تقارير

الظاهرة الرضوانية (الصعلوك المتصوّف)

الطيوب : تقرير / مهنّد سليمان

الأديب والفنان الراحل ” رضوان أبو شويشة”

منذ شروق الشمس واتساع مداها على الأفق يرسم رضوان أبو شويشة خطوات حذائه بهمّة بندول ساعة، يحيك أزقة المدينة الضيقة ويُفصّل من الشوارع لوحته المفتوحة، وقصته التي لا تنتهي…يلتقي بقطط الزوايا فيُربّت على شرودها الطويل ويسأل ظله، وأنا من ينفض عني تعب الشرود ؟، وبوجه باشٍّ يُسند ظهر المدينة الجحود ليبق فيها بصيصٌ يُعوّل عليه .
رضوان ظاهرة حققت نجوميتها بنجاة الألوان من احتمالية الغرق في يمّ السكون، والعدم ولتُستدرج اللغة لاحقُا لأبجدية قصته حتى ليخال للمتتبع أن لكلمات رضوان مذاق اللون وللونه مغامرة السفر!
رضوان حارس أضاع مفتاحه كي يسلك صراط البحث والمعرفة عليه، جرّفتنا موجة حبه إلى غرناطة ومشينا ملتاعين في جنازة آخر خلفاء الأندلس، محال أن نجد هذا الرضوان تعبًا رغم التعب، فلا نلبث أن نجده إلا مصابًا بالخطو والترحال إنه يتكئ على تجربة إبداعية وإنسانية زاخرة يُعبئها النادل في زجاجات النبيذ الفاخر، نقول ما نقول همسًا، ولكنّ الحانة مغلقة يا رضوان فأين هو النادل ؟ إننا نتعرّض لعدواه متى ما أشرق في وجهنا، بيد أنه كما كتّاب وأدباء بلادنا عاش مظلومًا لاذ بالأمكنة الرطبة يكتشف ببصره متحسرًا كم يكون المبدع على هذي الأرض تعيسًا، ويلمس ببصيرته أن الأفضل لم نعشه بعد.

مع أصدقائه وخلانه سنخوض درب الذكريات، وسنفتش عن أسباب هذه الظاهرة المضيئة التي لم تسترعي انتباه الكثيرين حتى اليوم رغم ضوئها الساطع ووضوئها بزُلال السماء، ولعل من غرائب القدر أن إعداد هذا التقرير كان قبل رحيله بأشهر، ولأسباب معينة تعذّر نشره وقتئذ لعدم اكتماله، لكنّ للقدر تصاريفه الخاصة ليشاء أن ينشر لأول مرة في ذكرى وفاته الأولى، وعبر السطور التالية سنقرأ انطباعات أو بالأحرى شاهدات ترصد تجربة الأديب الراحل في الأدب والصحافة والفن التشكيلي، والحياة .

