قراءات

على هامش كتاب عملية إدريس لريتشارد سينغ (ج 1)

هشام الشلوي

كتاب (عملية إدريس) عن دار الفرجاني
كتاب (عملية إدريس) عن دار الفرجاني

مقدمة

لا يخلو كتاب عملية إدريس من إشارات سياسية مهمة، وهي إشارات ذكية ونفيسة من رجل عاصر وأشرف على صناعة جزء تاريخ ليبيا السياسي.

نفقد أحيانا تلك الإشارات المهمة خاصة في فترات إقامة بيتر سينغ في بنغازي والمرج؛ إذ أنها فترة بداية تأسيس الإدارة العسكرية البريطانية في برقة، حيث تغلب عليها حالة التنظيم سواء داخل الإدارة البريطانية أو إدارة الموارد الأساسية التي يحتاجها السكان المحليون المنهكون من حرب حُرثت فيها برقة جيئة وذهابا بين قوات المحور والحلفاء، خاصة مدينتي بنغازي وطبرق الأكثر دمار وتعرضا للقصف الجوي والبري المدفعي والصاروخي.

ملاحظات بيتر سينغ الحصيفة تبدأ بعد نقله إلى مدينة البيضاء شرقي ليبيا، وذلك للإشراف والتجهيز والإعداد اللوجستي وتهيئة السكان المحليين لاستقبال الأمير إدريس السنوسي بعد عودته من منفاه الاختياري في مصر الذي بدأ فيه عام 1922 إثر صعود الحزب الفاشي في إيطاليا بقيادة موسوليني، ليعود بعدها الأمير في يوليو عام 1944، بترتيب من الإدارة العسكرية البريطانية. في هذه المرحلة نبدأ في قراءة ملاحظات سياسية ذات أهمية قصوى دوَّنها بيتر سينغ في مذكراته.

كما لا ننسى أن لمحرر تلك المذكرات ريتشارد سينغ، وهو ابن بيتر كاتب تلك المذكرات، دور رئيسي في تحليل وتفسير بعض المعطيات السياسية، ليس بسبب من قراءة مذكرات والده فقط، بل لأنه بذل مجهودا موازيا من خلال الاطلاع على الأرشيف البريطاني الخاص بتلك الفترة التاريخية، والرجوع إلى مصادر مكتوبة سواء لسياسيين إنجليز كان لهم دور حاسم في ليبيا، أو كُتَّاب كانوا على مسافة قريبة من تلك الأحداث.

أهمية برقة الاستراتيجية

أولى الملاحظات اللافتة للانتباه كتبها ريتشارد سينغ محرر المذكرات، والتي يرى فيها أن أهمية برقة الاستراتيجية جاءت في الحرب العالمية الثانية، رغم إهمالها لعدة قرون، وأتت تلك الأهمية بسبب قربها من مصر وقناة السويس، كما أن الوجود الاستعماري الإيطالي أحال هذه المنطقة إلى بؤرة رئيسية في النزاع بين قوات المحور وقوات الحلفاء، ومع نهاية الحرب استمرت أهميتها الاستراتيجية والنظر إلى مكانتها بعين الاعتبار.

وهذا التعليق يحلينا إلى أن أهمية برقة الاستراتيجية مرتبط إما بصراعات دولية وإقليمية كبرى، أو وجود قوات أجنبية على الأرض، وما تمركز قوات فاغنر الروسية على تخوم المناطق الفاصلة بين إقليمي برقة وطرابلس إلا دليل على تلك الأهمية وارتباطها بملفات ساخنة في بؤر عدة من العالم.

ثنائية الدعوة والدولة

ثاني الإشارات الجديرة بالفحص والتدقيق، لا لأنها مكتشفة حديثا في سياقنا الليبي، بل لأنه غالبا ما يُسكت عنها في الكتابات التاريخية الحديثة، تلك الكتابات التي يهمين عليها اللون الأبيض.

يقول بيتر سينغ في الصفحة الثانية والستين بعد المئة: ومع ذلك، كان النظام السنوسي فريدا حيث أنه ظهر إلى الوجود في منطقة لم يكن فيها سوى القليل من السيطرة السياسية الفعّالة في ذلك الوقت مما جعلها تبدو وكأنها دولة. انتهى.

