قصة

أجنحة الرصيف

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

عند مفترق الطرق، والشارع العام مكتظ بالسيارات، كنت في عجالة من أمري؛ لكي أصل لمكتبي بسرعة، تتعالى الأصوات من حولي وتطن عابرة أذني وتهز صفاء ذهني، حاولت تشغيل المذياع والبحث عن أي شيء يهدئ من هذا التوتر، بعد دقائق طرقات على الزجاج واذ به طفل في عمر العاشرة كما بدا لي بملامح كئيبة وعينان يملؤها الحزن قال: هل يمكن أن تساعديني؟

أنا جائع أريد أن أتناول أي شيء، أرجوكِ لم أتحصل على شيء منذ صباح الأمس

كفاكِ الله شر الحاجة لغيره، قلت في داخلي ربما يكذب وينتحل شخصية أطفال الشوارع المأجورين سأغلق الزجاج حتى قال:

ساعديني لا أريد نقود فقط اشتري لي أي شيء لأتناوله، قررت حينها أن أساعده فقلت:

انتظرني في الطريق المعاكس سأبحث عن مكان أركن فيه وألحق بك

بدأت الزحام في السير وتحصلت على مكان ركنت السيارة وذهبت وجدته جالسا على الرصيف المقابل لأحد المطاعم في تلك الجهة كان ينظر لي وكأنه لم يصدق أنني سأساعده

دخلت لتسجيل الطلب وخرجت جلست بجانبه قائلة:

سننتظر عشر دقائق

أنا سمر وأنت؟

نظر لي بنظرة استغراب ثم قال:

لم أتوقع أن تأتي لا أحد يفي بالوعود هذه الأيام

علي أبلغ من العمر عشر سنوات وبضعة أيام لم أحتفل بعيد مولدي

لم أتناول شيئاً منذ صباح الأمس فقد رمى الشرطي عربة الخضار الخاصة بي لأنني قاصر ولا يجب أن أعمل

بحثُ كثيرًا عن أي مكان للعمل لكن الجميع يرفض لأنني صغير ولا يعلمون أن الحياة من أجبرتني على ذلك

كان لدينا منزل رائع وكنا عائلة جميلة أمي رحلت منذ عامان ثم بدأ أبي ببيع أغراض المنزل واحد تلو الآخر حتى باع المنزل فقد كان مدمن على القمار وانتهى به المطاف في السجن، رحلت أختي منذ شهران بسبب جرثومة هكذا قال الأطباء في المشفى العام، لم أرتكب أي خطأ فعلت ما بوسعي حتى أتحصل على لقمة العيش لكنني لم أفلح، أعتذر منكِ يا خالة أخذت من وقتك

هل تحب الكولا؟

سأجلب لك واحده مثلي

نهضت مسرعة من جانبه وانهمرت دموعي، لم أكن أصدق أن طفلا في هذا العمر قد مر بكل تلك الظروف العصيبة، استلمت الطلب وعدت للجلوس بجانبه كان يأكل بنهم وكأنه لم يأكل منذ أيام، فضلت أن أتحدث معه فقلت هل تدرس؟

كنت أدرس عندما كانت أمي على قيد الحياة اشتقت لأصدقائي، كنت أريد أن أصبح طيار، ولكن حين توعكت أختي قررت أن أصبح طبيباً لمساعدة الناس، ستصبح ان شاء الله يا علي هل يمكن أن تقبل مساعدتي؟

شكرا لكِ يا خاله سمر أنا بخير الآن يجب أن أعرف كيف أصل لك حتى أسد هذا الجميل اكتبي لي رقم هاتفك في ورقة سأتحصل على عمل وحينها سأتصل بكِ لسداد القيمة، شردت لبرهة ثم قلت هيا بنا سنذهب لمكان جميل جداً عليك مرافقتي ثم سأتركك تذهب

جلست خلف المقود شاردة الذهن واثرثر كعادتي بيني وبين نفسي ترى كم هناك طفل على تلك الأرصفة!

ترى كم حلم قد انتهى في هذه الشوارع!