بشير زعبية كاتب صحفي ورئيس تحرير صحيفة الوسط الإخبارية

رضوان أبو شويشة هو فاكهة المواسم الأربعة في مذاق الثقافة الليبية

كأنما حارس الجمال يطل من خلف الباب متفقدا غفوة العاشقين، تعود في مهمته الروحية هذه أن يمشي على أطراف أصابعه كراقص باليه على مسرح البولشوى أو كمن يحاول أن يمشي على الماء، خوفا من أن يستيقظ العاشقون، سينسحب بقلب مطمئن مثلما أطل ، وكأنه ينفذ وصية آلهة الحب في زمن مضى ، هامسا في هواء المكان:
ناموا أيها العشاق، فأنا قريب منكم .
رضوان أبوشويشة:
هو فاكهة المواسم الأربعة في مذاق الثقافة الليبية، وهو من سلالة مبدعين ما جاؤوا إلا لنسج البهاء، وصناعة البهجة، كتب الشعر والقصة والنص المسرحي والمقالة الصحفية، و«هرب من الرواية» كما رآه الكاتب منصور أبو شناف…
وكان كتب نصا روائيا أول سبعينيات القرن الماضي ثم حجبه، وقراءة رضوان هي أسهل الطرق لمعرفة معنى الرشاقة إذ يوصف بها النص، وحين تكون في خلوة وأنت أمام إحدى لوحاته، سيخال إليك للحظة أن خطوط التجريد تتحرك فتميل حينا، وتستقيم، ثم تتدور، فلن يعود التجريد تجريدا، وها أنت ترى سردا قصصيا مشحونا بالشعر على مساحة اللوحة، يستحضر إلى ذهنك شخصية رضوان، القاص الفنان الباحث، الذي كتب عليه «إغراق المفتاح الأندلسي بعد خمسمائة عام وعامين عجاف» كما يقول في قصة «موجة حب إلى غرناطة»، الشخصية التي قد تكتشف وهي في منتصف طريق ما، أنه ليس بالضرورة، أن يكون المرء أسير خطاه، وعليه أن يخدعها ويربكها، كما قال لي مرة، ونحن نحاذي كورنيش طرابلس، إنه سيعكس خط سيره، فكل الطرق أمامه معدّة لخطوه…
هكذا هو، فحين يتّرى لك أنه ينشدّ نحو الشمال، في رحلة البحث عن مفتاح غرناطة، لن تفاجأ بأن تراه منغمسا في البحث عن مفتاح آخر كأنما فقده جنوب الصحراء، وها هو يخوض في مسالك الرمال والحجارة، يجوب كهوفها وتحط به الرحلة لحين أمام لوحات أكاكوس وهيبة جبل أدرار…
إنه لا يرى جمادا مثلنا في وقفته تلك، حيث يتحول المشهد، كما يصوره في أحد نصوصه «كنت أكافأ بالفيروز الأخضر القدسي من محاجر (إنغي زوما)، شمال تيبستــي.. وفوق ذلك كنت أكافأ بذلك يجرينه لي بأيديهن بزيت المسك.. وجرة من عســل جرما.. وكانت امرأتي رسامة من (التحنو) متقدة القلب.. بعينين زرقاوين، وشعر فاتح.. كاملة الجمال والجنون والفنون من صميم القلب.. رسمتني على قمة جبل أدرار، في أكاكوس».
رضوان أبوشويشة، هو من رواد الصحفيين الليبيين الذين انشغلوا بالكتابة عن تاريخ النقوش المنحوتة عل الصخور وجدران الكهوف المتناثرة في الصحراء الليبية، وهو الذي كان مغرما بـ«تطريق الحجر في مقلع الحجارة القديم الغائر في جبل سيدي رمضان (راقد الراقوبة) في الكدوة»، وهو أيضا من أبرز كتابنا الذي حملوا همّ تاريخ طرابلس، المدينة التي لا تعرف إن كانت هي التي تحتضن رضوان، أو هو من يحتضنها، كتب عنها وعن أبوابها وباب بحرها الأقرب إليه، الذي يفضي إلى قلب المدينة القديمة، حيث مرسمه الذي تتراقص في فضائه الخطوط، وتتناغم الألوان وتتشكل الزوايا، هناك بيت رضوان فلا بيت يملكه، وهناك لا تعرف إن كان يرسم لوحة لطرابلسه، أم هو نفسه ومرسمه وريشته تفصيلا في لوحة إسمها طرابلس، إنه حارسها أيضا، هكذا تراه وهو يجوب شوارع وأزقة المدينة، قبل أن يتركها وراءه ويخطو صوب بحرها، يتفحص كورنيشها، ويرنوا إلى الأفق، وكأنه يتذكر مفتاح غرناطة الذي أغرقه في هذا البحر يوما ما.. ستقول لنفسك وأنت تراه يجلس هكذا أحيانا مفترشا الأرض، لو تمكّن من الناي الذي أحب تعلم العزف عليه في صباه، لكنت سمعته يعزف مقطوعة طرابلس أو غرناطة، أو الإثنتين متناغمتين.
رضوان ابن الكدوة (العزيزية) عاشق طرابلس وحارس جمالها، هو حارس الحب أيضا، كتبت عنه مرّة وأنا أتأمل الصورة -المرفقة بالإدراج- كأنما حارس الجمال يطل من خلف الباب متفقدا غفوة العاشقين، تعود في مهمته الروحية هذه أن يمشي على أطراف أصابعه كراقص باليه على مسرح البولشوى أو كمن يحاول أن يمشي على الماء، خوفا من أن يستيقظ العاشقون، سينسحب بقلب مطمئن مثلما أطل، وكأنه ينفذ وصية آلهة الحب في زمن مضى، هامسا في هواء المكان: « ناموا أيها العشاق، فأنا قريب منكم».
ورضوان في الواقع قريب من الجميع، محب لأصدقائه، كما يحبونه، ويتعاملون معه كأيقونة من أيقونات الثقافة والفن في ليبيا، إلى ذلك فإن رضوان دخل مبكرا بلاط صاحبة الجلالة، وكانت بداية معرفتي به كصحفي في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، حين كان مراسلا لوكالة الأنباء الليبية في إيرلندا، وكنت وقتها باشرت العمل بالوكالة، ثم تابعته باهتمام عبر نصوصه في جريدة الأسبوع الثقافي، قبل أن نلتقي وتتأسس بيننا الصداقة، وكلما عدت إلى طرابلس وتجولت كعادتي في شوارعها يلازمني إحساس بأن رضوان سيظهر فجأة من هذا الشارع، أو ذاك الزقاق، أو وهو يعبر الطريق باتجاه تلك المقهى، أو هو هناك من منذ قليل، ولن يطول الإحساس لألتقيه، وإلا كيف أقنع نفسي بأنني في طرابلس الآن.. طرابلس التي أيضا لا تعرف إن كان هو الذي ذاب فيها، أم هي التي تذوب فيه، ولم تذيبه من قبل بلدان الشمال ومدنها التي جالها في شبابه، من ألمانيا إلى إسبانيا.، مرورا بالدنمارك وأيرلندا وبريطانيا.. يا لهذا الـ«رضوان»!

