المقالة

لم الدِّين ولماذا التديّن؟

أحمد دخيل بن زايد

صومعة جامع قرجي (تصوير: عبدالحكيم الطويل)

ثمة أسئلةٌ -على سذاجتها- تفرض ذاتها، وتستلقي أمامنا أينما اتجهنا مستبصرين بعقولنا قبل أبصارنا، هكذا تنتهي رحلاتنا التأملية ممهورةً باستفهامات تبدو بسيطةً للوهلة الأولى، إلا أنها تدق نواقيس الحيرة في فسحة الوعي لتهتز في حضرتها قواعد التفكير، فتهوي المسلمات في لحظات كهذه، حيث التدبر والتأمل وحيث يطلق العنان للعقل ليسافر على سجيته في رحاب الوجود، فتلوذ به الدهشة ويحتار ويحق له أن يتساءل.

 هكذا أجد نفسي محتفياً بالوِحدة شارداً وراء ذاتي في تيهها القديم، أكادُ أفقد بوصلة التفكير وأمضي، كمن هو أعمىً يضرب عشواءً في ليل بهيم، حتى أنني أكاد أضيع في متاهات الوجود أحياناً لولا تمسكي بمعصم العقل، ومن بين الأسئلة التي تفيض من وعاء الفكر وتمثل أمامي شاخصةً في حضرة السكون والتعقل.. ِلمَ الدين؟ ولماذا التديّن؟ وإن الإجابة على تساؤلات من هذا القبيل لتستدعي التعقل، والتجرد من العاطفة وتأثيرها، ومن الانتماء وأثره كي لا يكون حائلاً دون أن نطلق أحكامنا بكل ما تستدعيه الموضوعية.

إذا ما حاولنا الإجابة على تساؤلات كهذه فإننا نجد – ومنذ البداية – أن الإنسان كحامل لشعلة الروح، هو كائن نزّاع إلى الروحانية، وهو ما يمكن أن تجسده فكرة تعطش الروح – التي هي من أمر ربي – إلى بارئها وذلك لمعرفته وإدراك وجوده والعودة إليه في نهاية المطاف؛ غير أنه لا يمكن لنا الخوض في هذا الموضوع ضمن مضمار ضيق، لا يتجاوز صفة الإنسان في ذاته – أي كفرد بمعزل عن أبناء جنسه – فلا بد أن ننطلق من موقع الإنسان كجزء من مجتمعه، أي ككائن فعّال ومتفاعل في و مع الوسط الذي يعيش فيه، وهو ما يجسد صورة المجتمع الإنساني الذي يتكون بطبيعة الحال من مجموع أفراده، وذلك ما يفرض حقيقة أن الإنسان كائن اجتماعي بامتياز.

من هنا لا نستطيع أن ننكر مبدأ الاختلاف بين عناصر المجتمع الواحد، وهو ما قد يطرح مجموعة من التصادمات نتيجةً لتعارض رغبات الناس وتوجهاتهم، الأمر الذي ينتج كما من المشكلات التي لا شك أنها ستؤثر سلباً على سير الحياة داخل المجتمع الواحد؛ ناهيك عن فرضية الاختلاف بين مجتمع وآخر في ظل ضرورة التواصل بين بني الإنسان، كنتيجة للتقدم الحضاري الذي أحرزته الإنسانية عبر مراحل التاريخ وصولاً إلى عصرنا الحاضر.

لذا كان لزاماً على الإنسانية أن تبحث عن حلول تسهل سير الحياة وتجعلها مشتركة للجميع قدر الإمكان، وذلك بتحقّق قدر من القيم والأخلاقيات التي من شانها أن تسمو بالإنسان وتحفظ  له إنسانيته، أو تقلل – على  أقل تقدير – من وحشية الإنسان ضد أخيه الإنسان، إلا أن لو تمعنا في  نزعة  الإصلاح هذه وتأملنا جذورها لوجدنا أنها لم تكن نزعةً إنسانية صرفة في بدايتها، فالله سبحانه وتعالى لم يخلقنا عبثاً، وإنما أراد للإنسان أن يتمتع بحياته مبتعداً عن غرائزية ومقبلاً على التراحم والتآخي، فبعث سبحانه رسله عليهم السلام كمصلحين في مجتمعاتهم وكانت مرجعيتهم في هذه المهمة العظيمة – مهمة الإصلاح- الكتب السماوية بتعاليمها السامية التي تدعو إلى التآخي والتآزر ونبذ الظلم والتسامح، في ظل العدالة والمساواة وما سواها من القيم المؤسسة لمجتمعات إنسانية متحضرة وراقية.