وهذه تصريح بأن النظام السنوسي؛ الديني والدعوي والتنظيمي، الذي صُنع على عين مؤسسه محمد بن علي السنوسي، كان من البداية نظام سياسي يسعى إلى بناء دولة، بمعنى أن ترتيب الانتقال من الحركة إلى الدولة لم يكن غائبا عن فكر ووعي السنوسي الكبير، وهذا ليس ببعيد أو مستغرب من رجل يعي جيدا تاريخ أجداده المؤسسين لدولة الأدارسة في المغرب الأقصى. وتلك عائلة لها نسب شريف اعتادت أن تكون إما ضحية للسلطة أو صاحبة سلطة.

فالمؤسس الأول اختار برقة بعناية فائقة لضعف نفوذ وتأثير العثمانيين الذين كانوا منهكين في ملفات تهدد كيانهم السياسي، وبالتأكيد ليبيا عامة وبرقة خاصة لن تكون على رأس أولويات السلاطين العثمانيين، حتى عندما تنبه العثمانيون إلى ما يمكن أن تشكله حركة السنوسي الكبير عليهم من خطر، فطن السنوسي الكبير إلى ذلك مبكرا وفر بدعوته ورجاله إلى منطقة جغبوب، جنوبي مدينة طبرق على بعد ثلاثمئة كيلو متر تقريبا، مما يجعل عملية الملاحقة مكلفة وغير ذات جدوى.

فإضافة إلى براعة السنوسي في علوم الفقه والسلوك وتنظيم طرق التجارة وضبط بوصلة القبائل البدوية، وجعلها طيعة بين يدي حركته، إضافة إلى ذلك كان يتمتع بعقلية سياسية فذة، ترى عواقب الأمور وأواخرها لا بداياتها وأوائلها فقط، وتلك حكمة بالغة من الرجل، ورثها عن آبائه المؤسسين لدولة الأدارسة.

ولا يظنن أحد أن ذلك قادح في السنوسي الكبير، أو خارم لمرؤته، بل على عكس ذلك تماما، فحماية دعوته والناس التي التفت حولها لا يمكن أن يكون ناجعا إلا بسلطة سياسية حاكمة تطبق القوانين وتردع الخارجين. فلا حرمة شرعية أو ضير دنيوي أن يسعى صاحب الدعوة الدينية إلى تأسيس سلطة سياسية، فلا عقل أو منطق أو شرع يحرم ذلك.

اختبار شعبية إدريس

ينقل بيتر سينغ فقرات مهمة من تقرير كتبه الجنرال، دنكان كومينغ، حاكم برقة العسكري في الفترة من سنة 1942 وحتى عام 1945، هذه الفقرات القصيرة تعطي انطباعا بأن زيارة الأمير محمد إدريس السنوسي الأولى لبرقة بعد غيابه عنها قرابة عشرين عاما، كانت اختبارا إنجليزيا لشعبية الأمير، وقياسا لردود أفعال القبائل البدوية وشبه البدوية والحضر سكان المدن. ومن الفقرات التي تؤكد تلك الفكرة السابقة، قول دنكان كومينغ في تقريره الذي كتبه في أغسطس عام 1944 “أظهر الناس حماسا غير مشروط أينما ذهب السيد” وأنه ” إذا كان هناك أي شك حول شعبية السيد فيجب إزالته بشكل قاطع” كما أنه “لن يكون هناك استياء فحسب، بل أيضا مقاومة مسلحة في برقة إذا لم يتم منح السيد – على الأقل – القيادة الشكلية للبلاد بعد الحرب”

ولم يفت بيتر سينغ أن ينقل لنا في الوقت ذاته ارتياب الحاكم العسكري لبرقة في قدرة الملك إدريس، إلى درجة عدم الإعجاب بشخصيته، حتى أنه وصف أحد خطابات الأمير إدريس بأنه “من غير المرجح أن يثير حماس مستمعيه” وإنه “رجل استعراض زاهد”

