قصة

اللوحة

من أعمال المصور الفوتوغرافي طه الجواشي

جلستُ على مكتبي العتيق، أنهي بعض المهام وأشرف بنفسي على استلام أولياء الأمور أطفالهم كعادتي، ألقي نظرة بين الحين والآخر على الفناء الداخلي المغلق للمدرسة الذي تُطلُّ عليه نافذتي، أسمع بانزعاج الريح القوية وهي تزمجر وتطلق أصواتاً كالعواء في الخارج وأراقب بارتياح الأطفال وهم يلعبون ويمرحون في تلك المساحة الصغيرة الموصدة، أتأمّل بهجتهم وهم يقفزون ويركضون طوال الوقت من دون تعب أو كلل، ستراتهم البيضاء والوردية والصفراء تضارع في إشراقها ورد الجوري والنرجس المتناثرة من حولهم و تمنح المكان بهجة وحياة.

أتت مساعدتي لتخبرني أنّ التلميذة ندى ينتظرها ولي أمرها بالخارج، ناديت ندى بمكبر صوت صغير كنت أستعمله لهذا الغرض، رأيتها واقفة بالقرب من الأطفال المنهمكين في اللعب من دون أن تشاركهم، لم تكن ندى كسابق عهدي بها في العام الماضي على الرغم من أنه عامها الأول في الدراسة، كانت كثيرة اللهو والحركة وأتذكّر جيداً أنّ المدرسات كن يغفرن لها ذلك لتفوقها وتميزها.

عندما دنت بدا وجهها الصغير أصغر حجماً تحت خصلات شعرها الأسود الغزير المتهدّل بإهمال على وجنتيها، يعلو الشحوب ملامحها، وترتسم هالات صغيرة لا تناسب عمرها تحت عينيها، أقدمت بخطوات بطيئة، قالت بصوت خفيض:

_أبي سافر اليوم.

 _ من الذي أتى لاستلامك إذن؟

 هزت رأسها سلباً مشيرة أنها لا تدري.

طلبت من مساعدتي أن تستدعي من أتى لاستلام ندى كي أراه.

ولج باب مكتبي شابٌ نحيف، يرتدي ملابس أنيقة ويسرح شعره بطريقة عصرية، قال قبل أن أسأله:

_أنا ابن عمّ ندى، عمّي سافر بالأمس خارج المدينة لبضعة أيام وكلفني بمهمة توصيلها.

ازدادت ندى اقتراباً من مكتبي عندما وقعت عينها على ابن عمها… قالت بصوت مرتبك لكنه واضح:

_أنا لا أعرفه!!

فوجئت بجوابها ونظرت لابن عمها نظرة متسائلة:

 _أقسم إني ابن عمها…….

دنا منها وقال بلطف:

_كيف لا تعرفينني ينادى؟ أنا معكم كل يوم تقريبا…. من أوصلك هذا الصباح؟

هزت ندى رأسها سلباً وكررت بإصرار:

_أنا لا أعرفك!!

نظرت إلى الشاب بجدية هذه المرة وقد رابني ما يحدث وقبل أن أتكلم قال:

_اتصلي بوالدها بواسطة جوالي أستاذة وسيخبرك بنفسه.

هالني اتساع حدقتيها والأسى الذي انسكب من محيّاها وهي تستمع إلى والدها يؤكد كلام ابن عمها . قلت بهدوء:

_أنت طفلة جميلة ومهذبة…لم لا تقولين الحقيقة؟

لم تنبس بشفة لكنني عندما أمسكت كفّها الصغيرة وجدتها باردة جداً وترتجف بقوة، حسمت أمري:

_ندى لن تذهب معك اليوم، سأوصلها بنفسي …

تنفست الطفلة الصعداء وبدت علامات الارتياح جلية على وجهها، لم يعترض ابن عمها بكلمة واحدة:

_هنيئاً لك…ستوصلك المديرة بنفسها ولكن علينا ألّا نتعبها الأيام القادمة.