وقد أدى هؤلاء الرسل عليهم السلام الأمانة أمام الله عز وجل على أكمل وجه، و حاولوا جاهدين دون كلل ولا ملل إصلاح مجتمعاتهم فآمن من آمن وكفر من كفر، ويمكن أن نخلص هنا إلى أن الذين آمنوا يمثلون في حقيقة الأمر تلك الفئة ممّن فضلوا المحبة والتآخي، ونبذوا الكراهية والاستعلاء على الآخرين، أي أن هؤلاء المؤمنين قدموا نموذجاً أو رؤيةً لمجتمع متجانس يعيش في كنفه الجميع متساوون بعيداً عن أي تمييز بين أبنائه ومكوناته، وهذا ما نادت به كل الرسالات السماوية على مختلف أسمائها والمجتمعات التي أنزلت من اجلها، إلي أن أرسل الله تعالى نبيه الخاتم – محمد صلى الله عليه وسلم – للناس  كافةً مبشراً بآخر رسالة سماوية والتي يجسدها القرآن الكريم بلسان عربي مبين .

ونستخلص ممّا تقدم أن المجتمعات البشرية في تلك المراحل كانت بحاجة  ملحة إلى من يصلحها  من الداخل، ويزرع بها القيم الأخلاقية الضامنة للحياة السليمة والتعايش بين أبنائها، من هنا نستطيع القول أن أهمية الاقتداء بالرسل عليهم السلام تأتي في إطار ما قدموه من نماذج للإصلاح وتشييد صرح الإنسانية على أسس متينة؛ وما الإيمان إلا كلمة تختزل هذه الرؤية ذات النزعة الإنسانية المحضة، التي ظل هدفها بناء الإنسان كفرد في جماعة أي الإنسان كجزء  من مجتمعه، من هنا يمكن أن نردف أن حتى تحريم فعل الظلم وحسابه العسير في سياق آياته المتعددة  في القرآن الكريم، لم يكن إلا للفت انتباه الإنسانية بأن المجتمعات لا يمكن لها أن تتقدم في حين أن يسودها الظلم، فإذا كان الظلم ظلمات فأنّى لمجتمعات يسودها أن تبصر طريقها فتسير في دروب الأنوار ؟!

وبما أن الإنسان هو محور الحياة على هذه الأرض فلا يمكن أن نتصوره لاعباً لأي دور بنّاء وهو مظلوم مهان منكسر؛ فالإنسان لا يصير إنساناً ما لم يتمتع بإنسانيته كاملة والإنسانية لا تتجزأ، وانطلاقاً منها يمكن له أن يكون قوياً فاعلاً مؤثراً في محيطه الاجتماعي.

هكذا لا يجب أن نسلط الضوء على الأنبياء من حيث تقديسهم فحسب كون أنهم مرسلون ومكلفون بمهمة إصلاح أقوامهم من قبل الله عز وجل؛  وإنما علينا أن نضع حياتهم وتجاربهم في سياقها التاريخي الإنساني، أي أن نعطي لتجاربهم المريرة بعداً إنسانياً، فهم بشر كرمهم الخالق جل شأنه وكلفهم بإصلاح ما أفسدته قوى الشر في هؤلاء الأقوام، غير أنه من المفيد أن نقيّم تلك المزايا التي تميز بها هؤلاء عن من سواهم حتى أُنيط بهم مهمةً عظيمةً هي مهمة التبليغ بوجود إله واحد ووجوب الإيمان به وعبادته، ومن ثم الانخراط في حياة يحرم فيها الظلم، ويحق في ظلها الحق لكي يتمتع كل إنسان بحياته مكرّماً بعيداً عن أي احتقار أو إذلال .

