تقارير

الصحراء عمق ليبيا المجهول

بحيرة (قبرعون) – جنوب ليبيا

من على سطح الساحل إلى أعماق الفيافي خضنا رحلة نظمتها شركة المدى لنقل الركاب يوم الثلاثاء 8 من شهر فبراير 2022م تحت إشراف المنسقة الشابة “رحيق أبوعرقوب” وبالتعاون مع شركة متخندوش للرحلات الصحراوية بواسطة حافلة تقل حوالي 45 مشاركا، قررنا قطع نحو ما يقارب الألف كيلو متر مربع ويزيد أي بمعدل 10 ساعات قضيناها على الطريق الرابط بين طرابلس وبلدة تويوة قاصدين منتجع قمر الصحراء بمنطقة وادي الحياة أو وادي الآجال كما كان يطلق عليها سابقا وهي منطقة تقع غرب مدينة سبها وحسب بعض المصادر سُميت بهذا الاسم نسبة لقطعان الظباء وبقر الوحش التي استوطنت بالمنطقة قبل زمن وفي رواية أخرى استطونت بالمنطقة أيضا قطعان النعام.

برنامج الرحلة تضمن زيارة للبحيرات الصحراوية مثل بحيرة قبرعون وبحيرة أم الماء وبحيرة لغلغ وبحيرة مندرة التي نضب ماؤها بفعل شُح الأمطار والجفاف، بالإضافة لأهرامات مدينة جرمة أو أهرامات الحطيّة،ساعات طويلة وشاقة كان الرهان فيها على المتعة والإكتشاف، وتوقفنا لبعض الوقت أمام بحيرة قبرعون الساحرة التي يحفّها النخيل بحفيف موسيقاه من كل اتجاه فنطوِّق بهاءها بأعيننا ما جعل المرافقون لنا يقترحون أن نتناول وجبة الغداء على ضفافها فأولموا لنا الفتات على الطريقة الجنوبية لنفترش الرمال ويختلط خبز التنور بالمرق مع حبيبات من تلكم الرمال .

الصحراء…الجُرح الباذخ
ليبيا بلد مترامي الأطراف كبير علينا نحن الليبيون هذا ما ظل يراود الذهن طوال ساعات الطريق، على جانبيّ الطريق خطوط وعرة من القفار تبتلع الأمل وتحتضن السراب فترى العديد من أبراج الضغط العالي للكهرباء متهاوية، الصحراء موطن التأمل والأنبياء فخ يصيبك بالدهشة والرعب في آن، وربما ذلك التناقض المعجون هو ما يُشبعك بالبهاء، حظوظ التيه وسط تلكم الفلاة كبيرة وقاسية، أنغام موسيقية يُمكن للآذن أن تسمعها وهي تتسرّب من أفق الخلاء الثريّ الذي تكتشف عبره أن لصرختك مدىً يُدوِّي بعيدا، تجربة المضي قدما في رحم الصحراء تشبه العودة للوطن وتلمّس جدران محبته هذه قصة تتجدد من كل رحلة سفر، لعل كل ما نملكه من هواجس وأفكار حول الصحراء في ليبيا يختزلها شعب الطوارق بلباسهم الأسطوري المدهش للعين وتقاليد ثقافتهم المفرطة في الغرابة والبهاء، تلكم العينان وهما تحافظان على المسافة الفاصلة بين ضوء الشمس ودفء اللثام هي بدء الحكاية حكاية مشاق الدرب الممتع.

