طيوب عربية

مضغ اللبان

صالح جبار خلفاوي | العراق

من أعمال التشكيلي الليبي توفيق بشير
من أعمال التشكيلي الليبي توفيق بشير

حينما أطلت لمحت في عينيها بريقًا من حزن أكيد.. عندما استقرت في مكانها، كنت ما أزال أتابعها بنظرات غامضة.. أيقنت أنها تعاني من مشكلة ما وهي منشغلة بإخراج أشيائها من حقيبة اليد، بعصبية واضحة بادرتها:

ـ لقد أخطأت في المجيء.. هنا.

رفعت رأسها، نظرت حولها، استدارت باتجاهي، أحسست أنها تثق بكلامي، فقالت:

ـ نعم.

حاولت تركيز انتباهي عما يدور أمامنا، بدا الأمر مضجرًا برتابة مملة.. تطلعت للجدران البيضاء اللامعة.. تابعت بعيني أقلب بطرفيها الأضوية المعلقة في السقف.. النور المنبعث منها يأتي باستقامة لمقعدينا المتجاورين:

ـ أراكِ عصبية المزاج.

ـ أبدا.. ولم العصبية؟

ـ قصدت أنكِ متوترة.. صحيح

استدارت الفتاة الجالسة في المقعد الأمامي، أرادت مشاركتنا الحديث.. لكنها عزفت حين تصادفت نظراتها مع نظرات جارتي المتوترة.. رحنا نصغي باهتمام لمحاضرة الرجل القابع خلف شاربه الأبيض.. كان يواجهنا بثقته المفرطة.. شعرت بالعطش رغم جو القاعة البارد.. مضيت نحو براد الماء.. حين اندلق الماء في جوفي أحسست بفراغ معدتي في مثل هذه الساعة من النهار.. عدت لمكاني، لمحت ساقيها حين فسحت المجال لي لأمرق أمامها.. عدت لأجلس جوارها.

بدت منهمكة في كتابة المحاضرة وهي تمضغ اللبان دون فتح فمها.. قلت لها:

ـ مادة المحاضرة جافة.

ـ لا خيار لنا سواها.

راودني شعور بكتابة قصيدة حب.. فكرت بكلمات أخطها على الورق بينما الجميع منهمك بتدوين المحاضرة.. كتبت ببطء: أنت لي مثل أنية الزهر أراها ولا تصل إليها يدي.. أنت لي… توقفت.. فكرت عميقًا باختيار مفردة تليق بها.. لمحتها تختلس النظر بين حين وآخر لترى ما أكتب: «أتمنى أنت لي ولست لأحد» حين وقع بصرها على المفردة الأخيرة اتسعت عيناها من الدهشة، أخذت الورقة رفعتها أمام عينيها، أغمضتهما بشدة، من تحت نظارتها المدورة سالت دمعتها:

ـ لا أحد يستأهل هذه الدمعة.

قلت لها ذلك.. نظرت إليّ بإمعان.. بدا أنها تفكر بشيء آخر بعيدًا عني.. قلت:

ـ الحياة أكبر من حبيب غادر.

التفتت بنصف جسدها نحوي وفي شفتيها سؤال ينطق بلهفة:

ـ ما أدراك بالذي قلته؟!

ـ قرأته في عينيك.

سكتت بصمت مطبق.. لم أحاول إثارة مشاعرها أكثر من ذلك.. بقيت أتابع ما يقوله الرجل بشاربه المهتز.

في فترة الراحة كنت ألهو بالحديث مع بعض الأصدقاء.. شعرت بتفاهة اللغو معهم.. فكرت بالعودة ومتابعة الحديث معها.. وقفت أمام الباب الموارب، لمحتها منشغلة بالحديث مع الفتاة التي كانت تجلس أمامنا.. لم أحاول التطفل عليهما.. لكنها تركت محدثتها واقتربت مني قائلة:

ـ هل تظن أننا نستفيد من الحضور هنا؟ ليس الفائدة المرجوة.

أحسست نظراتها تخترقني بشدة.. عدنا ثانية للجلوس متجاورين.. بعد انتهاء الاستراحة:

ـ لقد أثرت الصداع في رأسي.

ـ لماذا؟

ـ كيف علمت، ما أخبرتني به سابقًا؟!

ـ هل كان زميلاً لكِ في العمل؟

ـ نعم.

ـ أين هو الآن؟

ـ لقد سافر إلى الخارج.

قالت ذلك بمرارة واضحة.. شعرت أنها بحاجة لأن تخرج من الدوامة.. فقلت:

ـ هل اتصل بكِ؟

ـ نعم.. ولمرات عديدة.. لكني لم أكلمه.

