
إعراب ومعنى آية…!!
قال تعالى: “ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين” (سورة الحجر: الآية 47)
عزيزي القارئ الكريم..
مازال حديثنا موصولاً مع حلقات (شذرات لغوية) نقطف من خلالها بعض آي القرآن الكريم كي نتعرف على اللغة والإعراب والتفسير لفهم المعاني والمقاصد والأحكام تفاديا لتفشي اللحن وفساد النطق والكتابة معا.
وفي هذه الآية الكريمة قد استمعت لها من خلال القارئ وكأنني أسمعها لأول مرة عندما كرر كلمة (ونزعنا ما في صدورهم من غل) والنزع يدل على الاستئصال ومدى عمق المشقة لهذا المرض الخبيث والمستوطن بمثابة سوسة تنخر في الكيان، ومن ثم تجسيد الشيء المعنوي إلى مادي للتوكيد على حجم الضرر و أهمية علاجه، وقد جاءت كلمة (غل) أيضا نكرة لتدل على الشمول والعموم وتحرك العقل والفهم والإدراك لدرجات هذا الغل الذي يتحول إلى حقد وحسد وكراهية مفردات تقشعر منها الجلود والأبدان وتُخرس منها الأرواح وتقطع الاوصال بين الفرد والمجتمع هكذا.
* أولاً – الإعراب:
الواو: حرف استئناف.
نزع: فعل ماضٍ مبنيّ على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك.
و “نا”: ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ رفع فاعل.
ما: اسم موصول مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول به.
في صدورهم: جارّ ومجرور متعلّقان بـ “فعل محذوف تقديره: استقر.
وجملة “استقر في صدورهم” صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب.
و”هم”: ضمير الغائبين مبنيّ في محلّ جرّ بالإضافة.
مِنْ غِلٍّ: جارّ ومجرور متعلّقان بـ “حال محذوفة من الموصول “ما”.
إخواناً: حال منصوب بالفتحة.
عَلَى سُرُرٍ: جارّ ومجرور متعلّقان بـ “أصبحوا”.
مُتقابلين: حال منصوب بالياء، لأنه جمع مذكر سالم.
وجملة “ونزعنا ” استئنافيّة لا محلّ لها من الإعراب.
* ثانيا المعنى العام:
وقد جاء في كتب التفسير عند الطبري وابن كثير بعض القول:
وأخرجنا ما في صدور هؤلاء المتقين الذين وصف صفتهم من حقد وضغينة بعضهم لبعض.
واختلف أهل التأويل في الحال التي ينـزع الله ذلك من صدورهم.
فقال بعضهم:
ينـزع ذلك بعد دخولهم الجنة.
وقيل إن معنى كلمة (غلّ) في القرآن الكريم
من الفعل ” يغل ” يخون، ومعنى ” يغل ” يخون، ويحتمل معنيين:
أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته.
والآخر يخون أن ينسب إلى الغلول.
ثم قيل: إن كل من غل شيئا في خفاء فقد غل يغل غلولا.
ومن ثم سميت غلولا لأن الأيدي مغلولة منها، أي ممنوعة.
وثمة فرق بين الحقد والغل والغبطة على النحو التالي:
فإن (الحقد):
هو الغل الشديد.
وأما (الحسد):
فهو تمنى زوال النعمة عن الغير.
وأما (الغبطة):
فهي أن يتمنى نيل وتحصيل مثل تلك النعمة. والغبطة مباحة بدون أن يتمنى زوالها عن غيره، وقد تسمى في اللغة حسدا.
= مع غل القلب:
تعريف الغلّ:
هو العداوة المتأصلة المتغلغلة في القلب، وهذه العداوة هي كراهية تصاحبها رغبة في النفس للانتقام من الشخص المكروه إلى درجة إنهائه من الوجود، وهذا الغلّ يلزم أن يكون مذموماً دائما قولا وعملا.
وأخيرا ً بعد هذا العرض الموجز للخطوط العريضة لهذه الآية الكريمة وتسليط الضوء على مفهوم (الغل) وخطره على الفرد والمجتمع، وأرى أنه أخطر أمراض العصر بلا أدني مزايدة ومكاشفة بالحقيقة فقد نعايشه ليل نهار وآثاره السلبية والمدمرة السلامة القلب والجسد وهو سبب لكل نقيصة ومفتاحا لكل آفة شر باتت تهدد السلم الاجتماعي وتنغص الحياة وتوابعه المزلزلة من حقد وحسد وكراهية ونقيصة وتمني زوال النعم عند الأخرين والانتقام منه في صور وأشكال متعددة دائما.
فيا رب انزع من قلوبنا الغل والحقد والجسد والكراهية وطهرنا من كل شر.
وعلى الله قصد السبيل.