كنت أعلم أنني أؤدي رسالة سامية وطريق يجب أن أكمله مهما كان الثمن

ركنت السيارة ثم قلت هيا بنا وصلنا

منزل كبير بلون أخضر وتتدلى على أسواره أشجار

وحديقته تحمل ورودا جميلة كانت أصوات الاطفال تتعالى وأثارت استغرابه

ما هذا المكان يا خالة؟

أنه بيت الاحلام هنا تتحقق كل الأمنيات

أسس هذا البيت منذ عام ونصف يوجد هنا ستة عشر طفل سيكونون أخوة وأصدقاء لك إذا قررت البقاء

هيا دعني أعرفك عليهم

طرقات خفيفة على الباب ثم دخلت صالة كبيرة تحمل ألوانا مبهجة بها ألعابا الكترونية وشاشة تلفاز كبيرة كتلك التي رأيتها في الشارع

منضدة أكل وسيدة كبيرة تتوسط الجلسة نظر الجميع نحونا

ثم قالو بصوت واحد:

أهلا ماما، سمر.

مساءاً سعيد يا أولاد أريد أن أعرفكم “علي” ابن صديقة لي وهذا اليوم هو ضيفكم أريد أن تتعرفوا إليه وترافقونه في جولة سريعة.

بالمناسبة أنا” الجدة رحمة” هيا تقدم لآخذك بين أحضاني ما هذا الجمال!

حفظك الله يا صغيري

كان حائرا، مشتتاً، ينظر للجميع بغرابة عيناه يملؤها الحزن وكأنه يبحث عن شيء.

خرج مع الأطفال وجلست للحديث مع الخالة رحمة

أين وجدته هذه المرة؟

ضحكت ثم قلت كالعادة على الرصيف بين اشارات المرور

لقيط أم لديه عائلة؟

فقد والدته وشقيقته ووالده مسجون

أتعلمين أنه عزيز نفس يريد أن يرد لي الجميل لأنني أطعمته

كيف سأساعده؟

كما نفعل في كل مرة سنحاول اقناعه

أين البقية!!

سند ذهب لإتمام أوراق الدار فقد اتصلت المحامية أخيرا ستكون مسجلة قانونا في نفوذ الدولة

وجمان ذهبت لقضاء بعض الحاجيات للاحتفال بميلاد الصغيرة روان

وماريا خرجت للتنسيق بشأن حملة التبرعات وقالت إنها تريد مطالبة الدولة بالدعم لتكون هذه المشاريع أكبر لمساعدة كل أطفال الشوارع.

ها قد جاء الأطفال سنكمل حديثنا لاحقاً

أهلا بكم

كيف كانت الجولة يا علي؟

رائعة هذا المكان دافئ ملئ بالحب والأصدقاء أيضا شكراً لكم

جاء صوت نزيهة من بعيد وهي تقول

هيا يا أولاد حلوى البودنج جاهزة

كان الجميع يتناول بتلذذ إلا على بشراهة كبيرة قد عصرت قلبي ثم نظر لي بامتنان قائلا:

أشكرك جداً على هذا اليوم الرائع شعرت وكأنني مع عائلتي

أريد أن أعود من حيث أتيت هل ممكن أن يقلني أحد؟

شعرت بالفشل الذريع كيف له أن يرى كل هذا ولا يريد البقاء

صاح الأطفال يجب أن تبقى يا علي لماذا سترحل؟

تقدمت الجدة رحمه واشارت له بإصبعها اقترب همست له في اذنه بضع كلمات ثم قالت سنكون دائما في انتظارك

سيأخذك السائق لأي مكان تريده إلى اللقاء

ذهلت مما فعلت لكنني أعلم أنها دائما تصل إلى الحلول بطريقتها الخاصة

دخلت جمان ويداها محملة بتجهيزات الحفل وبدأت ترينا ما اشترت فستان مثل أميرات ديزني وطوق للشعر وزينة للاحتفال بهجة الأطفال تزداد يوم بعد يوم وهذا ما يريح قلبي ما يجعلني أنام كل ليلة مطمئنة إلا هذه الليلة سيبقى عقلي يفكر بجميل العينين