ليلى النيهوم شاعرة وكاتبة

رضوان تأبط أندلسيته وقارعة العزيزية في رابعة النهار

رضوان أبوشويشة اللغة الخاصة والتكثيف و القصة الـ unique
و تأثير تجربته الإيرلندية. عاش قرب رسامين من هناك و شعراء أيضاً وسط زخم ابداعي . زخم إنضاف لشعريته في عمق سردياته و من ثم كان على التشكيل أن يكون لغة أخرى يتقنها و يتقدمها متأبطاً أندلُسياته و قارعة العزيزية في رابعة نهار الوطن. هو اديب وتشكيلي فذ من كل بد. جميل هذا الإلتفات إليه.

علي العباني فنان تشكيلي

رضوان أبو شويشة أثرى تجربته الجمالية التي شهد بها الجميع من خلال مشاركاته

عرفت رضوان منذ الستينات مثقفا كبيرا يمتلك حساسية صوفية اتجاه الجمال سواء كونه أديبا متحسسا لقيمة الأدب أو من خلال ثقافته التشكيلية والتي كان العديد من كتابنا يفتقدونها ولم تكن إقامته خارج ليبيا فقط من أضافت لذائقته الأدبية ذائقة تشكيلية ولكن انشغاله الدائم قراءة وبحثا وتأملا ومتابعة لكل أنماط الفن هذا ما وسع مداركه مبكرا ونمى كل هذه الإهتمامات التي ميزت نصه الأدبي فيما بعد بحس جمالي مختلف
وهذا أيضا ماجعله منذ بداية التسعينات يحيي ذائقته القديمة الكامنة ويبدأ في إنجاز أعمال فنية منذ البداية اتسمت بروح الأدب فيه وتحديدا بملكة التجريد حتى أنه وفي سنوات قليلة أنجز العديد من الأعمال الفنية الجميلة وخاصة تلك التي منحها عناوين أدبية ضمنت حسه الأدبي حتى أنه شارك في العديد من المعارض بأعمال حداثوية أضافت للمشهد التشكيلي روحا مجردة جديدة .
مرسم رضوان بكنيسة السيدة مريم بالمدينة القديمة حظى بمنجز كبير كما وكيفا ما أثرى تجربته الجمالية التي شهد بها الجميع من خلال مشاركاته ومن خلال المعرض
الذي أقيم بدار الفنون منذ سنوات .

