قصة

الاختيار

فوزي البشتي

الذكرة الأولى لرحيل الكاتب فوزي البشتي

من أعمال التشكيلي مرعي التليسي

ويتثاءب ، فتسقط خطوط الزمن على مساحة وجهه العريض المتهدل، تتمدد كأفاع ضئيلة تغزو جبهته وأسفل ذقنه. تسقط (طاقيته) على أرنبة أنفه الدقيق الشامخ، فيعيدها إلى مكانها.. فيما يترك لجسده المترهل المنهك حرية التمدد على الأريكة القديمة الموضوعة وسط شرفة حجرته في الفندق .

تنغرس ابتسامة على شفتيه ، تحمل تعبيرا غير محدد، يحاول أن يبحث لها عن معنى، لكنه كان مرهقا ومليئا بكثير من الأحاسيس الغامضة، وكان مقتنعا بأن الوقت ليس مناسبا لمقارعة الهموم.

منذ غادر قريته واقلته سيارة الأجرة المتهالكة التي قادته إلى المدينة. وهو يمتلئ بهواجس غريبة لم يعهدها من قبل.. حاول أن يبعد نفسه عنها، لكنه لم يستطع، تحادث وسائق السيارة، دخل في جدل طويل مع راكب يجلس إلى جواره، كان حديثا طويلا أحس معه أن الراكب هو الآخر يريد أن يهرب من شيء ما في أعماقه، أنهى الحديث فجأة وأخذ يتأمل الأشجار المرصوفة على جانبي الطريق.. وعاودته نفس الهواجس.. قال في نفسه: 

– أنه سوف ينساها بمجرد وصوله الى (المدينة) التي أمضى عمره كله دون أن يراها سوى مرات قليلة، لعل هذه هي المرة الثالثة أو الرابعة، لا يدري بالضبط! وقد تغيرت حتى ما عادت نفس المدينة التي رآها منذ أمد بعيد.

قالوا له: 

– أن حفلا كبيرا سيقام في المدينة يحضره (الملك) ومجموعة من الناس (الكبار).. وسوف يجمعون كل المجاهدين، سيعلقون على صدورهم قلائد نحاسية ، وسيعطونهم مبلغا من المال، وستنشر صورهم في الجرائد.. قالوا كلاما كثيرا.. لكنه فقط يريد أن يرى المدينة، فمثل هذه الفرصة لا تتكرر كثيرا.

عندما وصل، قادوه إلى (الفندق) وأعطوه مفتاح حجرته وطلبوا منه أن يصعد ليرتاح.. لكنه لم يتحرك من مكانه. تجمد الدم في عروقه وهو يرى وجوها كان يعرفها تماما.. قال في نفسه:

– إذا كنت سأقف مع هؤلاء في صف واحد فتلك هي الكارثة.. الذين لا يعرفونهم قد لا يهتمون بالأمر، أما أنا فإنني أعرفهم جيدا، رصاصاتهم كانت تثقب صدور المجاهدين – وخياناتهم سببت أكثر من هزيمة، ومع ذلك يقفون اليوم في صفوف المجاهدين!! 

أحس أنه مهزوم تماما، وداخلته فورة غضب ذكرته بشبابه، عندما كان هذا الغضب يعني موقفا.. ولكن ما حيلته الآن.. وقد أخذ منه الزمن كل شيء، ولم يبق له سوى الأحزان.. والمواجع؟!

في الغد تتكرر الهزيمة، ويعاوده الغضب من جدید.. سيبدأ الحفل، وسيتواضع (الملك) نفسه، ويجيء ليصافحهم، بكل بساطة يتواضع (الملك) ويمد لهم يده واحدا واحدا ويصافحهم.. وماذا لو انحنی الواحد منهم تلو الآخر وقبل يده؟ ليس في ذلك عيب، بل العيب كل العيب في رفض هذا الأمر، لأن معنى ذلك أنه ليس مجاهدا؟! بالاضافة الى أنه قد يكون من أولئك الذين يرون رأيا آخر لا يحب (الملك) أن يسمعه.. ربما لا يستطيع أحد أن يعرف ما تخفيه النفوس، لكنه بالتأكيد لن يكون أكثر من ذلك، فقد قالوا لهم: 

– أن (الملك) هو الذي قاد كل المعارك، وحرر البلاد ولولاه ما تحقق شيء؟! 

