قراءات

قراءة في كتاب جديد

يوسف الغزال

كتاب (في ما مضى) للكاتب يوسف خشيم
كتاب (في ما مضى) للكاتب يوسف خشيم

صدر كتاب ظريف دمه خفيف بعنوان (في ما مضى) للكاتب يوسف خشيم. الكتاب من القطع الصغير يحتوي على 83 صفحة صغير الحجم سهل القراءة، تتصدر الغلاف صورة لمرأة بالزي الليبي تجلس على القوز رمل وخلفها غابة خضراء من نخيل، الكتاب صادر عن دار ومكتبة الشعب مصراتة.

توقفت كثيرا عند صفحة الإهداء، الكاتب يهدي كتابه لمن يستحقه إنه (عمي الشوكي) كنت أعرفه أنا وجيلي منذ الطفولة في عقد الستينيات. هذا الرجل الموسوعة التي تمشي على الأرض إنه (أبو التراث الشعبي) وأبو الاطفال جميعا، يغني لهم ويفرح بهم أينما وجدهم، كان عمي الشوكي موهبة مسرحية وراوي وحكاواتي، كنا نسمع منه كل الآلات الموسيقية يؤديها بفمه والنقر بأصابعه على خده. كان مسرح متنقل، ولا أبالغ لو قلت عمي لشوكي غرس فينا حب المسرح، دون أن ندري، كان يقدم عروضه وهو يمشي في الشارع وكان الناس كبار وصغار يجدون فيه الفنان الذي يبعث في نفوسهم المتعة والبهجة. كان بعيدا عن الإبتذال، مبدع بالغريزة لا يعيد حكاية، بل له القدرة تقديم الحكاية القديمة في إخراج الجديد، رحم الله عمي الشوكي كان يلقب بأبي الصغار مات لم يتزوج ولم يكن له ولد من صلبه يحمل اسمه، ها هو كتاب يهدى لشخصه وهو ينام في قبره ويحمل اسمه.

كتاب (في ما مضى) هو جزء من مشروع أدبي تراثي كبير أنجزه الكاتب يوسف خشيم وهو المعروف (مغناة السيسبان).

لم يعرف الأدب الليبي عمل فني درامي متكامل يجمع بين الكلمة واللحن، وعمل مصاغ في لغة شعرية غنائية يجمع بين الحدوثة والأهجوزة والخرافة في بناء درامي له أركانه من بناء الشخصيات وتعدد الأصوات وتباين مشاهده وتكامل لوحاته.

النص السردي مصاغة بضمير المتكلم للراوي أو البطل وهو يحاور مرأة ويستذكر معها (في ما مضى) عندما كانت طفلة جارته تشاركه في اللعب مع صبيان الجيران بين الحيشان. النص حوارية غنائية بين رجل ليبي ومرأة ليبية تسترجع فيه صور ومشاهد حية كما عاشوها في ما مضى من العمر.

الكتاب يبدأ بمقدمة يشرح فيها ما يراه ضروري لمشاركة القارئ له في تصور أبعاد الموضوع والولوج إلى مكنوناته، حيث شرح بيئة اللعب وظروف الزمن التي كانت سائدة في الخمسينيات والستينيات، لم يكن في سوق مصراتة في ذلك الزمان محلات لبيع الألعاب البلاستيكية أو الإلكترونية أو الهواتف الذكية. كان الطفل يعوض فقر البيئة بزيادة مهاراته في تصنيع اللعبة وكيفية اللعب بها، وكما يقال (الحاجة أم الاختراع).

مغناة السيسبان يتصاعد فيها تعاقب الاحداث مع تصاعد مراحل العمر من مرحلة الطفولة المبكرة أو (المهد) من (المُهاهاة) قبل النوم في الدرجاحة الربَّاج والدعاء له بنوّْمة هانئة تقول:

نوم الهني يا غالي

والعافية والسعادة

تزازي الملايكة بيك

ترقد من غير رادة.

ثم أغاني وأهازيج تعبر فيها الأم عن فرحتها بالخطوة الاولى للوليد حيث تغني وتستحثه.. تبديل الخطوة تغني:

ديدّْش حبّْ الرمان

ديدش خبزة ودهان

ديدش يا سعد خواته

ديدش أمه جاباته.

ديدش يصبّْي بروحه….

الفنان المسرحي يوسف خشيم.
الفنان المسرحي يوسف خشيم.

ثم يستذكر الرجل سنين صباه ويستعيد ذكريات فقي الجامع ولوح القرآن والقلم والدواية وفي لغة عذبة منظومة يقول:

الجامع وقت انعدوله

سيدي الشيخ يحفظنا

دوايا وقلم إنقلوله

ولوح وطينة في إيدينا

وقت المرواح إنقولوله

سلم سيدي سرحنا

يقرى في قراية معدولة

حط عظامه في الجنة.