ناصر سالم المقرحي :كاتب وناقد تشكيلي

في قصة (رملة الزقرار)يقترب النص من الشعر

قراءة في نص ” رملة الزقرار “
نص قديم جديد يقترحه علينا الكاتب الليبي رضوان ابوشويشة تحت تجنيس القصة القصيرة , مع أنهُ يبخسه حقه حين يجنسه لأن النص في تصوري أكبر وأوسع من أن نحصره في نطاق ضيق بينما هو في حقيقته نص مفتوح يأخذ من القص شيئاً ومن المسرح شيئاً ومن التشكيل شيئاً ومن الموسيقى شيئا ومن السيرة بطرف , فمثلما احتوى على عناصر القص الأساسية وهي الحدث الطفيف والوصف والشخصيات , أحتوى على لمحة مسرحية تمثلت في ذلك الحضور والغياب والظهور والأختفاء وتناوب حضور الأمكنة فالنص هنا بمثابة ركح مسرحي تتعاقب على الظهور فوقه الشخصيات والأزمان والأمكنة , من رملة الزقرار إلى ميدان الغزالة ومن الزمن الحاضر إلى الزمن الماضي وهكذا . .
وكل هذا التنوع والزخم والتكثيف في النص يحيلنا إلى التشكيل والمعاجين اللونية الكثيفة والأسطح البيضاء في انتظار لمسة الفنان , ولا ننسى أن الكاتب يمارس التشكيل أيضا إضافة إلى الكتابة , كما أن لفظة ” رملة الزقرار ” بها ما بها من التناغم والموسيقى والوقع الآسر لأُذن السامع على أن يتم نطق حرف القاف كما يُنطق حرف الجيم في اللهجة المصرية , ويؤدي تكرار جُملة ” المرأة قبيحة والقطة مجنونة والكرسي مكهرب وأنا لم أعُد أفهم شيئا ” في النص بين الحين والآخر دوراً موسيقيا إيقاعيا أيضا حين تبدو ككوبليه أغنية لا بد من تتويج الكلام به وإعادته أكثر من مرة لكي يستوي اللحن .
ولم يذهب الكاتب بعيدا في بحثه عن بطل لقصته او نصه حين اضطلع بهذه االمهمة , والدليل مخاطبة أبيه له ومناداته باسمه ” رضوان ” وهذا يعني أنها قصته الشخصية وفيها من الواقع ما فيها , وهذا كذلك يحيلنا في نهاية الأمر إلى ادب السيرة الذاتية الذي يتقاطع معه النص هنا بوضوح .
وغني عن القول أن النص يمكن قراءته كقصيدة أو كنص شعري بالأستناد إلى مجازاته واستعاراته وصوره وموسيقاه ورمزيته العالية وحتى لغته التي تداخل فيها القديم بالحديث , فالكاتب استحضر من قاموس اللغة الواسع مفردات غير معروفة للكثيرين وغير مستعملة وغير معتادة أو أنَّ أوان استخدامها ولىَ بنظر البعض , وهذا يدل على غنى وثراء القاموس الشخصي للكاتب واحتكاكه الطويل باللغة فكلمات مثل ” فوارة المياه اليابسة ” أو لعله قصدَ ” الجافة ” و ” تنصنص العلك وتمضغ ” و ” امرأة قعواء ” و ” ونطت قطة ” و ” تهتز مثل منخل ” و ” الكرسي الرعاد ” و ” يدنقشون رؤوسهم ويبرطمون بالصومالي ” و المغاربة يتنطشون ” و ” نباح السلاقي ” و ” النخلة الزاهية البكور ” و ” شعر جفَّال ” و ” رأرأت بعينيها ” وغيرها يجعلك كقاريء تهرع إلى القواميس لاستجلاء معانيها حتى يستوي المعنى العام , وثمة مسحة في النص – إن لم يخونني الحدس – تحيل إلى اللهجة العامية التي اندمجت في السياق الكلي بانسجام وتناغم .
ويؤكد زعمنا باقتراب النص من الشعر كتابة صاحبه لهُ في هيئة جُمل متعامدة وهو الشكل المعروف لقصيدة النثر – أو هكذا نشره على صفحته بالفيس بوك .
فاتنا أن نشير أن للقصة / النص جانب رمزي وهذا ما لا يجب أن يغفل عنه القارئ ويأخذه في الحسبان , ففي ذلك تكمن المزيد من المتعة , متعة القراءة – سيما وأن الكاتب ترك تلك المساحة البيضاء للقارئ ليملأها بتأويله الخاص وقراءته الشخصية .
وبالعودة إلى التماس المسرحي نشير إلى ونلمح إلى تلك الأمسية الشعرية ذات معرض للكتاب في النصف الأول من العشرية الأولى لهذا القرن والتي ألقى فيها الكاتب هذا النص – إن لم تخونني الذاكرة – بطريقة مسرحية تمثيلية أضفت نوعا من الحركة والأختلاف في ذلك اللقاء الأدبي , وهذا الأمر يعزز من اعتقاد أن النص به نفس مسرحي .
وتلك المراوحة ما بين الظهور والأختفاء في النص تذكرني برواية المغربي محمد زفزاف ” الثعلب الذي يظهر ويختفي ” رغم أن النصين يختلفان عن بعضهما البعض شكلا وموضوعا ولا يلتقيان إلا في مسألة الظهور والأختفاء المتناوب , ولكن الشيء بالشيء يٌذكر .
وواضح أن الشخصية الرئيسية تعيش صراعاً داخلياً حاداً يعرفه تماما ويدركه أكثر من أي شخص آخر , الرجل القادم من مسافة خمس وعشرون سنة منقضية بجرده النالوتي وتلك المرأة صاحبة العينين اللوزيتين فقط , وإلا لما نصحه كل منهما بالرحيل الذي قد يكون فيه حل لكل الأزمات , أو لعل الرحيل يكون بداية لواقع جديد اقل تأزماً .
كما يكمن الحديث عن تلك الأجواء الأسطورية التي غلفت النص بغلالة شفيفة والتي تمثلت في ثنائية الظهور والأختفاء , التجلي والتواري , الحضور والغياب , تناوب الماضي والحاضر جر التاريخ بكل ثقله إلى النص , أحياء شخصيات راحلة والأستشهاد بالنص القرآني ” وتلك الأيام نداولها بين الناس ” كلها مؤشرات على نجاح النص في اختراق الزمن المعهود إلى الزمن الخيالي ورسم هذه الأجواء المفعمة بالغموض والسحر والتي لا نبالغ ان قلنا أن به مس من الواقعية السحرية كما ألِفناها عند كُتابها الكبار .

