قصة

زنبا.. وأغنية الأولى

صورة من أعمال المصورة سارا كمال
صورة من أعمال المصورة سارا كمال

1

الناب الذهبي هذا كل ما استطاعت أن تراه زنبا من وجهها عندما أطلت عليها مرأة برأسها من ستار الذي صنعته أمها حائلا بينها وبين الضيوف.

مرت اللحظات مسرعة عندما كانت زنبا غارقة في النوم، بعد يوم طويل ومتعب، ربت أختها على كتفيها “قومي قومي هناك نسوة على الباب” قامت زنبا منزعجة “لماذا توقظيني!! كان أولى أن تخبريهم بأنني نائمة” خرجت فاطمة غير مكترثة لكلمات أختها، دخلت امرأتان. إلى أن أطلت احدهن على زنبا.

جلست المرأة التي أطلت من خلال الستار دون أن تستطيع زنبا احتفاظ بملامحها، وجلست رفيقتها التي اكتفت بالسلام عليها من وراء الستار وباركتها على المولود.

أين أمك؟ سألت مرأة ذات ناب الذهبي فاطمة

ذهبت للسوق المحلي

آه …. هل حصلت على تاكسي، أم سيارة جارتكم

نعم، سيارة جارتنا

كانت ذات ناب الذهبي تجلس وهي تسند يديها متشابكتين على ركبتيها أثناء الحديث، تسترق النظر لزنبا من وراء الستار وأن كان لا يظهر إلا خيالها.

تحدث لزنبا قليلا ثم قالت “إياك وأن تغني لأبنك! فإن ذلك يعني أنك تحبين زوجك! ….. ثم ختمت كلامها بضحكة مضطربة”

شعرت زنبا بربكة، أنها لم تغني أمامها، وهي ما كانت تجرأ لفعل ذلك أمام غرباء، لماذا اختارت المرأة هذه النصيحة دون نصائحها الأخرى، كثير من النساء تلقي على مسامعها النصائح منذ أن وضعت ابنها البكر ولكن هذه النصيحة كانت مدوية، هل علمت هذه المرأة بأغنية التي كتبتها عن ابنها قبل ولادته؟

2

طشة حبيبي طشة ….. طشة قليبي طشة

طشة روحي طشة …… خشمه وفمه طشه

حتى رأسه طشة ….

كان ممر إلى حضانة الأطفال مزدحماً بالآباء الذين أتوا لزيارة أبناءهم في الحضانة، وحدهن “زنبا” و “برنية” استطاعتا أن تدخلا دون أن يعترض لهن أحد، أحضرت الممرضة طفل برنية أولا…. فكان اللقاء الأول، نظرت إليها زنبا بفرحة عارمة، وهي تنظر إلى يدين برنية كبيرتين تلفان حول رضيعها، تدفق البهجة في وجهها شعرت أنها تشاهد نفسها على مقعد الآخر وتعيش لحظة بلحظة فرحتها الأولى، تستحضر اللحظة وكأنها ليست في صف انتظار وشيك، لحظات وتدخل عليها الممرضة حاملة طفلها، ولكن تلك اللحظات كانت تمر كأيام في ذاكرة زنبا المقبلة على سنة أولى أمومة، تفضلي: هيااا حاولي أن ترضعيه

لقد حدث ما كانت تنتظره منذ أيام، لقاء أبطال منتصرين في معركة أزلية، بين الحياة والموت، بين بكاء الألم و ضحكة الفرح، معركة التي لا تعكف أغلب النساء إلا بخوضها، وأن كانت مؤلمة فهي أشد ما يجعلها في قمة الفرح، معركة للاحتفال ليس بالوصول للنصر إنما بولادته، بقدوم النصر إلى الحياة، ابتسمت زنبا وهي تنظر إلى وجه صغيرها، حاولت أن تلملم ملامحه ولكنه كان صغيراً جداً على أن تحدد لمن يشبه، جاء اتصال من أختها فاطمة أحدثت لحظة شرود عندما كان الفضول في أوجه…. “لا تنظري للوجوه أدخلي إلى الداخل كأنك تعرفين وجهتك اتركي الحضانة أمامك وادخلي باب الذي على يساره” كانت تلك كلمات كفيلة بأن تكون فاطمة حاضرة في هذه اللحظات.

أخدت اختين في النظر إلى الصغير، تتكشف أطرافة الصغيرة، بشرته صافية شعره ناعم وغزير، أطراف يديه تميل لسمرة فاتحة “أنه سيصبح بدرجة فاتحة عندما يكبر” هكذا قالت فاطمة بينما زنبا كانت مغرمة بالتفاصيل الصغيرة، ربما لم تنتبه لبشرته، كانت تسمع دقات قلبه، وترى دماء التي تسري في عروقه، أنها ترى أبعد من بشرته التي أخذت انتباه خالته.

لماذا تتفحصنه بهذا الشكل؟؟ نظرت زنبا وفاطمة إلى برنية بعدما قذفتهما بسؤالها الذي بدى غريباً ولكنه حقيقي، وهي ترضع طفلها الذي لم يأخذ منها الكثير من وقت لتتمتع برؤيته كما فعلت زنبا!

ابتسمت زنبا بينما فاطمة قالت “وما شأنها هي!” برطانة لم تفهمها برنية

حركت زنبا بأصابعها رقيقة مكسوة بحناء على وجه صغيرها وبدأت تردد بصوت خافت أخذ في ارتفاع تدريجياً

طشة حبيبي طشة ….. طشة قليبي طشة

طشة روحي طشة …… خشمه وفمه طشه

حتى رأسه طشة …. طشة هو طشة …. طشة كله طشة

حتى أمه طشة …. حتى بوه …..!!

لم تكمل زنبا جملتها الأخيرة، حتى سألتها برنية بفضول “حتى بوه طشة ؟؟”

نظرت إليها زنبا رسمت على شفتيها ابتسامة ظافرة واستمرت في الغناء وهي تحدق في برنية غير مكثرة لسؤالها

طشة قليبي طشة … طشة روحي طشة

فضحكت برنية وكذلك فعلت فاطمة. في الحقيقة هذه لم تكن أغنية التي كتبتها زنبا قبل ولادت ابنها، هذه كلمات خرجت من تلقاء نفسها عندما احتضنت ثمرة حبها …

خشمه صغير وطشة … طشة هو طشة

طشة حبيبي طشة ….. طشة قليبي طشة

طشة روحي طشة …… خشمه وفمه طشه

مقالات ذات علاقة

تـبـدُّد..

هدى القرقني

السيدة الأُولى

عزة رجب

اثــنـان….

محمد العنيزي

اترك تعليق