إلى مرحلة الطفولة المتأخرة وخراف الجدة على السدة قبل النوم. ثم يأتي على ذكر الالعاب الشعبية بأسمائها المعروفة مثل (كمادي كمادي) أو(التيرة) او (الحيلّة) كل هذا الالعاب تتحول بقلم الكاتب إلى مشاهد حية مصاغة بحميمية وجدانية. تشد انتباه القارئ أو السامع لها.

ثم يتناول كثير من العادات والتقاليد الموسمية التي يساهم فيه الاطفال مثل (المولد النبوي) وخروج الصبية والبنات في مسيرات ليلية يحملون الشموع والقناديل ويغنون بصوت جماعي…

هذا قنديل وقنديل

يشعل في ظلام الليل

هذا قنديلك يا حوا

نوار مفتح من توا

اشعل اشعل يا قنديل.

يمر الزمن ويكبر الصغار تحجب البنت عن رفاق اللعب من أولاد جيرانها ويظل الود بينهما دافئ فيه جمال وبراءة الاطفال. هذه الحميمية يوظفها الكاتب ويخرجها على لسان شخصياته بروح إنسانية مصاغة في نغمة وجملة لحنية من ذات البيئة المحلية.

نسج الكاتب المغناة بشكل لوحات متجانسة، بين الفصول الأربعة ويجعل من كل فصل لوحة جديدة. لوحة الربيع تبدأ الحوارية بين الرجل والمرأة بنص شعري مسرحي جميل مصاغة بروح فيها نغمة حنين لما مضى من سنوات العمر تقول المرأة:

تتفكر وقت الربيع يهل

يغرد الطير ويفتح النوار

والشمس من خلف السحاب إتطل

تبعث حياة في اليابسة تخضار

وكيف ما يتلاقى خل فاقد خل

نلاقوه بالفرحة مع الافجار

نمرح معاه بين شمس وظل

يسمع غناوي من لحن الأطيار.

تم يذكر كل ما قيل في موسم الربيع وما به ومن عادات وتقاليد والتي منها حفلة كبيرة تسمى (ملاقاة الربيع).. فصل الصيف يأتي ليقضي على فصل الربيع حيث تجف الزهور وتسقط البذور وتدفن في التراب لعام قادم.

يختتم فصل الربيع بترحيب المرأة بفصل الصيف تقول:

يا مرحبا بالصيف ينزل علينا ضيف

نعيش الفرح في أيامه خفيف مثل الطيف

يجيب المرح قدامه والحب ليه رديف

وعلى شواطينا الفضية نلعب بلا تكليف

حويشات وسط اميه وتغني غناوي الصيف.

تم تتوالى العاب الصيف ونسق الحياة فيه وما طبيعة الالعاب التي تناسبه دون غيره من المواسم الأخرى.

ثم فصل الخريف ويعقبه فصل الشتاء ويدور الزمن دورته ليعود الربيع من جديد وتنبت بذور الربيع الماضي أزهار وحقول نوار ثم يأتي الصيف، فصول وتتعاقب في دوامة دائمة ونحن نكبر ونفنى ويترك جيل سابق المسرح لجيل قادم.

كتاب (في ما مضى) يشكل مع كتب أخرى وثقت لجانب من الموروث الشعبي مثل كتاب (طيح سعدك) الكاتبة فريدة الحجاجي وكتاب (صباح الخير طرابلس) للكاتبة جمعونة مادي حلقة دراسية لوحدة التراث الليبي ونجحت هذه الكتب في تقديم اللهجة الليبية كوعاء فني ولغة تصلح لتقديم العمل الدرامي.

وأخيرا… أود التنويه إلى أن جمع وتداول التراث الشعبي، هي الوسيلة الوحيدة لحفظ هوية وماهية الأمم والشعوب، وأن العملية التربوية والتنشئة الوجدانية لا تتم بدون حفظ الأمهات ما يعجبها من أغاني التراث وتغنيها لوليدها لما في ذلك من ممارسة الامومة الفاعلة الناطقة بالحياة وبهجتها، إن الامومة الصامتة تجعل الطفل كئيب بليد لم يتذوق الالحان وحرم جمال الصور والمشاهد التي تغرس في الطفل الذائقة الفنية ويستطيع أن يعيش الحياة بعمقها واتساعها، وهذه الاهازيج تساعد الطفل على النمو اللغوي، وتساعد على بناء جسر متين من التواصل الوجداني بين الأم ووليدها.

مقالات ذات علاقة

اللغة والسؤال والعذوبة المحكية في شاعرية محمد الدنقلي(*)

يونس شعبان الفنادي

5 روايات ليبية تُنسيك هموم السفر

نهلة العربي

مراجعة كتاب الشخصية الليبية… ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة 1/2

فوزية بريون

اترك تعليق