قصة

النصيب

من أعمال التشكيلية الليبية منيرة اشتيوي
من أعمال التشكيلية الليبية منيرة اشتيوي

…لا لا

… ابدا لم يكن هذا سببا من أسباب عودته كل عام الي بيته الجديد المقفل من السفر.

كان يرجع في اخر الصيف الي بلده كل عام، لينفض عن أثاث بيته اثار الغبار المتراكمة من جراء غيابه، ذلك البيت الذي اشتراه ممنيا نفسه بأن يكون عشه الزوجي السعيد.

…لكن هذا البيت ظل مقفلا، لسنوات توالت، فلم يستطع أن يتزوج بتاتا! خمسة عشرة عاما مضت حاول فيها تحقيق رغبته في الزواج، فلم يفلح مرة بمحاولاته المتعددة. تلك الرغبة التي أصبحت هي هدفه المنشود، ورغم بساطتها، فسذاجتها ورغم إمكان تحقيقها من طرف اي انسان يرغب في إكمال نصف دينه.

…. كذلك لم يجد راحة البال في هذا البيت الجميل، منذ أن اشتراه كونه كان قلقا مفرطا من جراء تفكيره في كيفية ايجاد سبيلا للنجاح في فك معضلة العزوبية، وفي كيفية السبيل لارتباطه بفتاة من أجل الزواج!

… حقيقة بنات الأصل والمفصل كن كثرة في تلك المدينة، لكنه وعندما تصل الي مرحلة الزواج يتحكم في مصيرك النصيب، فلكل حي نصيبه، وهذا ما تعلمه البشر في موروثهم على اختلاف مشاربهم، فالنصيب يجعلك لا تري واحدة او ان يجعلك تراهن بكثرة، لم يوفق للوصول الي واحدة ترتضيه زوجا.

…كان فتي طموحا ناجحا، محققا لكل رغباته، وأهدافه، لكن! لكن يبدو أن في البحر كلبة! نعم كلبة وليس كلبا هذه المرة، فكيد النساء حقيقة يغلب!

…كيد النساء هو الذي ابعد عنه النساء !!، وحدث ذلك بشيطنة قذرة، وجاءت في فترة حرجة من سنوات عمره وهي فترة النقاهة والصفاء من أجل الزواج،

فأخباره الجميلة، ونجاحاته لم يذكرها أحد البتة، بل كانت هناك اخبارا اخري سيئة مفبركة تنتشر من حوله دون علمه لتبقيه أعزبا طوال عمره.

…إحدى الفتيات اللاتي تعرف عليها صغيرا، لم تستسيغ وأن تتقبل ان يتركها، فصمتت طويلا وتحركت بدافع الفتنة. عندما وصل لسن الزواج. فأقسمت في قرارة نفسها ألا تمكنه من الزواج.

فهل تتركه ليتزوج بغيرها؟

….لكنها ادعت كرهها له ،وعدم تقبلها له ، كانت قد ايقنت  انه ما تركها، إلا لأنه اكتشف ما بها من صفات العهر  والخيانة، حتي وإن لم يشعرها، بأنها عاهرة ،  فلقد فهمت انه لم ينوي الزواج باخري، إلا لكونها عاهرة!،وخائنة لأسرتها والدها واخوتها وامها أولا ثم لمن هو حولها، من أقارب وأصدقاء و فهمت كذلك أنه كان منتبها لسلوكياتها الفاسدة، والتي لم تدع احد يكتشفها حين اقترفتها فهي تتقن اللعبة ،حين تنوي اللهو والعبث مع أحد الغرباء أو العمال الاجانب خاصة ،فهم لا يقيمون طويلا في مدينتهم ،وسيرحلون الي اوطانهم حاملين اسرارا جنسية خطيرة، وستنسي نزواتها معهم ،فلا أحد سينتبه لسلوكياتها تلك، لذلك اضمرت له حقدا دفينا عميقا، وادعت انها ،لم تحبه يوما ، وأنها لا ترعيه بالا واهتمامها ، وأنها لا تتقصي اخباره لحظة لإفشالها !.

 … اختارت وقت عزمه الزواج، وبدأت تكيد له، بإشاعة اخبارا كاذبة مفبركة وملفقة بدرجة عالية من اتقان التأليف. اشاعت هنا كذبة واخري هناك، فصدقها من هو حولها ووصلت للذين حوله، فصدقوا كذلك!