الدكتور:عبد المنعم المحجوب كاتب وباحث

رضوان أبو شويشة صهر اللفظي-المكتوب وأعاد بسْطَه على سطوح مرئية

(1)
عندما سافرت إلى كندا عام 1982 حملت معي كتابين: «القرآن الكريم» (برواية ورش)، و«ملك الموت»* (برواية رضوان). رافقني رضوان طوال سنوات، ولا يزال. أن تقرأ حكايات ليبية باللغة الإنجليزية في بلاد «التورنيت» و«الإنويت» كان أمراً ممتعاً. الأكثر إمتاعاً أنني استطعت أن أدلّ الأصدقاء الملوّنين هناك على شيء ثمين أحضرته من ليبيا، وكانت مقارنة الحكايات الليبية بحكايات آلاسكا القديمة تضفي الكثير من البهجة على تجهّم الأرواح التي لا تفتأ تسافر على أجنحة الغُداف جيئة وذهاباً بين عالميْن دون ملل؛ عالم الحضور الذي لا يقول شيئاً، وعالم الغياب الذي يضمر كل شيء.
أتذكّر أنني أهديت القرآن إلى قسّ مسيحي كان يتعلّم العربية، ثم أسلم بعد ستة أشهر… أما «كتاب رضوان» فقد احتفظت به، وعندما بدأ يونس بعد ذلك بأكثر من ثلاثة عقود يكتب الحكايات الليبية باللغة الإنجليزية قلت له على الفور: اقرأ هذا! وقدّمت له كتاب رضوان. فرح كثيراً بهذه الهديّة، وفرحت أكثر… أعرف أن قبساً رضوانياً هادئاً قد أضاء حكايات «في بلاد اليميم»**.
(2)
لا أتذكّر متى عرفت رضوان! وجدنا أنفسنا نتحدّث كأننا وُلدنا معاً. هكذا عشنا معاً، عملنا معاً، وأتذكر أننا نظرنا معاً إلى العالم بنصف عين. الإحداثيات التي جمعتنا ليست من المكان في شيء، وليست من الزمان في شيء… نحن نعرف ليبيا منذ أيام الطمي والصلصال القديم، نعرفها منذ العصور المطيرة، مروراً بالجفاف العظيم الذي ما زال يلاحقنا، وصولاً إلى مستقبل لا يكاد يبين ولكنه حقٌّ لا ريب، وقد كان رضوان دليلاً خبيراً لا يتوانى عن إخباري بما تصنع ليبيا بالزمن، وكيف أميّز اللحظةَ التي تُحدِث انعطافاً قدرياً، وما هي شروطها الإنسانية كما يرى الليبيون (أو «الليبيون حقاً».. كما يقول).

