النقد

بيت الدُمية

ومضات في الكتابة الليبية 7

(الصورة من اختيار الكاتب)
(الصورة من اختيار الكاتب)

نحن مرة ثانية في قصة الكاتبة أسماء القرقني.. التي تتداعى فيها الأشياء، إزاء خيانة ناصعة، دراما ملطفة التوتر بحرفية تقطير العطر الدرناوي حيث المشاهد السردية تظهر لنا خالية من صخب الغيرة وعنفها، فلا تمتد فيها يد لتصفع خداً، ولا تسقط فيها قطرة دم من إنف، ولا تُدرف فيها عينٌ دمعةً واحدة.

نحن مرة ثانية ندلف إلى استثارة “بيت الدُمية” المسرح الدي وصف هنريك إبسن ممثليه : “بمخلوقات بعيدة النظر روحياً. ترى الأشياء أكثر وضوحا عن بُعد، فالتفاصيل تربكها، وإن خير وصف للصيف إنما يقدمه المرء منهم وهو يصف الشتاء ” فنقرأ في القصة التي” تتداعى فيها الأشياء” تجاهل الساردة بضمير “نورا” لكل العلامات المؤشرة والتفاصيل المُربكة: مكالمة الزوج من جواله على شرفة البيت لشخص مجهول الهوية، تحضه على قراءة رواية “عندما تتداعى الأشياء”، ثم جلوسه على الشاطئ يمارس هوايته في قراءة الروايات .ربما رواية “عندما تتداعى الأشياء”، وعلى مقربة منهما جلست سيدة حسناء على كرسيّ من السّعف تقرأ إحدى المجلات بمتعة هي أيضا، تنادي كلبها وتزجره أحيانا عندما يأتي ويجلس بالقرب من زوجها. كل هده الدلائل المؤشرة تجاهلتها سيدة “بيت الدُمية” فقط “تفحصت المجاورة الحسناء بحسد وعجب. وتسألت بينها وبين نفسها كيف للقراءة المملّة أن تشدّها وأمامها هذا الأزرق الدافئ بكل روعته وجماله؟” وإن شعرت بألسنة الغيرة تلفحها عند رؤيتها لها” لكنها قرّرت أن تستمتع بوقتها .. فجهّزت نفسها لممارسة هوايتها المفضلة، سبحت بشغف.. أغمضت عينيّها لفترة طويلة جلبت فيها كل ما استطاعته من راحة واسترخاء “.

لشرح رؤية إبسن في قصة بيت الدمية نعود إلى مثال “قطعة الشمع” الدي ضربه لنا الفيلسوف رينيه ديكارت في كتابه “التأملات” للبرهنة الفزيقية على بقاء الماهية بعد تداعي الأشياء البرانية وإظهار مدى عدم التأكد من معرفتنا بالعالم مقارنة بمعرفتنا بأذهاننا والمهم تحري العقلانية في الحكم على الأشياء وإن تداعت مظاهرها .ويستنتج ديكارت من مثاله بعد تعريض الشمعة للهب أن ماهية الشمعة هي ليست شكلها البراني، رائحتها أو لونها أو صلابتها، وأن الحواس لا تدركها في جوهرها، بل تدرك الألوان والأشكال والصوت أي ظواهرها، المتغيرة والثانوية. فالذهن وحده القادر على إدراك جوهر الشمعة، صفتها الأساسية والأولى بما يُعرف بالنفس وليس بالحواس وهذا الشيء الذي يدركه الذهن بوضوح وتميز هو امتدادها.

ينتهي ديكارت بما يفيد السرد في القصص إلى القول أعطني امتدادا وحركة أصنع لك عالماً سردياً بضمير الدُمية “نورا” التي تُخبرنا بأنها “نظرتُ فجأة الى الشاطئ رأيته واقفاً مع تلك السيدة.. يضع يده على كتفها وربّما يضعها على وجهها، لم أكن أرى المشهد جيداً عن بعد، لكنني متأكدة أنى ارى يده تلمسها، دق قلبي بعنف، غلت الدماء في عروقي، أغمضتُ عيني بقوة وفتحتهما لأتأكد ممّا رأيت…. لكن المشهد كان حقيقة من دون شكّ….. أخذتُ أسبح بقوة للعودة إلى الشاطئ…، أبصرته بأمّ عيني لا مجال للإنكار، ليست تهيئات كما يحاول أن يقنعني في كل مرة وصلت الى الشاطئ بعد أن نال مني التعب والإرهاق، أنفاسي ألتقطها بصعوبة وعضلات قدمي مشدودة بقوة تجعلني أتأوّه من الألم…نظرت إلى زوجي وجدته مازال يقرأ روايته…. الجلسة ذاتها، الاستغراق البادي على محياه ذاته، وكأنه لم يتحرك من مكانه، أصبت بالارتباك، رحت أنظر إليه وجسمي كله يرتجف…نظر لي قائلاً بشكّ: _ـ هل أنت بخير؟ هززتُ رأسي: ـ أن نعم دون أن أنطق..، جمجمتي تكاد ان تنفجر …أكاد أُجنّ؟ هل رأيت؟ أم هي تهيئات كما كان يقول لي دائما؟”.

مقالات ذات علاقة

هل لدينا نقاد؟

أحمد الفيتوري

التشيؤ، القلق، الزيف وأشياء أخري

المشرف العام

معزوفات بكائية (بمنعطف من شارع DeWolf) للشاعرة: ليلى النيهوم.

المشرف العام

اترك تعليق