…اخبارا كانت مركبة وغريبة لا يقترفها إلا مجنونا، فقد كانت تقدمها تطوعا ضده، لمن هو حولها!، وهي تعلم أن سيصنع من الحبة قبة، لذلك وجد الصد والرد من جميع الفتيات التي حاول التعرف عليهن، وتحاشاه الجميع، وكأنه جملا أجربا، كن قد صدقن حقا انه إنسانا غير سوي! شخصا معتوها متسكعا كثير النزوات ومفلسا! وان معظم فترات غيابه كان يقضيها إما سجينا أو لكونه كان محجوزا بإحدى مصحات الامراض النفسية، للعلاج، بعكس حقيقة تواجده سائحا في دول اجنبية، وأنه كان مستمتعا في حياته، ومسافرا يجوب المدن الجميلة والتي يختارها بعناية، ليقضي اياما سعيدة بها، وبعيدا عن موجة الكره والرفض الموجه إليه دون معرفة السبب،

وغافلا عما كانت تشيع عليه من حوله، تلك الفتاة الحاقدة

لذلك، لم يوفق بالارتباط، ولذلك ظل بيته الجديد مغلقا مهجورا لسنوات عديدة.

… فكر  طويلا في ايجاد مخرجا، وذات يوم وبينما كان يتردد من أجل إصلاح  سيارته المعطوبة والتي كان قد حصل لها عطلا فجائيا بمحركها ، ولقد وضعها للمعالجة بورشة صيانة سيارات، تراءت له مصادفة حينها وكانت قريبة ،  بإحدى احياء المدينة،  أثناء تردده لاحظ أن صاحب الورشة ، أخذ يستأذن منه عند تمام الساعة العاشرة والنصف تحديدا من صباح كل يوم، بسبب أدائه، لبعض من متطلبات البيت، وكان يوصيه بأن ينتبه الي الورشة في غيابه الي حين عودته، فهو مرتبط بإيصال شقيقته كل يوم عند هذا التوقيت بالذات، كان يقلها من أجل العناية بجدتها، تلك السيدة الطاعنة في السن، والتي كانت تقيم  عند  أحد أعمامها في منطقة اخري من مناطق نفس المدينة ،فلابد لجدتهم من الاستحمام ،ولتبدأ بمساعدتها في مناولتها افطارها اليومي، ويجب تنظيف فراشها  من بلل البول ،فهي قد عجزت عن قضاء حاجتها بنفسها في هذا السن الحرجة، ولا أحد يقبل اعالتها إلا اختنا هذه، واخبره كذلك بأن بنات عمها كن يدرسن في كلية التمريض ، وكن الجديرات بالقيام بهذه المهمة ،ولكنهن كن شديدات التذمر من فكرة أداء مهمة تنظيف فراش جدتهن وإزالة الغائط المتسرب من جسدها الفاقد للتحكم  !.

…. هنا لمعت عيناه، فلقد شعر بأنه قد وجد ضالته اخيرا.

فلأن كل البنات التي تقدمن له رفضن الارتباط به، كونهن قد صدقن ما يقال عنه بأنه شخصا متسكعا مجرما مجنونا.

إذا واذ ما اعتبر نفسه مجنونا، كما اشاعت تلك الأفعى، ومن صدق كذبها، فمن ترضي بأن تكون زوجة لمجنون اذن.

وأن فكرة الارتباط بمجنون، واختياره شريكا لها، لن تتقبله إلا هذه الأنواع من النساء:

ف إما أن تكون امرأة مجنونة هي الأخرى.

أو أن تكون نصابة فاجرة، لتوافق على مجنون، ومن ثمة تفعل من ورائه ما ترغب فعله، وان تعتبره كمنشفة تزيل بها اوساخا عالقة

أو أن تكون امرأة عاقلة جدا ومتشبعة بشعور وصفات الانسانية السامية.

وأعتقد أن شقيقة هذا الرجل الذي ساقتني له سيارتي المعطوبة لإصلاحها عنده هي من النوع الثالث والأنسب، كونها تقوم برعاية جدتها برغم وجود طبيبات ببيت عمها.

بنغازي 2003

يتبع…

مقالات ذات علاقة

سيمفونية المطر

محمد محمد الأبي

قليل من الدفء

غازي القبلاوي

قلوب حطمتها عاهات وتقاليد

المشرف العام

اترك تعليق