سألته: كيف؟
أجاب: لأن الحدث الذي يصنع ظلاً عظيماً يغطّي وجه الأرض ثم ينقشع ليس مهماً بقدر الظلّ الزاهد الذي يضمر حدثاً جديداً يغيّر الأرض نفسها.
والسماء!
السماء تعكس وجه الأرض.
ماذا إذن عن ليبيا؟
هي عجينة الصلصال والأطياف معاً، هل كان عالمٌ لو لم تكن ليبيا؟
لا أظن.
هذه هي الفكرة باختصار، إذا زرنا أصحابنا من أبوليوس وأريستيبوس و«برّا برّا» حتى نصل إلى الكعبازي وبازامة والنيهوم وفابريتشيو موري وخشيم ومازن والدويب (وأسماء أخرى لا أتذكرها الآن) فإنهم يقولون الشيء نفسه.
كان ذلك عام 1998، ونحن فعلاً زرناهم جميعاً، حتى أننا اكتشفنا في زياراتنا تلك أن أول كتاب ليبي عن ليبيا وضعه أريستيبوس القوريني وكان بعنوان «تاريخ ليبيا»، وأنه فُقد في واحدة من رحلات المؤلف الكثيرة (لا يزال البحث عنه جارياً)… تريدون أن تعرفوا تاريخ ليبيا الحقيقي: اسألوا رضوان، اقرؤوا «حمودة الزاهي».