وامتلأت أعماقه بالأسی، فهو يعرف الحقيقة على وجه الدقة، يعرفها بعدد الندوب والحفر التي يمتليء بها جسده الواهن، بعدد الجثث التي سقطت في مواجهة عدو لا يرحم قرب هذا الشاطيء نفسه، وسط هذه الساحة بعينها وعبر هذه المساحة الزرقاء الهائلة من المياه، التي تلتف حول المدينة، كانت بوارجهم تقذف بالحمم.. لكنهم أبدا ما استطاعوا أن يطأوا الأرض.. فقد تحول المجاهدون الى جدار صلد لا يخترقه الرصاص، ولا تهده مدافع البوارج، كان الشعب بأكمله هو القائد.. فلماذا يستوردون هذه القيادة المزيفة ويكذبون على الله؟!

من نافذة شرفته جالت عيناه عبر شوارع المدينة الهادئة، يتذكرها جيدا.. هذه الشوارع، ما تغير فيها شيء منذ زارها آخر مرة.. جاءها فارسا شابا، يمتطي صهوة جواده وعلى كتفيه بندقيته القديمة، ولم يكن أحد في استقباله سوی ترابها الأسود وأشجار النخيل والزيتون، ومدافع الإيطاليين التي كانت تنتشر على طول الساحل مثل بقع سوداء تشوه هذه المساحة الهائلة من الزرقة والصفاء.

كان واحدا من الشباب الذين لم ينتظروا الإيطاليين حتى يتوغلوا في الداخل، ويغتصبوا الأرض -سمع النداء فترك كل شيء ولباه- انضم الى رفاقه، وذهبوا الى حيث ثبتت مدافع العدو تنشر الدمار، ليس في أيديهم سوى بنادق قديمة متهالكة عفى عليها الزمن، ويقين ثابت بان الأرض أرضهم، ولا أحد يستطيع أن ينتزعها منهم!

وهكذا انطلق الفرسان إلى المدينة، وكان واحدا منهم. ولم يكن ثمة مبرر للخوف أو الحزن، فالذهاب إلى الموت في سبيل الوطن شرف لا يناله سوى القلائل الذين يهبون أنفسهم للوطن.

إیه ما أتعس تلك الأيام واحبها إلى قلبه أيضا!! كانت تحمل من المواجع مثلما تحمل من العزة والكرامة، وقتها كان الرجل رجلا.. والإيمان ما يزال متأصلا في النفوس، وذرة واحدة من التراب تساوي كنوز الدنيا بأجمعها.. آه لا تعلمون أن هذه الأرض ليست مجرد تراب، إنها مزيج من الدماء وجثث الشهداء الذين لا يذكرهم أحد!!

كان يجلس في الشرفة وقد القى رأسه الى الخلف، فيما كانت يداه الواهنتان تتمددان في دعة على ركبتيه.

كان مسند الأريكة الخشبي يقلقه، وأشعة مصابيح الشوارع تنغرس في عينيه مثل سهام حادة، لكنه كان يحاول أن يصطاد دفقة نسيم تنعش جسده المنهك، عاودته نفس الابتسامة الساخرة، فما كان يتصور أن الإنسان يمكن أن يقضي ليلة وسط هذا النتوء الزجاجي المربع الذي يلتصق بنافذة حجرته، لكي يصطاد النسمات، فقد تعود دائما أن يتمدد وسط نسیم صاف لا تخنقه الجدران أو تزعجه أشعة المصابيح الكهربائية التي تنغرس وسط الشوارع الخالية، بقعا صفراء لا مبرر لها.

اكتنفه الليل الجائر الخانق الذي أصبح الآن يلف الشوارع، كان الصمت كئيبا حقا، لم يكن كصمت قريته الذي كانت أوراق الأشجار خلاله تبدأ أغنياتها الرتيبة المنعشة وبدا كما لو أنه لم يكن هناك أحد غيره في هذا الفندق العتيق الملئ بخليط عجيب من البشر.

واصلت مروحة السقف دورانها الممل، الذي يضرب دون جدوى، الهواء الخانق الذي لا يمكن التغلب عليه، وأخذت الحرارة تنبعث من كل ركن في الغرفة فيما كانت الرطوبة تملأ الجدران، وتخنق الأنفاس. تألق العرق على وجهه، ومن وقت لآخر كان يجففه بمنديل عریض علقه على باقة قميصه الطويل الواسع الأكمام، كانت أنفاسه مجهدة، لأن هذه الأعوام قد أخذت منه ضريبتها، لقد أمضى الكثير من الليالي الساهرة.. لكنه الليلة عرف أنه لن يكون بمقدوره مواصلة السهر.. فك أزرار قميصه، واسقط بلفته الصفراء الجديدة، وكان باستطاعته أن يرى عصاه المفضلة تلمع بزخارفها في الركن حيث ترکها. و تحول الى الشرفة من جديد، وأخذ يتنفس بصعوبة، واتضحت معالم التجاعيد بحدة على وجهه البرونزي الذي يكسوه العرق، وتقوس بعض الشيء ذلك الشارب الكث الذي أصبح الآن مبللا.. أخذ ينظر إلى الشجرة الضخمة المظلمة التي تبدو أكثر إظلاما من الليل، كانت ترتفع فوق الشرفة وتنصهر في الظلام كما لو كانت تنتظر اللحظة التي تستطيع فيها أن تخبر العجوز بالكثير عن حياتها الطويلة قال لها: 