أهرامات الحطيّة
أثناء زيارتنا لمتحف مدينة جرمة التاريخي وهو لدواعٍ أمنية مقفل التقينا بالباحث في مراقبة آثار فزان “محمد علي سليمان” الذي أفادنا ببعض المعلومات عن المومياء التي ينحدر تاريخها للفترة الجرمنتية بالقرن الأول الميلادي وقد تم اكتشافها عام 1969م في منطقة بودرنّة إحدى مناطق بنت بيّة من خلال البعثة الألمانية وقد رجّحت المصادر عمرها من سنتين إلى اثنتي عشر سنة، وهذه المومياء عبارة عن طفلة تزيّنها الضفائر والجدائل، وأضاف الباحث بأن طريقة تحنيطها كانت بأشجار التمرسك أو الأثل وهي أشجار تنمو في المناخات الصحراوية إلى جانب محلول الزنك، وحول الروايات المتداولة بخصوص قِدم أهرامات الحطيّة عن نظيرتها أهرامات الجيزة بمصر أوضح الباحث “محمد علي سليمان” أن هذه الرواية لازالت تعوزها المصادر الدقيقة التي تؤكد أو تنفي حقيقتها، كما أضاف أن متحف مدينة جرمة يحتوي على مجموعة من الآواني الفخارية والآباريق والصحون العتيقة والتماثيل البرونزية، وعرّج في المقابل على طرائق الدفن عند الجرمنتيين قديما فكانت قبورهم دائرية الشكل لاعتقادهم في الحياة الآخروية وأن الإنسان ستبعث في جسده الروح لذلك نجد أشكال القبور تحاكي رحم الأم وكأن الموت بمثابة ولادة جديدة للإنسان.

جرمة القديمة
مررنا ببلدات الصحراء كزوية وقرية الفخاخة وإبريك والغريفة نتأمل حكايا الوجوه المخضبة بحنّاء الشمس، ونحن في طريق الوصول لمدينة جرمة القديمة وهي تتضمن أطلال لبيوت شُيّدت بالطين وروث الأبقار وهي حسب ما أفادنا به الباحث تنقسم لأربعة مراحل وحقب مختلفة أولها المرحلة الكلاسيكية الممتدة من القرن الأول وحتى القرن الثالث الميلادي وذلك تزامنا مع تحول جرمة عاصمة لمملكة الجرمنت، وبفعل الأعمال الحفرية للبعثة الإيطالية أكتشف بأن المدينة القديمة تتكون من ثلاثة طبقات، الطبقة الأولى يعود تاريخ تأسيسها للقرن الأول قبل الميلاد وبنيت بالحجارة وبها معابد ومسرح، والطبقة الثانية تمتد من القرن 300 إلى 700 ميلادي والطبقة الثالثة تمتد من القرن 700 إلى القرن الحادي عشر وهي الفترة الإسلامية وأشار إلى أن المدينة القديمة ظلت مأهولة بالسكان حتى حلول القرن التاسع عشر،

ضريح قصر وطوط
ومن ثم وقفنا على ضريح يُسمى بقصر وطوط يتوسط مقبرة جرمنتية قديمة يحاديها جبل (زنكيكرا) وهو عبارة عن نصب تذكاري شيّدته زوجة الملك الإله إجرامة أحد الملوك الجمرنت تخليدا لذكرى زوجها وقصر وطوط بُني إبّان القرن الأول الميلادي وهذا النصب تتخلله نقوش وزخارف رومانية، يُشار إلى أن الحضارات الرومانية والإغريقية تمتاز في هندستها المعمارية بقاعدة العمود وتاج العمود، وجبل (زنكيكيرا) تحتوي جدرانه على نقوش رسمت قبل أكثر من خمسة آلاف عام تماثل تلك الموجود في كهوف تاسيلي بمنطقة أكاكوس.

وجـع العـودة
لعل الساعة التي يدق فيها موعد شد الرحال والعودة لنقطة البدء والانطلاق تُشعر المرء بوجع الفقد للرفاق الجدد للاستيقاظ الجماعي الباكر لخيوط الشمس وهي تشرق متسللة من بين الكثبان الرملية الشاهقة المحيطة بالأرجاء، للضحكات المنبعثة من جيوب الأفئدة، عدنا بعد أن ملأنا دِنان أجسادنا بنبيذ المحبة وتركنا آثار وطئ أقدامنا هناك.

مقالات ذات علاقة

شمس الثقافة الليبية تسطع على «النوافذ المغلقة» في 2017

نهلة العربي

«رويترز»: آثار لبدة في حماية الأهالي

المشرف العام

لبدة بمعرض افتراضي يطلقه معهد العالم العربي في باريس

المشرف العام

اترك تعليق