(3)
بعد زمن يا مهنّد، حرَّر رضوان طيفاً ثقافياً آخر كان حبيس النَّص، صار رسّاماً. لم يكن ذلك ارتكاساً كما توهّم أحد «رفاقه»، ولم يكن شيئاً له علاقة بمساطر النقد والتجنيس المتوارَث، كان أشبه بقفزة واسعة نحو «العالم-من-وجهة-نظر-شخصية» في فضاء رحب لا يقول –ولكنه يعبّر عن- الكثير.
كيف يتحوّل النصّ إلى لون؟ سألخّص بهذا المثال: تجربةٌ اختبرتُها في زمن ما عندما حاولتُ أن أجرّب آلة السيتار الهندية، وهذه قادتني إلى موسيقى الشرق الأقصى عموماً، ثم أحببتُ أن أتعلم السانغن اليابانية، لأن الأوتار الثلاثة القادرة على إعادة تعريف الزمن الإنساني (ماضي-حاضر-مستقبل) مذهلةٌ حقاً. عموماً سافرت إلى أوساكا لأتلقى بعض الدروس، وهناك تعلّمت كيف يتحوّل اللون إلى نغمة موسيقية-شعرية. لن أطيل… لنأخذ الهايكو المغنَّى مثلاً، هذا التواتر بين ألوان الطبيعة، لنقل أخضر (مرج)، بنّي (غابة)، رمادي (براح)، أزرق (بحر)، أبيض/أسود (ثلج يكلّل جبلاً) … إلخ، ويأتي صوت البهجة (أونغاكو) فيوزّع الدرجات النغميّة على المناظر المرئية (التي تألفها العين)، أو اللامرئية (التي تألفها الروح)، هكذا… كل مكان، بقعة، ركن، ظل، نقطة، كلّ انفساح على الأخضر في حديقة عامة مثلاً، أو كل انطواء على البنّي في غابة نائية… كلّ ذلك يصنع موسيقاه.
لن أطيل، هذا الموضوع رضوانيٌّ تماماً. عام 2008 ذكّرتُ رضوان بهذه التجربة، وتحدّثنا مطوّلاً عن شغفه بـ«سلّم الفكرة اللوني»، أو «السلّم اللوني الذي يقول الفكر أكثر مما يعرض الصِّبغة»، الفكرة والفكر ينتميان إلى عالم النص والكتابة، فكيف يقبلان التلوين؟ يُمسك رضوان بالفرشاة أو قلم التحبير المطعوج أو غصنَ نبتة شعّال مغموساً في اللون، أو أي أداة أخرى، أو أي لون يستخدمه أو يصنعه (صنع رضوان مساحيق ألوان من مواد طبيعية من بيئتنا غير معروفة مسبقاً بطبيعتها التلوينيّة)، وفجأة يحدث أن تتمرأى اللغة ويتراءى «سراب الليل».
ذكّرته بالتجربة الهندية-اليابانية ورغبته في أن ينقل اللون إلى كلمة مقروؤة، أو العكس، مثلما كان بإمكانه نقل اللون إلى نغمة مسموعة في تجربة أخرى قديمة كان يعزف فيها الناي في العزيزية ويكتب بها موجات حبّ إلى الأمكنة التي يحلم بها، لخّصت هذه التجربة الأدوات الثلاث: اللون، والموسيقى، والكلمة، أما بعد الخمسين فقد فضّل أن ينشغل أكثر بتحويل اللغة إلى مساحات ملوّنة. هذه التجربة الفذّة في تاريخ الفنون التشكيليّة تليق بشخص واحد هو رضوان الذي أعتقد أنه صهر اللفظي-المكتوب وأعاد بسْطَه على سطوح مرئية، صغيرة وكبيرة: ألوانٌ يمكن سماعها، أفكارُ يمكن رؤيتها. صار يكتب بلا حروف «مثل صوفي سكران بعناقيد النجوم»، ويصنع لغةً بمساحات وشظايا ونقاط وتبقيعات وشذرات. ثم صار هذا الحوار:
قال رضوان: هو اللون مجرّداً، ما أشعر به أرسمه. لا أقصد النص، لا أتعمّد الموسيقى. بل تذويب العالم وإعادة تشكيله.
قلت: أليس العالم هو الذي يصنع اللوحة من خلالك؟
قال: فليكن، ولكنني أختار. وأنا لا أتصالح مع ثلاثة أرباع العالم.
قلت: ماذا يمكن أن يفعل المتبقي من العالم؟
قال: نقطة من العالم على كل حال هي كلّ العالم.
كنت مطمئناً لمثال «العالم في حبّة رمل»، وكان رضوان يبشّر بأن خلاصة نظرية المعرفة الكونيّة هي ما نكتشفه بين أيدينا وتحت أبصارنا من عاديَّات لا تلفت الانتباه، وهو يسمي ذلك «التصالح مع الكون». عموماً، نحن تصالحنا، هو اعتقد أنه يصنع لوناً مرجعيته شخصية عميقة، وأنا اعتقدت أنه يعيد إنتاج فكرة شخصية في لون عميق. كان ذلك من أوجه الاتفاق-الاختلاف الذي أشترك فيه مع رضوان، وأعتبره أسلوباً في الحياة.
(4)
كان رضوان رائياً، هو حفيد سيبيل القديمة، وكان مُطلّا يستشرف، ولأنه أدرك أن الخلود وسيلتان لاغير، إما كلمةٌ (وتلك كانت نصيحة غلغامش)، أو هي صورةٌ (وتلك كانت نصيحة نركسوس)، فإنه جمع التاريخ من طرفيه، ثم لوى برأسه إعراضاً، ووقف «عند باب البحر» وهو يقاوم «مسلسل اللعنات المهيبة في حلقات لا تنتهي!» ويتحدّى الوتائر بطريقته: يكتب ما لا يُروى، ويرسم ما لا يُرى.

الدكتورة “أريج خطاب”أستاذة في الأدب والنقد المساعد بقسم اللغة العربية كلية الآداب جامعة عمر المختار