ـ لماذا؟

عادت للسكوت.. أيقنت أن شيئًا داخلها يتهشم.. وأنها بحاجة للبكاء.. حتى أتدارك الحرج الذي وقعنا فيه حدقت بالمُحاضر الذي ما فتئ يتحدث بجدية مفرطة.. سعلت بشدة حين التفتت الفتاة الجالسة أمامنا لتسألني:

ـ هل تستطيع استنساخ أوراق المحاضرة؟

كانت تلوّح بحزمة الأوراق التي بيدها.

ـ لا.

عادت لجلستها.. نظرت لجارتي.. اكتست بالهدوء المعهود قائلة:

ـ لقد مضى عام على سفره.

ـ ألا زلتِ تفكرين به؟

أحسست بأن هناك من يراقبنا ونحن نهمس لبعضنا أدرت رأسي للوراء.. شاهدت امرأة بدينة تتطلع إلينا بعينين ناعستين والابتسامة تعلو شفتيها.. اعتدلت بجلستي.. «رأيت الغيرة في عيني جارتي».. قالت.

أحسست بالزهو داخلي.. رحت أتابع المُحاضر الذي ما زال صوته مسموعًا في القاعة.. بقيت تمضغ العلك وتدون ما تسمعه. وضعت ساقًا على الأخرى.. مضينا نستمع باهتمام.. في لحظة مربكة انحرفت بوجهها المدهش تجاهي.. همست:

ـ أريد السفر للخارج.

ـ تحاولين الهرب من معاناتك!

كتبت لها على قصاصة «كوني كما أنتِ، ولا تكوني كما يريدون».. بهتت حينما اطلعت عليها.. أردفت:

ـ أمي دائمًا تحدثني بإصرار عن تغيير سلوكي.. لكني أتساءل كيف لك أن تعرف ذلك عني.

أجبت والزهو يملؤني:

ـ الحاسة السادسة.

بدا أنها غير مقتنعة بإجابتي.. بعدها مضينا نهبط السلم.. تشابكت أصابعنا.. سرت داخلي رعشة مخيفة.. وميض يتقد في تجاويفي.. ارتجفت شفتاها مثل زهرة متوردة من الخجل.. سمعنا أصوات أقدام تأتي من بعيد.. افترقنا مبتعدين حتى نتلافى ارتباكنا المضطرب.. قلت:

ـ ألديك جواز سفر؟

نظرت مبتسمة وقالت:

ـ لا.. ولكن هناك من وعدني بإحضاره لي.

في نهاية بئر السلم شممت رائحة سيكارة أشعلت فيّ رغبة عارمة لتدخين لفافة.. سحبت نفسًا عميقًا.. وصلنا بوابة الخروج.. قلت:

ـ إذن.. حلمك السفر.

ـ نعم.

زعيق السيا رات، وهرج أصوات الباعة، يملأ الفضاء.. الشمس المشرقة ترمي بقوة أشعتها الذهبية على البنايات المكتظة. الأشياء مبهرجة مثل قوس قزح.. ثمة بائع مرطبات يحدّق بنا من خلف أوانيه زاعقًا:

ـ تفضلوا.

لم نعره اهتمامنا.. مضينا نقطع الشارع.. شعرت أن العالم ليس سوى رفقة طيبة وعطر فواح يأتي من امرأة تسحر لبي.. تجعلني مهووسًا بالفرح الأخاذ.

الأزقة تهمي رذاذًا من طيور تعانق الأمل الجميل.. تأكد لي أني أعيش بخرافة اسمها الحب.. قلت مكررا سؤالي:

ـ إلى أين؟

رفعت كراسها.. خطت بقلم الرصاص «إلى أرض الله الواسعة».. ضحكت بصوت عالٍ أثار انتباه المارة.. ظلت مقطبة الجبين.. تستفسر بملامح وجهها المحمر خجلاً عن سبب ضحكتي المفاجئة والمجلجلة.. شعرت بها.. هديل يرشح لحنًا لا يعرف السأم.. أيقونة كتبت عليها تراتيل محبتي.. صارت الزغاريد لحنًا لفرح غامر يملؤني.. اجتث داخلي أعوامًا عجاف حسبت لحظتها أنها لن تزول.. انبثق نهار يرسم البسمة كإمضاء خجول لامرأة كتبت أبجديتها على صدري اللاهث بحثًا عن الذاكرة المنسية.. ولكي أطرد وهم مخيلتي قلت لها إنك امرأة حالمة.. مترعة أزاهيرها بالندى.. تربتها الندية بذرة خصب لإله يطوي المسافات بحثًا عن يقين راسخ في هيكلها المتنامي بأدغال سحيقة للود الطافح بعينيها.. قلت:

ـ أريني كفك.

