المقالة

العنب الحضارة

في سياق سعي الإنساني البدائي إلى توفير قوته اليومي، اكتشف أن بعض ثمار النباتات والأشجار صالح للاقتات عليها دون الحاجة إلى أية معالجات أخرى، وأنه لذيذ الطعم وممتع. كانت هذه ما يعرف بالفواكه. لاحقا، مع التطور الذي أخذ يحققه الإنسان، أصبحت الفواكه من مكملات وجبة الطعام، تُتناول في ختامها كتحلية، ولا تشكل وجبة في حد ذاتها. من بين هذه الفواكه تميزت فاكهة معينة لعبت بفضل اكتشاف الإنسان لمزاياها، دورا هاما في تاريخ الحضارة الإنسانية، هي العنب، أو ما يدخل تحت طائفة الكروم أو الكرم، التي تشمل العنب والتين. وفي هذا السياق يقول المؤرخ اليوناني القديم ثيوسيديد (460- 395 ق.م): “بدأت شعوب البحر المتوسط في الارتفاع عن الحالة الهمجية لما تعلمت استزراع الزيتون والعنب”1.

فمن الأعناب اشتق النبيذ الذي يحدث في عقل ونفس متناوله نشوة وانشراحا، أي حالة سكر. ومن بين أنواع المسكرات كافة كان للنبيذ وضع متميز جدا. ليس معروفا تحديدا متى اكتشف، أو ابتكر، النبيذ، إلا أنه انتشر في مناطق مختلفة من العالم وكان وراء بعض الصناعات من مثل صناعة البراميل والقناني، وظهرت بسببه الحانات، أي أنه خلق فرصا للعمل وتمحور حوله نشاط تجاري متعدد الجوانب. كما أن “تجارة النبيذ بين الثقافات المختلفة شقت قنوات [لسريان] الأفكار الفلسفية والدينية”2.

ومن ناحية أخرى ارتبط النبيذ بالقداسة في الديانتين اليهودية ثم المسيحية. ففي اليهودية يستخدم النبيذ والخبز في طقوس السبت حيث يبارك النبيذ والخبز باعتبارهما خيرين من خيرات الأرض أنعم بهما الله. وقد حافظت المسيحية على هذه الرمزية التي منحتها اليهودية للخبز والنبيذ في طقس “التناول المقدس” أو “الإفخارستية” حيث يغمس الخبز في النبيذ ويتم تناوله على أن الخبز جسد المسيح والنبيذ دمه.

النبيذ، بطبيعة الحال، من أصناف الخمر. وفي العربية تعني الخمر، في الأصل، كل ما يَخْمُر العقل، أي يستره. والخمور محرمة في الإسلام، كما هو معروف. وقد “ميز الفقهاء بين الخمر والنبيذ […] والأغلبية على اشتراط مقومين [في الخمر] هما: الغليان أو الفوران والاشتداد. والمقصود بالأخير قوة المشروب التي تجعله شديد الإسكار”3. وقد حدد الخمر “بما يعمل من التمر والعنب”3. وإذن لا علاقة للنبيذ بالعنب في إطار الحضارة الإسلامية.

_________________________________________

1- https://www.wineinmoderation.eu/en/content/History-Tradition-of-Wine.4/
2- https://www.arenaflowers.com/features/history-of-wine
3- هادي العلوي. الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع. دمشق 1988. مادة الخمر.

نشر بموقع بوابة الوسط.

مقالات ذات علاقة

كلمات الحق.. لا تموت

محمد عقيلة العمامي

أين نهرك.. وأشياء أخرى

عطية الأوجلي

عرق الضفدع

محمد عقيلة العمامي

اترك تعليق