رضوان أبوشويشة التنوع في الإبداع والبساطة في الأداء

الدكتورة “أريج خطاب”أستاذة في الأدب والنقد المساعد بقسم اللغة العربية كلية الآداب جامعة عمر المختار
في حضرة المبدع رضوان بوشويشة لا يسعفني الوقت ولا الذهن للتطرق إلى الحديث عن كل إنتاجه القصصي والمسرحي والتاريخي والتشكيلي لكن انطباعا عاما يكاد يكون سمة غالبة على أعماله التي تتميز ببساطتها وإنسانيتها ولعلها جاءت انعكاسا لهيأته التي تبدو على مظهرها البساطة وشخصيته التي تتميز بالهدوء والدعة ورغم التمرد الذي يعد لازمة من لوازم شخصيته إلا أن تمرده كان تمردا هادفا بقدر هدوءه .
استمد بوشويشة عوالمه القصصية والمسرحية والتاريخية وعوالمه الفنية والتشكيلية من المدينة القديمة بطرابلس التي اتخذها مكانا ملاذا إليه يلجأ ومنه ينطلق إلى عوالمه الإبداعية يجسد من خلالها الهوية الليبية وإلى أعماق التاريخ الليبي القديم في أكاكوس وإلى مسقط رأسه في (الكدوة) الاسم القديم لمدينة العزيزية ثم يعود إليها (المدينة القديمة).
توحي أعمال بوشويشة بالبساطة والسلام وتتميز بالانسيابية والسلاسة رغم كونها – وكما قال هو شخصيا- لا تنتهج نهجا بذاته ولاتتوخى الانتقاء والدقة أثناء إنتاجها بل يصنعها بكل عفوية وتلقائية وهذه سمة أصلية من سمات أعماله مجملة.
ورغم أن المبدع أي مبدع في العادة يقدم أعماله لحصد اهتمام الجماهير فالمبدع مرسل والجمهور هو المتلقي وماينتجه من أدب يمثل هذه الرسالة من المرسل إلى المتلقي فإن رضوان بوشويشة كان يستخدمها للتعبير عن ذاته وسبر أغوارها دون أن يلقي بالا لما سيكون لها من أصداء.
بدأ بوشويشة أعماله الفنية والتشكيلية (سراب الليل، عام الثلج وآخرها شرقي الكدوة) بعد أن تجاوز الخمسين كما ذكر هو شخصيا مشيرا إلى موهبة بدأها طفلا في المدرسة وعاد إليها بعد الخمسين “كنت طفلا أرسم وجوه هيئة التدريس بشكل كاريكاتيري، بدأت أرسم فعلا بعد الخمسين من العمر” مما يبرىء أعماله من إنتاج وقتي يصاحب فترات البحث عن الذات مرحلة الشباب كما أنها جاءت بعد أن صار اسما ذائع الصيت فتجاوز فكرة البحث عن المكانة الأدبية والمجتمعية .
جاءت أعمال بوشويشة التشكيلية ناضجة واضحة الرؤيا وإن اختلفت التفاسير حولها في أذهان المتلقين سلسة مستقرة انعكاسا لشخصية سبكتها الحياة وحاكتها التجارب فوصلت لمرحلة من اليقين والاطمئنان ما بدا واضحا في ألوانه و نحوته وتفاصيلها التي -كما قال عنها – يلقيها جزافا وفق تصور في مخيلته يوافق شيئا ما في نفسه غير آبه بوقعها على المتلقي سلبا أو إيجابافجاءت كما قال المتنبي عن شعره
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم
مارس بوشوشة تمرده بهدوء وسلاسة، وبدأ الرسم مبكرا في رحلة بدأت مع نعومة أظفاره وتزامنت مع فترة الدراسة في المدرسة الابتدائية حيث كان يستخدم الرسم نوعا من السخرية من معلميه لكنه سرعان ماغادرها ليعود إليها بعد سن الخمسين ورغم الفترة الزمنية الطويلة بينهما كان بوشويشة يعرف ماذا يريد وكيف يصل إلى مايريد بألوانه وأدواته وأدى رسالته الإنسانية والفنية بكل سلاسة وبساطة ووضوح .

في ختام هذا التقرير تتحول ذكرى رضوان أبو شويشة إلى لوحة وثابة يُحقق لها غروب المساء شرط الجمال، وديمومة الانتصار، فرغم ما تعرّض له رضوان لاسيما في سنوات حياته الأخيرة من صنوف الظلم والتهميش والإقصاء وضعف الرعاية الصحية شأنه في ذلك شأن المبدعين الحقيقيين اللذين وضعوا أحلامهم على كتف القمر بيد أنه رحل مبتسما للحياة تاركا على أديم وطنه جراحا تعلمت وتتعلم محنة الصبر، وسيرورة التفاؤل.

مقالات ذات علاقة

الزعيم غومه

المشرف العام

كل يوم في مدينة ليبية: (3) مدينة درنة

حسين بن مادي

قائمة بالمتاحف الليبية

المشرف العام

اترك تعليق