طيوب المراجعات

مراجعة المجموعة القصصية: بنت أبيها

إيمان محمد – مصر

مخطوطة بنت أبيها للكاتب والباحث عبدالحكيم الطويل

مراجعة المجموعة القصصية: بنت أبيها
تأليف: عبد الحكيم عامر الطويل.
الناشر: دار فانتازيون للنشر والتوزيع.

العمل عبارة عن مجموعة قصصية تنتمي إلى أدب الخيال العلمي، تضمنت إحدى عشرة قصة بالرغم من كونها منفصلة إلَّا أنَّها مجموعة على خطٍ واحد وعالم واحد تقريبًا وهو العالم المبني على قواعد العلم بإضافة صبغة تخيلية لما يمكن أن يصل إليه التطور العلمي.

رُتِّبت القصص على النحو التالي:

«لغز المقبرة»

تسير أحداث القصة في إطار واقعي لا تلمح فيه أثرًا لخيال عن رجل يدفعه فضوله لاستكشاف أثر قديم مجهول، حتى تصدمك اللمحة الخيالية قُبيل النهاية، وهي على بساطتها أعطت القصة لونًا مميزا.

«مشكلة حَمل»

بخلاف القصة الأولى بدا الإطار الخيالي واضحًا منذ بداية القصة، حيث تتحدث عن مهندسة تُدعى “تازيري” تعمل في مستوطنة بشرية خارج كوكب الأرض، لكن احتفظت القصة كذلك بمفاجأة خيالية في نهايتها.

«الحق في الحب»

هذه القصة تبدو كقصة اجتماعية عادية لولا أنَّ بطلتها فتاة آلية تبحث عن حقها في الحب وتطالب به في مرافعة قضائية أمام البشر.

«قتل.. أم انتحار»

هذه القصة مبنية على فكرة الاستنساخ، حيث يُتهم شخصٌ ما بقتل نسخته ويتم التحقيق معه فيبدأ في مناقشة المحقق بشكل فلسفي حول اتهامه بهذا القتل.

«مرشد سياحي على القمر»

هذه القصة أيضًا قصة اجتماعية تدور في إطار خيالي، عن مرشد يقود رحلات شركة سياحية لآثار القمر، فيستعرض شكل الحياة المتخيَّلة هناك ويذكر المواقف التي حدثت له مع روَّاد هذه الرحلات.

«ورطة تشكيلية»

القصة هنا مبنية على الآليين وعلاقتهم بالبشر وتطور ذكائهم الاصطناعي من خلال تصوير حياة فنانة تشكيلية تقتني آليًا مُطوَّرًا لإدماجه في حياة التشكيليين في المستقبل.

«محطة (كايبر) النووية»

هذه القصة تحتفظ بالصبغة الخيالية من أولها لآخرها، تتحدث عن محطة نووية مقامة على كوكب بلوتو، عمالتها تتكون من الآليين مع إشراف طفيف من البشر، تحتفظ القصة بمفاجأة في نهايتها كذلك.

«مذكرات آلي»

تحمل هذه القصة فلسفة خاصة، تتناول وجهة نظر آلي للحياة البشرية ويصف معاناته التي واجهها خلال الفترة التي عاشها بين البشر، فيسلط الضوء من خلال الآلي على تصرفات البشر وسلوكهم.

«بنت أبيها»

تتبنى هذه القصة فكرة الاستنساخ مع توظيف بعض المعاني الحياتية ضمن القصة، وتحمل مفاجأة في نهايتها.

«ورم الحنين»

تتحدث عن بشري يتورط كجندي في حرب إجبارية ثم يستطيع الهرب إلى مكان بعيد عن البشر حيث يعيش الآليون والكائنات الأخرى حياة هادئة بلا مشاكل، ولكن تعود آلام الحنين إلى الوطن لتنغص عليه حياته الهادئة تلك.

«عكس النهر»

تتبنى هذه القصة فكرة السفر عبر الزمن، تتحدث عن عجوز متحسر على خطأ صنعه بالماضي فيقرر العودة بالزمن لتصحيحه ولكنه ما إن ينهي رحلته حتى يجد نفسه في حاضر كالجحيم مع انعدام الفرصة لإعادة الوضع كما كان، تناقش القصة قضية القدر والمصير.


الكاتب والباحث عبدالحكيم الطويل (الصورة: دار فانتازيون)
الكاتب والباحث عبدالحكيم الطويل (الصورة: دار فانتازيون)

اشتركت هذه القصص جميعًا في قواعد العالم الخيالي فهي متصلة ببعضها بخيط آخر غير تسلسل الأحداث، مما جعل وصفها بالمخطوطة القصصية ملائمًا تمامًا.

الكاتب نجح في تمهيد الأمر للقارئ، حيث جاء ترتيب القصص متدرجًا، فجرعة الخيال في القصة الأولى طفيفة ثم تزداد في القصة الثانية وتزداد أكثر في الثالثة حتى تترسخ في ذهن القارئ قواعد هذا العالم، حتى تصل إلى قصص مغرقة في الخيال، ولو تغيَّر هذا الترتيب لشعر القارئ بخلل ما.

تنوعت أفكار القصص وتبنت موضوعاتٍ مختلفة ذكرتها في وصف القصص لكن ما بدا مميزًا هو بساطة الكاتب في عرضها وسلاسته في تناولها وكأنها قواعد طبيعية مما يضعك في حالة من التعجب والاستمتاع.

استعمل الكاتب اللغة الفصحى سردًا وحوارًا فجاءت ألفاظه سهلة غير ضغيفة، وتراكيبه قريبة للفهم، مع احتفاظ أسلوبه بمسحة فلسفية ناقدة للعديد من القضايا في المجتمع ضمنها ببراعة في النص فدمج لون الخيال الفريد بالدراما والفلسفة العتيقة.