قاطع سند شرودي بصوته العالي

ميلاد روان سيكون احتفالاً كبيراً وأريد تعويضا عن كل ذاك التعب

ضحكت الجدة رحمه وقالت تستحق يا بني أخبرني على سارت على الأمور على ما يرام

نعم وبشكل ممتاز

تقدمت نحوه قائلة: ومن كسند يكن معين لنا دائما تستحق قالب من الكيك بالشوكولا لوحدك

ضحك الجميع

ثم صعدت لمكتبي فقد حل الظلام ولم أنتهي من أوراق مهمة

كانت ليلة شديدة البرودة أفزعني صوت البرق ضاربا على الأرض تذكرت على وفي أي مكان سيكون الآن

ارتديت معطفي وخرجت أركض عائدة لذات المكان الذي التقينا به بدأت نظراتي تبحث عنه يمينا ويسارا خلف الاشجار على الأرصفة بين الأعمدة بين أزقة المباني وعندما رأيت الجسر قررت النزول رأيت عالما كبيراً مليء بأجنحة الرصيف أحلامنا فقدت، أمنيات تطير، جروح لم تندمل، وعيون يملؤها الخوف، قلوب بارده، وأجنحة مكسورة

جلست باكية والمطر ينهمر بلا توقف لم أستطع أن أتحمل قساوة هذا المشهد أيعقل هذا في هذه الأرض

خارت قواي ولم أستطع الحراك عقلي توقف عن تفكير

كيف سأستطيع مساعدة كل هؤلاء أطفال ومراهقين بلا هوية بلا مستقبل أعداد إضافية على هامش

تقدم نحوي على وهو يرتعد برداً جلس قائلا لا عليكِ كفكفي دمعك من خلقنا لن ينسانا أنه الرحيم الجبار لم أنم ليلة على أمل إلا وتحقق لذلك كوني واثقة أنه أن عوض الله أجمل مما نتخيل

ازددت نحيباً ثم قلت أتعلم أشعر أنني مسؤولة من كل هؤلاء أريد مساعدة الجميع في بلد يتم فيه منع الاطفال من مزاولة العمل بحجة انهم قصر وفي المقابل لم يتم توفير أماكن تأويهم ومقاعد دراسة تؤمن مستقبلهم

قاطعني قائلا يجب أن يكون هناك الكثير منكِ لينعم هؤلاء بكل هذا الاحتواء

ضحكت على كلماته الصغيرة التي لامست قلبي ثم قلت هي دعنا نذهب من هنا

في الغد سنحتفل بعيد ميلاد روان انها أصغر فرد في الدار

أصبح لديك أخوة وهم في انتظارك

هل أرسلتكِ الجدة رحمه؟

لا، لما تسأل فقد كان الجميع نائما عندما خرجت

ضحك حتى أدمعت عيناه ثم نهض فرحاً وقال هيا بنا

في الطريق كان يتمتم ببعض الآيات ثم قال أتعلمين أن الله يعطي اشارات لعباده الصالحين

فقلت: لا، لا أعرف كيف!!!!

تعمدت أن أجيبه ب لا حتى أعرف بما يفكر

يرسل الله لنا أشخاص، علامات، تسهيل أمور، راحة، قلق

عند استخارته وهذا ما حدث معه حين اقنعته الجدة

ان لقائي به لم يكن مصادفة بكل سخرني الله لأكون طوق نجاة له جميعنا يعطينا الله اشارات ويسخر لنا عباده رحيم بنا في كل حين.

مقالات ذات علاقة

ريحانة والشباك

المشرف العام

من حصاد ذلك الزمان – الرجل يموت مرة واحدة

يوسف الشريف

صلاة لأجل الكسيانوس

محمد العريشية

2 تعليقان

محمد ناجي 15 مايو, 2022 at 13:46

قصة إنسانية تحرك العاطفة فينا لتثيير مشاعر الرحمة والمودة والعطف وترسم صورة لشريحة من البشر هم بيننا بكل تأكيد ولكننا في غفلة عنهم . . جزاك الله كل خير عن هذه القصة الجميلة المعبرة والمؤثرة جدا جدا . . تحياتي ومزيدا من الابداع

رد
المشرف العام 15 مايو, 2022 at 17:50

نشكر مرورك الكريم أخي

رد

اترك تعليق