مواقف متباينة من الأمير إدريس

يكشف بيتر سينغ من خلال تحرير مذكرات والده، أن مسألة إجماع برقة على إدريس السنوسي بالكامل، ليست دقيقة كما يحاول البعض تصوير ذلك، وذلك تعليقا على زيارة الأمير إدريس لبرقة عام 1944، حيث يقول: إن تقاريرا أشارت إلى أن ردود الفعل العامة على زيارة إدريس تباينت بين مختلف القبائل والبلدات التي زارها، وفيما اعتبرته القبائل رمزا للإيمان والتقوى والنواميس والأعراف السياسية المتوارثة، كان يُنظر إليه في المدن على أنه زعيم ديني غير سياسي.

وينقل ريتشارد سينغ عن الحاكم العسكري البريطاني في برقة دنكان كومينغ قوله: إن عرب الريف يتصرفون بالطريقة التقليدية؛ حيث أن انشغالهم الأساسي كان لمس شخص السيد، فيما كان البعض يود أن يولي السيد مزيدا من الاهتمام لقسم من السكان الذين يستحقون الفضل في مقاومتهم الإيطاليين. وأن كومينغ في الوقت نفسه كان رافضا “لهؤلاء الأفراد من سكان الحضر الذين حاولوا تعويض تعاونهم مع الإيطاليين من خلال إظهار نفس مظهر الهستيريا كما اعتادوا إظهارها للدوتشي وممثليه.

مقالة مزعجة للمستشرق الإنجليزي هاملتون جيب

يدعي بيتر سينغ أنه في هذه المرحلة من الحرب العالمية الثانية، لم يكن العالم الخارجي منتبها لما يحدث من ترتيبات في برقة، وأن الدعاية التي تابعت زيارة الأمير إدريس عام 1944، خضعت لرقابة وصفها بالدقيقة، إلا من خلل واحد في تلك الدعاية.

ذلك أن المستشرق الإنجليزي ذائع الصيت هاميلتون جيب كتب مقالا بعنوان “بريطانيا تعيد حاكما عربيا إلى بلاده” في صحيفة (بيكتشر بوست) الأسبوعية التي تصدر في لندن، في عددها الصادر في السابع من أكتوبر عام 1944، وكان عنوانه صادما للإدارة الإنجليزية في القاهرة ولوزارة الخارجية في لندن وللإدارة العسكرية في برقة.

غضب الكولونيل، نورمان أندرسون – عينه البريطانيون مسؤولا سياسيا لشؤون إدريس السنوسي عام 1940 – من عنوان مقال هاميلتون جيب، لأنه وبضربة واحدة، كشف خطة اللعبة البريطانية بأكملها لبرقة. وفي ربطه للأحداث، بعضها ببعض، يشير بيتر سينغ إلى أنه قبل زيارة الأمير إدريس السنوسي بشهور إلى برقة، زارها المسترق هاميلتون جيب، واطلع بشكل جيد على الوضع الحقيقي.

في إحدى فقرات مقال هاميلتون جيب يصف الأمير إدريس بأنه “رجل هزيل وخجول، يبلغ من العمر ثلاثة وخمسين عاما، رشيقا ومهذبا مع نظراته واهتماماته، ونبرة حزن رقيقة في صوته” وتظهر مذكرات بيتر نفور الأمير إدريس من الاحتفالات الصاخبة وإظهار الحماس.

وعندما اشتكى الأمير إدريس من المرض والبرد، وأبدى رغبته في العودة إلى القاهرة في 19 أغسطس عام 1944، مما يهدد برنامج الزيارة المجدول، في هذه المرحلة تدخل بيتر سينغ وأقنع الأمير إدريس بالبقاء، وأعاره لفاع الصوف وملابس داخلية دافئة.

مقالات ذات علاقة

قراءة لنص (لقاء أخير لوداع حزين) للشاعر الليبي أنيس فوزي

سالم أبوظهير

تغريدة الشعر العربي

المشرف العام

عن كتاب المُحاضِرة جازيَّة شعيتير (شجون قانونيَّة)

المشرف العام

اترك تعليق