قصة

سيرةُ كرسي*

محبوبة خليفة


دَخَلتْ إلى البيت المَهَيب الشكل العريق التاريخ، وقد مرّت عليه عائلات طرابلسية وتناوبت على سكناه مراراً ثم استقر الحال بساكنيه الآن…

هو بيت عزاء يمتلئ بالمعزيات يتجاذبن أطراف الحديث ويتذاكرن مناقب الرجل الكريم ابن إحدى أعرق عائلات هذه المدينة الذي عاصر مراحل عديدة من تاريخها، عهد الاستعمار وعهد الاستقلال وهذا العهد…

دخلتْ هذه السيدة إلى الصالون الصغير مستطيل الشكل وقد اصطفَّت داخله كراسيٍ من خشب الماهوجني الفاخر ناعمة الملمس وكأنها ملمس حرير لا خشب، تحيط بصالون تركي المزاج والصنعة، ألقت نظرة على المكان وكان غاصاً بالنساء الملتحفات فراشياتهن* فهن في عجلٍ سيقدمن واجب العزاء ويخرجن ليُتِحن لغيرهن الجلوس وهكذا.

كان يقبع وحده في ركن بعيد، ولم تمتد له يد، وكان الكرسي الوحيد الخالي، فدنت ومدَّت يدها لتجذبه فحَرَن وأعادت الكرة وأعاد الفعل فارتعبتْ وترددتْ، هل تسأل النساء حولها عما تراه أو تصمت فقد يصفنها بالخَبَلْ وينجو الكرسي بفعلته.

ابتعدت مرتعدةً وبها شك فما جرى لابد أنه جرى وإلا ما الذي يربكها فتقف مذهولة، غير أنها أعادت البحث ووجدت ضالتها في كرسي آخر رحَّب بها، ودنا فَدَنتْ، ورضيَّ فأقبلتْ، لكن عيناها ما تركت ذلك المتمرد الحَرِنْ، حتى دخلت ابنة المتوفي وحدَّجت بنظرها صوب الجالسات فصاحب السيادة يبدو أنه قد حركته يدٌ ما، وواضح أنه تعرض لاعتداء غريبةٍ لا تدرك قيمة حضرة المبجل سليل الحسب والنسب.

دنتْ الفتاة منه فبادلها نظرات الدهشة والعتب مما حلَّ به فأعادته لمكانه فالتصق بأرضه واستند للحائط واستعاد وعيه وقد غاب جراء ما جرى. هذا المتعجرف الذي لا يلين إلا لصاحبه يبدو للرائي وكأن أشكال متجعدةٌ أو متموجةٌ أو منقطةٌ أو على شكل قطرات المطر تظهر وتختفي كلما زارته أشعة الشمس في ركنه الدائم فيزدادُ بهاءً وكِبَرْ.

وبينما غص المكان بالمعزيات هرب هو بعيداً هذه المرة، ودخل تاريخاً آخر ظَلَّ في ظِله لزمن ٍطويل ما برح يتذكره ويستعيده فلا هو نسيه ولا الزمان أنساه إياه.

كان سيِّدَهُ إثم كأنه نارٌ على علم وكان وكان. كان كلما ناداه حاكم ليتولى وزارة يأخذه معه، يجلس به أينما وضعوه وعندما ينسحب ينسحب بكرسيه، لم يقترب يوماً من كراسيهم، كان ينفر منها فتنفره، والحب محبوب ومحب ولم يكن يوماً لا هذا ولا ذاك.

تقلَّد اغلب وزارات البلد وكرسيه معه لا يأمن لعربة نقل تأخذه بل يضعه معه في نفس العربة التي تحمله لمكان عمله الجديد والطارئ. استشعر الكرسي العظمة ولم يستشعرها صاحبه يوماً! حدّث أحد السفراء صاحب الكرسي معجباً بكرسيه، متعجباً من لونه وزخارفه ودقة صنعته، وكأنه تاريخ متنقل من وزارة لأخرى، وسأله لما لم ير مثيله في مكاتب زملائه؟ فجاوبه: لأنه لا مثيل له، ولا مثيل لهم.

عادا في إحدى المساءات معاً، توسل له: أن خلاص تعبتُ، وتعبتَ، أعدني لمكاني وعد لمكانتك لا مجال للمزيد.

سمع وما سمع! وتوالى -في اكتمال القمر كمال الجمال في ساحة بيته الداخلية المكشوفة- حديث المكاشفة بينهما فاستراح فلاحتْ ابتسامة فخفَّ التعب وعلا وجيب القلب فتقدم الكرسي لصاحبه فجلس وجالسه وتم الوعد أن لا عَودٌ وأن أوان الكمون قد لاح وأن القادمون الجدد لن يطرقوا بابه وحتى وإن فعلوا فسينكرون عليه هذا الكرسي إن اشترط رفقته بل وربما أحالوه ركاماً.

أرعبته الفكرة، فخاف وأخفى رعبه وانكفأ واكتفى، وأوصد بابه بعد أن أعاد رفيقه إلى مكانه ومكانته العَلية وبعد أن جالسه واهدأ باله.

دخل لغرفته وخرج منها في الصباح محمولاً على الأكتاف. ضجّتْ المدينة على رحيله ورحلته الشريفة العفيفة، وجاءت النساء يعدِّدنَ مناقبه ويواسين بناته وفي خضم الألم لم يعرنَ انتباهاً للمكلوم، وما أظهر من الحزن وما كتم، حتى جرى من المرأة ما جرى فأبدى اعتراضه فليس بعد صاحبه صاحب، ولن يلين لطلبٍ للجلوس ولا للراحة من أحد.

وهذا ما كان من سيرته…

___________________________

* نظرة واحدة مني لهذا الكرسي وبعض همس حول المكان وعراقته واستقبال صاحبه لرجالات الوطن في بداية تأسيسه راكمتْ هذا السرد، فما هو إلّا ابن خيالات الساردة!

* فراشياتهن: الفراشية أو الجرد هو لباس الخروج الأبيض للنساء الليبيات.

مقالات ذات علاقة

توتة عمي “بومدين”

عزة المقهور

عجوز القايلة….

مقبولة ارقيق

العزيزة

محمد النعاس

اترك تعليق