في الطريق إلى بيتها قلت لندى:

_غدا ائتيني برقم جوال والدتك…..

تنهدت الصغيرة تنهيدة خافتة:

_ماما تركت البيت منذ فترة؛ أبي يقول إنها سافرت.

_لماذا تركت البيت وسافرت؟ لعلها مريضة.

هزت كتفيها علامة أنها لا تدري

شعرت بعاطفة قوية وأنا اتأمل جانب وجهها، كانت تتكلم وأهدابها ترفّ بسرعة، ورأسها الصغير منكس الى أسفل وكأنها لا تريد أن ترى ما أمامها. سألتها في فضول:

_من يقيم معكم؟

_جدتي العجوز

شاكستها ضاحكة:

_ لماذا تصفينها بالعجوز؟ أنا أيضا عجوز.

ابتسامتها الباهتة التي لا تشبه ابتسامة الاطفال ساءتني كثيراً، لكنني لم أتركها إلا بعد أن وعدتها بأنني سآتي لاصطحابها باكراً في الغد.

صباح اليوم التالي كان لدينا احتفالٌ صغيرٌ للاحتفاء بالموهوبين في الرسم، نالت إعجابي أغلب اللوحات وأشدت بأصحابها وشجعتهم على الاستمرار، لفت انتباهي توقيع ندى المذيلة به إحدى اللوحات المعلقة على الحائط، بشيء من الفضول تفحصت الفتاة الصغيرة التي رسمتها، كانت تلبس ملابس مخضبة بعدة ألوان، تقف في حديقة مملوءة بالورد والعصافير والأشجار المثمرة، أثار استغرابي اتساع عيني الفتاة بطريقة مبالغ بها حتى بدا منظرها مخيفاً، بقية اللوحة تنبئ عن موهبة واعدة على الرغم من رجفة القلم الطفولي التي بدت واضحة في خطوطها المتعرجة:

_رسمك جميل جدا…. تمتلكين موهبة رائعة، لو أن عيون الفتاة أصغر قليلاً لبدت أجمل.

حدقت في وجهها لعلي أرى ردة فعلها، لكن تركيزها انصبّ على اللوحة من دون أن يبدو على وجهها أي انطباع…….

أعادت ندى الكرة عند موعد الاستراحة ورفضت أن يصحبها ابن عمها الى البيت، أصبت بالحيرة وأنا أتفحص وجهها الضئيل الذي بدا ذابلا ومتعباً، أوجعت قلبي دمعة سخية تدحرجت في سكون على خدها وسقطت مكونة بقعة صغيرة على سترتها الزاهية، ربتت على شعرها بحنو:

_لن يجبرك أحد على الذهاب…. فقط اهدئي.

نظرت الى الشاب وقلت:

_لن أجبر ندى على الذهاب معك.

بدا الحنق على وجهه وواجهني بغضب:

_مريها أن تخرج معي، أنا تركت عملي من أجلها.

قلت بتصميم وحزم هذه المرة:

_عد الى عملك يا بني…لن أجبرها على الذهاب معك.

نفرت عروق عنقه ووجهه غضباً قال قبل خروجه وكأنه يتوعدها:

_سأتصل بعمي وأخبره…..

جثوت أمام ندى بعد خروجه، وقلت بحماس:

_أخبرت أباك انني سأقوم بتوصيلك طيلة فترة غيابه.

فوجئت بها تطبع قبلة حارة على خدي وتقفز فرحاً على غير عادتها، أضفت بعد برهة:

_هيا أخبريني الآن …. لم لا تريدين الذهاب معه؟

قالت لي دون أن تواجهني بنظراتها:

_هل رأيت الطفلة في اللوحة التي رسمتها؟

أومأت بالإيجاب

قالت في همس:

_أنا خائفة مثلها.

مقالات ذات علاقة

السجّادة…

أحمد يوسف عقيلة

شيء في صدري

أسماء مصطفى

جدار ناري

سعاد الورفلي

اترك تعليق