قصة

أُقصوصات

من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي
من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي

أصواتهنّ:

كان يمشي وبحر كورنيش الغزالة، طرابلس تعزف ألحان شاراتٍ ندية، سماء صافية، حرارة شمس عالية، موجٌ يتسامى في تداعيه، يناجي طيباً مقبلاً من ريحانة البحر؛ راهن نغماً سلاماً قدرياً، أقبلن من بعيد، سارحات الشعر مورقات الخد، ثلاث صبياتٍ من حسنهن يغير الحسن ويستسلم، راقبهنّ باهتمام، اقتربن، حيّهنّ، توقفنَ، سألهنّ: من منكنّ أزهار؟ أجبنّ في آنٍ من دون تردد: أنا.. ضحكن قبل أن يتفوه بأيّ كلام، تابعن سيرهن، بديع حُسنهن تيّمه، تبسم الكورنيش لأجنحة الموج ومناهل الرّواد، اِبتعدنَ، ظل منتشياً برنين أصواتهن وهو يقف ذاهلاً وله في الغرام سريرة والغزالة تقف مرحة تبعث الرجاء في حقول الفلّ.

همسٌ:

صعد أدراج السلم الحديدي من جانب الوادي، وصل قوس الوادي، ملابسه صيفية خفيفة، أقبلت تمشي في عزٍّ، أقبلت من زقاق السواني؛ على وجهها ابتسامة حلوة، ناعمة البال، جدائل شعرها تناغيها نسائم ريح الأربعينية، السماء زرقاء صافية، دنت فاِقتربت فارسية السمات، أشبانيه القد، قفطانها خفيف زهري مزهري، همس في مسمعها خلسةً، لم تفهم شيء مما همس به، بعد ثوانٍ يدها في يده، ما استحسنت عينه سواها مذّ عرفها.. أسّر لها بما همس وقلبها بالغرام شجِّ.

عشر مراحب:

بعث لها سلاماً على الواتساب: خيرات، مرحبا، انتفض قلبها، نقرت بأناملها الرشيقة جبين النقال، كتبت: عشر مراحب.. تتأمل من حولها الحاضرين، تبتسم خلسة، تخشى الغرق، تجلس في صالة واسعة، راحت تراسله، كتب لها: اشتقت اليك، كتبت له: اشتقت اليك أكثر، تركت مكانها، دخلت غرفتها على أنغام احلامها، رنّ تليفونه، سمع صوتها، قال لها: أحبك، أعشقك، أموت فيك، قالت: لا تقل أموت فيك، بل قل أعيش فيك، قالها، أحست بأنسٍ رهيف، قفلت نقالها، ظلّ طوال الليل غارقاً في بحر رنين صوتها وظلت هي تشعل ضوء غرفتها الخافت حتى الصباح ولا تنام.

الدائرة:

تخرج من بيتها كل يومٍ ذاهبة للمدرسة، تومض الأحلام الشراع، مشيتها تسحر الأفئدة لوعةً، ينتظرها عند شوكة الشارع مُتيماً، تمرّ به تختال في دلالاٍ على مرمى من عينه المسافرة، يتبعها مرهون القلب مُعذبه، يمشي خلفها خجولاً متعثراً متردّد الخطو، يكتسي الشراع بالفرح، تبتسم فرحة، تعرف أنه يتبعها، تزداد تبختراً، تقف عند بوابة المدرسة، تنظر اليه بودادٍ وابتسامٍ، يراقب وجهها في براءته، يمتلئ رأسه بالتوقعات، هام في لحظ محياها، تحجّر لسانه في فمه، مضى في سبيله، واصلت النظر اليه.. هي واثقة من أنّه سيتبعها في اليوم التالي؛ وستعيده الدائرة إلى النقطة ذاتها، قرين دربها.

مقالات ذات علاقة

العالم ينتهي في طرابلس

عائشة إبراهيم

لحظة عابرة

أحمد يوسف عقيلة

سلطان الأمل

المشرف العام

اترك تعليق