المقالة

أسباب غياب الإنتاج الفكري في الحركة الثقافية الليبية

كنت قد تطرقت، منذ عدة سنوات، إلى مناقشة تساؤل حول أسباب النقص الواضح في النشاط النقدي الأدبي في ليبيا. ولقد حصرت محاججتي في عاملين أساسيين هما:

* غياب الحرية الفكرية.

* عدم تمكن من يمكن أن يتصدوا للعمل النقدي من لغة أجنبية تشكل مصدرا لثقافة العالم المعاصر.

ففي ما يخص الجانب الأول يشكل غياب حرية الفكر وحرية التعبير عن الرأي عاملا خانقا للعملية النقدية. ذلك أن النشاط النقدي هو نشاط فكري بالأساس. وغياب حرية الفكر يشمل أيضا عسر حصول المتجه إلى ممارسة النقد على تغذية ثقافية نتيجة حظر تداول الصحف والمجلات المحتوية على دراسات فكرية ونقدية والكتب المكرسة لهذا الجانب. إضافة إلى أن الناقد إذا ما تناول عملا أدبيا (ليبيا، في هذه الحالة) بالتحليل النقدي يخشى أن يجد نفسه كما لو أنه يكتب تقريرا أمنيا بخصوص الكاتب صاحب العمل المنقود، وبخصوصه هو أيضا، للأجهزة الأمنية. أذكر أننا في جلسة أصدقاء بداية التسعينيات قرأ أحدنا قصيدة. فقال الأستاذ أمين مازن ما مؤداه لو أن المرء كتب دراسة نقدية لهذه القصيدة، يمكن أن يجد نفسه قد تحول، دون قصد منه، إلى واش! الأستاذ أمين نفسه نهاية السبعينيات حدثه أحدهم عن قيام شخص بكتابة دراسة في المسرح “بذل فيها مجهودا”، فرد: تخشى أن يكون قد بذل مجهودا أكثر مما ينبغي!

وفي الجانب الثاني أعتقد أنه لم يعد ممكنا في عالمنا الحالي أن يكتب الإنسان نقدا جيدا دون أن يكون متمكنا من لغة أجنبية، حتى لو كان يكتب عن المتنبي أو أبي العتاهية. ذلك أنه محتاج إلى تغطية نظرية في مفاهيم الشعرية والمجاز والصورة والشكل والمضمون، وما إلى ذلك، وهذه متوفرة في اللغات الأجنبية.

ويمكن ملاحظة أهمية هذا الجانب في حركتنا النقدية من خلال مقارنة كتابات د. خليفة التليسي، الذي يجيد أكثر من لغة أجنبية، بكتابات زملائه.

نقطة جانبية يمكن إيجازها في أن المتصدّين للنقد من وجهة نظر الحداثة لم يتلقوا، في معظمهم، تربية أكاديمية، والذين تلقوا تربية أكاديمية غير مهتمين، في معظمهم، بالحداثة.

تذكرت هذا الطرح بمناسبة إدراج على الفيسبوك تساءل فيه صالح الحاراتي عن سبب عدم وجود مفكرين ليبيين، على حين توجد وفرة في المبدعين.

وكانت محاججتي هناك تقوم على نفس محاججتي هنا، لأن النقد، مثلما أسلفت، هو عمل فكري. لذا يحتاج من يتصدى للممارسة الفكرية إلى التحرك بحرية كاملة (في جوانبها السياسية والدينية والاجتماعية) دونما أي خوف.

إضافة إلى ضرورة التمكن من لغات أجنبية.

على حين أن للنص الأدبي التواءاته وحيله ومخاتلاته التي يمكنها أن تنجو، وإن ليس دائما، من قيود الدين والسياسة والمجتمع.


بوابة الوسط – الأحد 21 مارس 2021

مقالات ذات علاقة

نشوة الدكتوراه

عادل بشير الصاري

هل يغلب الشعر الزمن؟

عبدالرحمن شلقم

المحتوى الليبي على الإنترنت

المشرف العام

اترك تعليق