طيوب عربية

نساء فوق الرصيف

من أعمال التشكيلية خلود الزوي.

نساء فوق الرصيف

نورالدين بن بلقاسم ناجي (بنقردان- تونس)

 كنت أسير في الطّريق دون أهداف واضحة؛ موحش هذا الرّصيف دون عشّاق يقطفون الأزهار؛ موغل في إضراب الصّمت عن الكلام؛ يستقبل الظلام ببطء؛ كم من أقدام وراء أقدام اعتدت على شعاراتك المكتوبة فوق حيطانك وقد تهدّمت أجزاء كبيرة منه؟ بمرور الزمن لم تعد الشّعارات تثير أيّ شخص؛ كأنّها تحقّقت بعد اندلاع الثّورة وما عليك إلاّ أن تكتب شعارات جديدة تنسجم مع الوضع الرّاهن؛ أشجار القرنفل تحجب الرّؤية؛ أشجار الصّنوبر تمنع تقدّمي نحوك؛ كم من أقلام مفكّرة وراء أقلام ثائرة كتبت على حيطانك؟ لماذا لا تتمرّد على تلك الأقلام وقد اختارت أن ترسم على جدارك قلبا يخترقه أكثر من سهم قاتل؟ لماذا لا تنتفض على تلك الأقدام وقد ارتدت نعالا ممزّقة تسير على رصيفك دون أهداف واضحة؟ حتّى الإسكافيّ رفض رتق ثقوبها المتعدّدة وهي حسب تصوّره لم تعد تصلح للاستعمال الشّخصيّ؛ لم تعد تتحمّل أقدامك الثّقيلة؛ لم تعد تتحمّل مشاركتك في مظاهرة صاخبة ترفع فيها شعاراتك المندّدة بسقوط النّظام الدكتاتوريّ؛ وقد سخر منّي الإسكافيّ حين أغريته بدفع أيّ مبلغ ماليّ يطلبه؛ المهمّ عندي أن يصبح الحذاء صالحا للاستعمال أوقات الأزمات الصّعبة؛ هو لا يعرف أنّي أستعدّ إلى الدّخول في اعتصامات واحتجاجات كبيرة تطالب بالحريّات؛ وقد ندخل في مواجهة غير مأمونة العواقب ضدّ قوّات الأمن؛ أخشى أن يخذلني حذائي في تلك المواجهات مع وحدات التّدخل السّريع لفرض النّظام بالقوّة؛ لا أريد أن يقال هرب الجبان وقد كرهت أن يسقط حذائي أرضا في تلك المواجهات يتخلّلها كرّ و فرّ ؛ أخيرا حسم الإسكافيّ أمر الحذاء حين قال: لقد أخذ هذا الحذاء المصنوع من الجلد حقّه في الحرب الطّويلة ضدّ الإرهابيّين فوق ذلك الرّصيف؛ احتفظ به في بيتك أو في أيّ متحف حربيّ أثريّ؛ فكّر أن تشتري حذاء آخر تتوفّر فيه عدّة مواصفات عاطفيّة يجلب النّاظر إليه من بعيد؛ فكّر أن تشتري حذاء جديدا  تخوض به معاركك في الحرب القادمة ضدّ الإرهاب؛ هذا الحذاء المنتفخ من المشي المتورّم من البرد مصاب بصداع شديد في مستوى الرأس؛ ويعاني من ارتفاع متواصل في ضغط الدم؛ حتى التّدخّل الجراحيّ السّريع لا ينفع معه لأنّ الشّعارات التي ناضل من أجلها أكبر منه حجما ولذلك سقطت كلّ تلك المبادئ كما سقط الحذاء في مرض خبيث لا علاج له؛ أو ربّما مرّ صاحب الحذاء بتجربة عاطفيّة فاشلة بعد عدّة معارك فاشلة خاضها على الميدان؛ أصبح في رتبة جنديّ متقاعد؛ حزّ في نفسي