص 174.

11. د. خليل النقيب، البيروقراطية والإنماء، (الطبعة الأولى، بيروت، معهد الإنماء العربي، 1976 م)، ص 55 – 56.

12. صلاح الساير، دعوة صريحة لجلد الذات العربية، مجلة العربي (الكويت)، (العدد 529، ديسمبر 2002 م)، ص 54 – 55.

13. صلاح الساير، المصدر السابق، نفس الصفحة.

14. د. محمد عابد الجابري، نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، (الطبعة الثانية بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، 1982 م)، ص 27 – 31.

15. للمزيد انظر د. كمال المنوفي، المصدر السابق، ص 171 – 177.

16. د. احمد شكر الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، (الطبعة الأولى، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2000 م)، ص 222.

17. د. محمد عابد الجابري، عوائق بنيوية أمام التحول الديمقراطي، الموقع الالكتروني للدكتور محمد عابد الجابري.

18. باولو ما ورو، تأثير الفساد على النمو والاستثمار والأنفاق الحكومي، بحث نشر ضمن كتاب ” الفساد والاقتصاد العالمي “، تحرير كجمبري أن اليوت، ترجمة: محمد جمال إمام، (الطبعة الأولى، القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر، 2000 م)، ص 121.

19. معتز سلامة، الآليات الاجتماعية لنشوء الفقر، بحث نشر ضمن كتاب” الفقر في الوطن العربي “، (الطبعة الأولى، القاهرة، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2005 م)، ص 78 – 79.

20. للمزيد حول ظاهرة الفقرقراطية انظر – عز الدين اللواج،”إنهم يرقصون على جثثنا”، موقع شفاف الشرق الأوسط الالكتروني.

21. د. عبد الرازق عيد، يسألونك عن المجتمع المدني، (الطبعة الأولى، بيروت، دار التنوير، 2005 م) ص 57.

22. د. عبد الرازق عيد، المصدر السابق، ص 62.

23. عز الدين الولاج، المصدر السابق.

مقالات ذات علاقة

عروض الخليل بين ناقديه،الجزء الثاني

عادل بشير الصاري

جماليات الاشتغال السردي في القصة القصيرة

عبدالحكيم المالكي

أساسيات التأليف في الآداب

يوسف القويري

اترك تعليق