طيوب عربية

شطحات القذافي في رواية ”الزعيم يحلق شعره“ لإدريس علي

رواية (الزعيم يحلق شعره) للروائي المصري إدريس علي
رواية (الزعيم يحلق شعره) للروائي المصري إدريس علي

صدرت رواية “الزعيم يحلق شعره” للروائي المصري إدريس علي في العام 2009 مثيرا حالة من الغضب الشديدة لدي النظام الليبي الذي يسعى عبر رجاله بمصر لمنع صدور الرواية -حسب تصنيفها بوقتها- مع تقديم عرض مالي مغر لأحمد الجميلي صاحب دار نشر وعد كي لا يمضى في نشرها إلا أن رفضه قاده للسجن والملاحقة وإقفال دار النشر لفترة ومصادرة الرواية من قبل الأجهزة الأمنية المصرية رغم نفي الجهات المسؤولة حينها حدوث هذا الأمر. وكما واهتمت حينها المواقع الليبية التي تُدار من الخارج بخبر المصادرة ومحتوى الرواية التي اختفت من المكتبات ولم يُعاد نشرها والترويج لها إلا بعد سقوط نظام مبارك بمصر آخر العام 2011.

وتدور أحداثها في منتصف السبعينيات في طرابلس التي تشهد تحولات ككل البلد في أعقاب خطاب القذافي في زوارة في ذكرى المولد النبوي الشريف التي صادفت في ذلك العام تاريخ 15 أبريل 1973 إذ تفاجئ أعضاء مجلس قيادة الانقلاب بخطاب القذافي أمام الجماهير بمدينة زوارة. الذي تجاهل فيه موضوع الاستقالة المتفق عليها بين أعضاء المجلس. و الاتجاه لوضع دستور دائم للبلاد واتخاذ الترتيبات لعودة الحياة الطبيعية. فقد كانت البلد حتى ذلك التاريخ تُتخذ فيها القرارات وتُسن القوانين بموجب الإعلان الدستوري، الذي أُبطل العمل به بعد قيام القذافي بإلقاء ما أصبح يعرف بخطاب زوارة و الذى أعلن فيه ما أطلق عليه” الثورة الشعبية” بنقاطها الخمس، التي على رأسها وأخطرها “إلغاء القوانين” السائدة في البلاد يومذاك. ومنذ ذلك الخطاب توقف القذافي عن الإشارة للدستور الدائم ومجلس الشعب والانتخابات. بل وحتي الحديث عنها. حيث حل محلها شعارات ومصطلحات ومفاهيم جديدة مثل ”الثورة الشعبية” والسلطة الشعبية” والثورة الثقافية” وغيرها. وترتب على استخدام “ الشرعية الثورية “ كغطاء ومبرر للتدخل في كافة شؤون الحياة الليبية وعلى الصعيدان الداخلي والخارجي نتائج وخيمة.

في ظل هذه الظروف كان مقدم (إدريس علي) الكاتب المصري ذا الأصول النوبية للعمل في طرابلس هربا من ظروفه المادية الصعبة إذ ضاقت عليه الحياة في القاهرة وتحت إلحاح زوجته بضرورة إيجاد حل لأزمتهم الاقتصادية الخانقة فالكتابة لا توفر لقمة العيش لهذا قرر أن يجرب السفر والعمل في بلد عربي فاختار ليبيا في تلك الفترة لتوفر سوق عمل كبير للعمالة المصرية بعدما قام القذافي بفتح الحدود وأعلن عن استقبال المصريين بالبطاقة فقط ودون تأشيرة. سافر إدريس محملا بعشرات التوصيات من كتاب وصحفيين مصريين لزملائهم في ليبيا(مصريين وليبيين). في ليبيا نصحه صديقه الكاتب محسن الخياط ألا يعمل في الإعلام الليبي كي لا يتورط مع النظام الليبي وتصبح العودة لمصر صعبة. فاختار أن يكون عامل بناء قبل أن يحصل على وظيفة صغيرة كعامل شباك تذاكر في إحدى صالات السينما.

يصف إدريس المناخ العام بطرابلس وقت وصوله في توقيت سيئ في مارس 1976 “لم أشهد في حياتي حشودا بهذه الكثافة مظاهرات في كل مكان..صراخ. ووعيد وكلها في الغالب موجهة ضد مصر” إذ بدأت حملات القدح والسب والتشهير بين اعلام البلدين بعد قيام السادات بزيارته الشهيرة إلى اسرائيل التي سرعان ما أشعلت بين الجارتين حربا قصيرة محدودة تركت بأثارها السيئة على العلاقات بين البلدين.