لا يخفى تمكُّن الكاتب من هذا اللون النادر في الأدب العربي، مع ذلك أصابني الضيق من متابعة السرد في بعض القصص فقد بدا مملًا وهو -برأيي- ما لا يجب أن أشعر به أثناء قراءتي لهذا اللون من ناحية ولكونها مجموعة قصصية من ناحية أخرى، فهي لا تحتمل وجود سرد ممل يمكننا التغاضي عنه كما في الرواية.

لكنِّي مع ذلك استمتعت كثيرًا في أغلب القصص وتركت بي أثرًا مميزًا، وأخص منها: «مذكرات آلي- ورم الحنين- عكس النهر». أتمنى أن أقرأ رواية من هذا اللون للكاتب قريبًا.


اقتباسات من المجموعة:

1-“يعتقدون أن كل من حولهم مثلهم؛ طبعًا فاللص يظن الجميع لصوصًا، والصادق يظن الكل صادقين. لا أدري إن كان هذا مديحًا لي أم سوء فهم، لكن ليس بالضرورة أن أكون غريبة أو مريضة أو مضطربة نفسيًّا إن كنت لا أستطيع تلبية رغباتهم.”

2-“في ذلك اليوم تذكرت تلك الحكمة البشرية العتيقة (الحرص لا يكلِّف شيء، والإهمال باهظ الثمن!) غير أنني أضفت عليها في تقريى الجولة:
– «خصوصًا حينما تكون في جولة سياحية باهظة الثمن.. على سطح القمر!»”

3-” هل يمكن اعتبار الرسم محاولة لتجسيم حلم؟ أم أفكارًا عابرة؟ أقصد حينما تقتطعين من وقتك الخاص للجلوس هنا ماذا تفعلين بالضبط؟ أنت لا تكتبين أفكارًا أو وصايا، ولا حتى ترسمينها، أنا أرى خطوطًا ملونة شبه عشوائية، لم أفهم ماذا تفعلين بها، إلا إذا كنتِ تحاولين تجسيد أحد أحلامك الليلية، أم هو رد فعل لتفاعلنا مع الحياة؟ حتى ولو، لم أفهم كيف نعرضها على غيرنا بلا شروح؟”

4-“لم ينجح البشر أبدًا في تحقيق العدالة والحياد والنية الصالحة، حتى أن الكثيرين منهم يعتبرونها عيوبًا، ومعيقات لطموحاتهم! لذا عملت أقلية طيبة ذكية منهم على صناعة آليين مثلي، ليقوموا بتلك المهام المستحيلة على البشر!”

5-“في عهد الرئيس الآلي لم تعد مصطلحات (التهميش) و(البطالة) و(الفقر) و(الجهوية) معروفة!”

6-“كان هذا الاقتتال يحدث ما بين جميع أنواع كائنات الكوكب، لكن بزعامة نوع يعتقد أنه الأقوى لأنه الأعقل! كنت تجد قتالًا ما يينشب في مكان ما بمجرد أن يخمد قتال آخر قبله! تعددت الأسباب والنتيجة واحدة: دمار، موتى بالآلاف، ومقابر جديدة تُحفر دائمًا.”

7-“أريد العودة إلى حاضري الذي كنت أتأفف منه؛ فقد أدركت أنه أنسب لي! بل أجمل حاضر يمكن أن أعيشه في حياتي!”

8-“أدركت عندها أنني دفعت ثمنًا باهظًا لمعاكستي مصيري؛ من الواضح أن قراري آنذاك وأنا قليل الخبرة كان أعمق وأحكم من قراري التالي وأنا في منتصف العمر، أو أنه كان منسجمًا مع خطوط القدر الطبيعية الأبدية.. أي تلك المعادلات الصحيحة التي سار ويسير وسيسير وفقها الكون دون أي خطأ، كنا نتبعها بلا إدراك منا لأهميتها، كنا نُسلم لها أنفسنا مثلما تُسلم أشرعة السفينة صدورها لرياح الطبيعة.”

9-“يسخرون منَّا بصفتنا مجرد عبيد عليهم إطاعة الأوامر، لا يجب أن تكون لدينا حقوق إطلاقًا، لا مشاعر، ولا عواطف، ولا تبعاتها من زواط وقاعد وإجازة. هذا على أي حال ليس غريبًا عن البشر؛ فقد مارسوه على بعضهم البعض فيما مضى؛ حيث استعبد بعضهم بعضًا لأسباب أقل حُجيَّة من هذا.”

10-“لكنها كانت أكبر صدمة اهتزت لها حياتي؛ فقد فهمت الآن بصعوبة شديدة لماذا رفضت الشركة كل طلبات نقلي من هذا المكان الفقير الخطير، كما أدركت سر تلك الأقراص وشرائح الطاقة الخاصة التي ظننتها طعامًا بشريًّا مميزًا حكرًا على الصفوة كما كان يُقال لي! خدعوني حتى بالسوائل والفضلات التي كنت أخرجها دوريًّا كما يفعل البشر! نعم، لأنه تبين من سيرتي الذاتية الطويلة المدونة هنا أمامي أنني… إنسان آلي”

مقالات ذات علاقة

إطلالة على كتاب “إطلاق طاقات الحياة” للدكتور مصطفى حجازي (1)

علي عبدالله

جمال العبارة و رمزية الإشارة

مريم سلامة

باحث ليبي يرى أن الفقه المذهبي غدا في طريقه إلى الزوال

المشرف العام

اترك تعليق