ـ وماذا ستفعل به؟!

ـ كي أقرأ طالعك.

من صوتها الضاحك سمعتها تردد «هذه موهبة أخرى!».. كفها مشرع أمام عيني مثل شراع صغير لسفينة تائهة في بحر.. متناثر بولهٍ مجنون.. يتمنى أن لا يفيق أبدًا.. قلت:

ـ إن خط الحياة عندك طويل.. تأريخ جاثم منذ دهور.. إنك تبحثين عن كلمة فُقدت من قواميسنا…

ـ ما هي؟!

ـ الوفاء.

اشتعل في عينيها لهب يتأجج ليسيل في جداول خديها.. ثمة اشتهاء لرؤية طفل روحها الذي يثب في مكان ما من ثنايا أضلعها.. حيث يختبئ الإحباط المفرط من حبها الأول.. إنها تستسلم لشيء يعلق بمجرى ذكرياتها التي لا زالت تحتل مساحة واسعة من تفكيرها المر بعذابات الفراق.. حين يتشح الزمن بعد الأحبة بلون المساء.. هكذا كان طعم الكلمة عندها لما بادرتني:

ـ أرى أنك تقرأ أفكاري وليس خطوط يدي! ما وراء قضبان صدري.

لمحت شخصًا يبتسم مثل ثعلب ماكر يهوى لعبة الاختفاء خلف ملامح وجهي الذي بقي مقطبًا وجدّيًا.. قلت:

ـ هل تظنين ذلك؟

كانت لا تقوى على السير وكأن هودجًا لجمل تائه، يحملها في صحراء لا قرار لها، يئن من هول الفراق.. عجزت أن تكلمني.. وفي محاولة شعرت أنها ثقيلة عليها قالت:

ـ أتمنى أن أختفي من الوجود.

ـ هل بدأ اليأس يدب في مفاصلك.. الخيارات أمامك متعددة.

ـ ماذا تقول.. هل تريد أن أصبح حقلاً للتجارب.. يكفي ما عانيت.

ـ هل جربتي جرعات الإيمان؟

في زوايا الروح تسيل ببطء لزوجة من الرطوبة تدمر الجدران لتوقد في ثنايا هياكلها ثقوب الخراب.. عند نهاية الشارع افترقنا. احتجت التكلم معها.. كان عليّ إعداد أفكاري بوضوح.. بلا تردد.. أحدثها عن سبر أغوار الإيمان.. حيث الروح تكون فراشة من نور تطير في سموات صافية الزرقة بعيدًا عن العذابات الواهية.. هو نسمة تلامس بشرتك بحنو مرهف ينسيك الجدب المطوق أسوار أحلامك الممنوعة، وحبور رقراق يتدفق مثل شلالات مترعة بالنفاذ الأبدي نحو النهايات السعيدة. الحقيقة المطلقة بلا مواربة تسقسق عليها عصافير شجرة السدر المزروعة وسط الدار، ولا ترحل مطلقًا.. غبش يأتي بعد ظلمة لم نتكيف معها.. يحمل أجراسه لوقع رنينها يرقص المحال.. لا شيء يمكث في سواحل الروح سوى الألق الطاغي في عنفوان يمور مثل غابات الثلج، تمتد في اتساع لاتعرف الحدود.

كم أحتاج أن أراكِ الآن.. من يأتيني بك الساعة! بيني وبينك تمتد أزقة وأحياء لا حصر لها.. تلتف ملتوية بكل الاتجاهات.. تضيع بملامحها خرائط صماء لا تخبرني عن شيء يسعف رغبتي المتأججة.. في الليل البهيم لا أجد غير طيفك يحل في مخيلتي.. حورية تخرج من بحر لم تطرقه الأحاديث.. ولا أحد غيري يعرف طريق الوصول إليه.. لم يسكن سواحله سوى وهم الرمل.. عن حكايا لفارس ارتحل صوب ميادين مغلقة النهايات.. يتبدد في أراجيح اللهو.. ضحكات أضاعتها وقع أقدام تهرب نحو الأفق المطبق على بوابة الشمس بلا أمل في الرجوع.

مقالات ذات علاقة

دعيني.. أُقَـــشِّـــرُ لِـــحَـــاءَ عَـــتْـــمَـــتِــــكِ

المشرف العام

إسرائيل تغلق مسرح الحكواتى لمنع لقاء ثقافى

المشرف العام

صورة المرأة في أدب سناء الشّعلان السّرديّ في جامعة البصرة

المشرف العام

اترك تعليق