كما يرصد إدريس في عمله هذا الآثار الكارثية لمقولة “شركاء لا أجراء” على مناخ العمل داخل السينما التي أصبحت ملكا للعاملين بها بدل من مالكها بشير الغرياني وهو من المستثمرين في قطاع السينما في ليبيا منذ الاربعينات الذى تحول من مالك لعضو باللجنة الشعبية التي تدير المؤسسة والمكونة من خمسة أفراد هم موظفين وعمال سابقين لدي الغرياني الذى يتلاعب بالمستندات المالية في سبيل الحصول على حقوقه المادية كمالك سابق أصبح يعيش مناكفات يومية بينه وبين عبدالله عامل النظافة الذي أصبح عضو مجلس إدارة مثله وفقا للعدالة الاجتماعية على طريقة الكتاب الأخضر. كما يتناول الكاتب الألاعيب التي شهدها داخل أروقة المؤسسة التي عمله بها في الفترة ما بين 1976-1980 وتأثير القرارات العشوائية للقذافي على حقوق وحريات الليبيين وغير الليبيين من مستثمرين عرب أو أجانب فيشير لما جري لرجل الاعمال الفلسطيني خليل الجاعوني مالك لسلسلة دور عرض في طرابلس وبنغازي الذى خسر استثماراته في ظل تطبيق ما احتواه الفصل الثاني من الكتاب الأخضر من افكار في الشأن الاقتصادي تمت بموجبه انتهاك حقوق الملكية الخاصة للتجار ورجال الاعمال وكبار الصناعيين وأصحاب المشاريع الخدمية. لتظهر مع نهاية السبعينيات بوادر الفشل والتأزم الداخلي من عجز عن خلق تنمية حقيقية وإهدار الأموال الطائلة على مشاريع اقتصادية غير ناجحة. إضافة إلى قصور خدمات الدولة والتضييق على المواطنين في عيشهم ورزقهم مما يدفعهم للالتفاف على النظام بشتي الطرق ومختلف الأساليب.

ورواية ”الزعيم يحلق شعره” يستقي عنوانه من إشارة القذافي في أحد خطاباته لعدم ضرورة مهنة الحلاق في المجتمع الجماهيري مقترحا على الشعب الليبي أن يحلق كل فرد لنفسه. ولتقوم اللجان الثورية مباشرة بعد انتهاء الخطاب بتنفيذ ما كان يعُرف “بتوجيهات الأخ قائد الثورة” بسحب تراخيص محالَ الحلاقة وخصوصا في الشوارع الرئيسية مع استمرارها في الأحياء الشعبية بشكل سري مع عدم منح تراخيص الإقامة الحلاقين الجدد وترحيل من تنتهي إقامتهم.

ويرصد لنا إدريس عبر صفحات الكتاب تحول المسؤولون الثوريون إلى مراكز قوي، واستشراء الفساد والنهب المنظم، والتلاعب بالميزانيات الضخمة التي تتسرب لجيوب القلة من رجال العهد الجديد. وكيف تصبح الوشاية والاعتقال لأتفه الأسباب هي القانون الذى تنتظم فيه حياة الليبيين على عهد القذافي وكيف كان لعناصر اللجان الثورية إدوار مهمة ورئيسية في تنفيذ هذه القرارات العشوائية التي يصدرها القذافي وتسمح بوضع اليد على أملاك وعقارات ومبان للمواطنين.

كما يتناول إدريس أوضاع العمالة العربية ومعاناتهم في ليبيا خلال تلك الفترة من عقد السبعينيات واستعدادهم للتنازل عن كرامتهم وممارستهم للخداع والغش في سبيل إنقاذ أنفسهم من أوضاع اقتصادية سيئة في بلدانهم مع تعرضهم للعنصرية والاستعلاء من الليبيين خاصة في فترة إعلان السادات الحرب على ليبيا، و ما تعرض له المصريون من انتهاكات وإهانات في تلك الفترة.وحكاية البطمة التي تمني الليبيين أن يستخدمها العقيد من أجل الانتصار على السادات. فيذكر إدريس أن حكاية البطة خلفيتها أكذوبة كبيرة عاشها الليبيين بعد آخر استعراض للجيش في احتفالات الفاتح عندما مرت أمام المنصة منصات إطلاق صواريخ أرض أرض وصفها المذيع بأنها الصواريخ العابرة للقارات وتستطيع الوصول إلى أي مكان في العالم بينما الحقيقة أن مداها لا يزيد عن مائة وخمسين كليو فلو أطلقت من طبرق ستسقط في السلوم، وليعرف الليبيين بنهاية حربهم القصيرة مع جيرانهم أن العقيد كذب عليهم.

و”الزعيم يحلق شعره” لا يمكن تصنيفه كعمل روائي فقط، بل هو أقرب لرواية سيرية فالراوي هنا يقوم برواية أحداث حياته التي يتطابق فيها السارد مع الشخصية من خلال استخدامه لضمير المتكلم في النص. واستعمال الاسم في الشخصية المحكية نفسه والذى هو نفس اسم المؤلف على الغلاف. و أن أضفي الصبغة الأدبية على الوقائع والأحداث اليومية التي عاشها خلال السنوات الأربع في ليبيا مستعملا لغة سهلة مباشرة مازجا بين الفصحي والعامية المصرية والليبية مضمنة كل الشتائم والكلمات البذيئة في النص كي يضع قارئه في الجو النفسي العام الذى عاشه المؤلف مع غيره من عمال مغتربين.


الكاتب إدريس علي ولد عام 1940 في النوبة بجنوب مصر ورحل في نوفمبر 2010، ومن أهم رواياته دنقلة والنوبي، وانفجار جمجمة، ومشاهد من الجحيم.

مقالات ذات علاقة

مفاتيح الرواية الاحترافية

المشرف العام

مراجعة رواية رماد

المشرف العام

عصفورة المدى بلون الشمع

آكد الجبوري (العراق)

اترك تعليق