علينا إذن أن نعطي أهمية للإمكانات العقلية والفكرية لهؤلاء الأفذاذ، حيث إنهم تميزوا بأخلاق هي مضرب للأمثال في المروءة والنبل كالصدق والأمانة والكرم والإيثار، هذا إلى جانب العبقرية والنبوغ  وما كان لهم من روح التسامح والصبر على الأذى، وانطلاقاً من موقعهم كمصلحين فقد تمتع الرسل عليهم السلام بروح الرحمة والحب تجاه أبناء جلدتهم فلم يستعجلوا العذاب لهم من قبل الله عز وجل إلا بعد أن فُقد أمل الإصلاح في من جحد وكفر منهم؛ فصار وبالاً على قومه وعقبة كأداء أمام قيام الدين، أي إقامة النظام الضامن لكل ذي حق حقه ونبذ الظلم وطغيان فرد على فرد أو فئة على فئة، أي قيام مجتمعات متحضرة محورها الإنسان.

إن الدليل على أهمية التأكيد على البعد الإنساني في هذه التجارب المريرة – تجارب الرسل عليهم السلام – هو ما خلصت إليه آخرها؛ أي تجربة محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم، حيث أنها توّجت ببناء دولة قدمت نموذجاً يحتذى به في تاريخ البشرية قاطبةً، وذلك لما جسدته من مبادئ العدالة والمساواة وانتصار للإنسان كجوهر لهذه الرسالة، هكذا بزغ نور هذه الدولة الفتية من يثرب – المدينة الدولة – فأخذ يعم حتى طال سائر أرجاء المعمورة، ونتذكر في هذا السياق تلك التصنيفات الغربية الحديثة لأفضل أو أعظم مائة رجل في التاريخ، حيث نجد محمداً ابن عبد الله يفرض نفسه من بين هؤلاء، ولم يأت ذلك تعاطفاً وإنما جاء نتيجةً للدور الذي لعبه صلى الله عليه وسلم في تحويل مجتمع كان يسوده الجهل وتعمه الضغينة؛ إلى مجتمع متآخٍ متسامحٍ فشيّد دولته التي اتسعت رقعتها واضحت ظاهرةً ضاربة حتى أنها ضاهت قوىً عظمى في ذلك الوقت، كالفرس والروم بل إنها تفوقت عليها، وإن هذا النجاح الباهر ما كان ليتحقق لأحد من العالمين إلا وأنه قد أخذ بأسبابه مخلصاً النية من أجله.

إن الدوران في فلك المقدس من شأنه أن يحجب علينا رؤية هؤلاء الرجال العظام الذين اختارهم الله تعالى ليكونوا رسل خير واستقامة إلى أقوامهم؛ لذا فإن تأملهم كرجال مؤثرين داخل أوساطهم الاجتماعية التي كانوا يعيشون فيها يجسد صورتهم أمامنا، لنرى كيف لعب هؤلاء دور النصح والإرشاد كمقدمة مهدت لمشاريع إصلاحية كبرى، ويمكن القول أن تجربة الرسول الخاتم تختزل سابقاتها، من هنا لنا أن نتأمل محمد قبل الإسلام الذي عرف بالصدق والأمانة بين بني قومه وهو ما شهد به البعيد قبل القريب، وهكذا تتجلى لنا صورة محمد الزوج ومحمد الأب ومحمد الناصح ومحمد المقاتل ومحمد الصابر على الأذى ومحمد المعلم والسياسي والمفكر الذي يتساءل عنه الكثيرون إلى أيامنا هذه، إنه باختصار … محمدٌ الإنسان.

مقالات ذات علاقة

شهيدات الجمال ودودة الإبداع

سالم العوكلي

مسئولية المـثـقـف(1)

المشرف العام

سرقة الإعلام الليبي

المشرف العام

اترك تعليق