– لماذا أنت مزروعة هنا مثلي، غريبة عن عالم لا يمت إليك بصلة؟ إن هذه الأحجار المتراكمة الشاهقة والشرفات الزجاجية اللامعة، ليست لك، كما إنها ليست لي، إننا وحيدون وسط هذا الركام الجامد الذي يملؤنا إحساسا بالمرارة والاختناق.

أخذت المروحة تلف وتدور وهي تواصل مطارداتها الدفقات الهواء المتقطعة الساخنة .. عندها قرر العودة إلى سريره.. وتمدد، وعلى شاشة الرؤى المعتمة سبحت مشاهد اليوم الطويل الذي انقضى دون فائدة.. كان متعبا، لكنه في ليلة مؤرقة كهذه لا يستطيع إلا أن يتغلغل في سراديب ذكرياته، ويتجول عبر السنين القريبة والبعيدة ، ويحرك الذكريات التي أصبحت أساطير.. لكن جسده المنهك العجوز لم يستطع أن يغالب خدر النوم الذي بدأ يسري في أوصاله.

تسلل ضوء الفجر من النافذة فأيقظه، ولم تكن النسمات اليفة ومنعشة كما تعودها، لكنه نهض وصلى الفجر، ثم شرع في جمع حاجياته وارتداء بقية ملابسه.. وما إن هم بمغادرة الغرفة حتى سمع طرقات حادة.. فتح الباب، قابله موظف سمين يرتدي حلة إفرنجية وطربوشا.. ذكره بالموظفين الأتراك الذين كان يراهم كثيرا في طفولته، قال له: 

– غنهم ينتظرونك هناك.. لا تتأخر.. فكل المسؤولين حضروا، وملأوا المنصة في انتظار (الملك) وكل رفاقك أيضا.. لا تتأخر كثيرا.

لم يجبه .. أغلق باب حجرته.. تفقد بقية حاجياته، ثم غادر الفندق على مهل.. كانت قاعة الفندق غاصة بالإيطاليين.. نفس الوجوه التي ملأت جسده بالرصاص والشوارع كانت مليئة بالصخب، ومزروعة بنفس الوجوه الحمراء تنتشر كالوباء عبر الطرقات.. وصور (العجوز) الذي جعلوا منه (ملكا) تغطي الجدران، وأحس أن بقاءه هنا خيانة… أحس انه يخون نفسه ويخون رفاقه… أحس أنه في هذه اللحظة بالذات ينبغي أن يختار.. إما أن ينهي حياته ذليلا، وأما أن يظل حرا كما كان دائما؟ كان يعرف أنه قد بلغ نهاية المطاف، فتسعون سنة ليست بالزمن القصير. اتجه إلى محطة الحافلات ليعود إلى قريته.. وفي أعماقه يقين ثابت بأن الأكاذيب لا تدوم طويلا وأن الحق سينتصر في نهاية المطاف.

في المساء فتح جهاز المذياع، وسمع المذيع يردد اسمه ضمن قائمة المجاهدين الذين انحنوا أمام (الملك) ليعلق في أعناقهم قلائد من نحاس.. ضحك طويلا ربما لأول مرة في حياته، ضحك حتى فقد وقاره المعهود.. وتحسس عنقه طويلا.. إذ ربما نجحوا في وضع هذه القلائد النحاسية على رقبته وهو لا يدري.. ربما..!!

لكن الاطمئنان ملأ أعماقه من جديد، ربما لأنه يدرك تماما أن الذين حملوا السلاح حقا في وجه العدو لا يمكنهم أن يركعوا أمام الخونة.


نشرت: مجلة الثقافة، العدد: 3-4، 1 مارس 1982م.

مقالات ذات علاقة

التاكسيستي

عزة المقهور

جيتارة المدينة

المشرف العام

نَظَرِيّات

اترك تعليق