أنّ هذا الرّصيف الأنيق  لا يرفض استقبال أيّ حذاء توغّل على أرضه؛ لا يرفض أن يستمع إلى شكواك في قصص الحبّ والغرام مهما كان نوعها أو شكلها؛ يتعامل مع كلّ الاقدام عاشقة أو معشوقة بعدل ومساواة؛ يشجّع كلّ الجنود على مواصلة الحرب حتّى تحقيق النّصر؛ وقد تكبّد عدّة خسائر؛ لكنّه مع مرور الوقت أصبح يميل فقط إلى استقبال أحذية العشّاق يسهرون في تلك البطحاء إلى ساعة متأخّرة من الحبّ وقد لقبه المارّة برصيف العشّاق؛ سألت الرّصيف ذات مرّة على محمل الجدّ: لماذا لا تنتزع بالقوّة حقوقك المهضومة بالقوّة من تلك المحلاّت التي استولت على أرضك وانتهكت بيتك أو شرفك؟ لماذا توسّعوا على حساب حقّك الشّخصيّ في الحبّ وسط ذلك الرّصيف؟ لماذا تخفي نداءك إلى من تحبّ وسط نداءات أولئك الباعة؟ انت تعرض في هذا الرّصيف تفاصيل حبّك وهم يعرضون تفاصيل بضاعتهم؛ هل تحوّل الحبّ في حياتي إلى بضاعة تعرض في الطّريق؟ لماذا تخفي فوضى مشاعرك وراء فوضى المارّة في ذلك الطّريق وهو يغرق بالعشّاق وقد جاؤوا من كلّ حدب وصوب حتّى يتنافسوا أمام تلك المحلاّت على شراء أحدث الملابس الداخليّة؟ لماذا انسحب هؤلاء العشّاق فجأة؟ لماذا احتلّت أرضك فئة أخرى من العاهرات لا يخرجن إلى أرضك إلاّ بعد منتصف اللّيل؟ من أعطاهم الإذن بذلك الانتصاب الفوضويّ؟ هل هجروك صدفة ثمّ عادوا إليك صدفة؟ انت تستقبل بفرح تلك الأحذية المتنوّعة؛ منها السّوداء والحمراء والبيضاء؟ أنت تعطيهم فرصة نادرة لتحقيق نشوة نادرة؛ الجميع لا يمارس هوايته المفضّلة في التّدخين إلاّ فوق هذا الرّصيف؛ كأنّ السّجائر المبعثرة تذكّرهم بحبّ سابق لن يعود بعودة الرّوح إلى الجسد؛ لماذا اختارت تلك الأحذية النّاعمة تمشي بمرح… بفرح… بحزن أن تهرب إلى تفاصيل جسدك يذوب في ذلك الرّصيف؛ لماذا اختارت تلك النّعال الرّقيقة أن تترك على ترابك أكثر من رسم يدلّ على فرحة غامضة لم تتحقّق بوجودك في غياب وجودك؛ هو يتحدّى هؤلاء المترّجلين كما يتحدّى الموج العاصفة؟ يحتويني هدير الأمواج كصهيل حصان دمشقيّ يشقّ أمواجا من المترّجلين؛ يحتويني أثر أقدامك الصّفراء كدبيب النّمل في الصّحراء؛ تترك الأحذية الحمراء على الرّصيف عدّة اغنيات؛ رقصت عليها طربا ذات اليمين وذات الشّمال؛ أهرب من حزني وسط حزني؛ أشتاق إلى فرحي وسط فرحي؛ أسمع عدّة أغنيات ثوريّة يتسلّى بها عاشق ثوريّ؛ أما الآخر فقد اختار أغنية عاطفيّة تثير الأحزان وقد أخذ يترنّم بها تعبيرا عن حزنه على فراق حبيبته و قد ضاعت وسط هؤلاء المترجّلين على أطلال ذلك الرّصيف؛ لقد شاركته إحدى المترّجلات نفس الإحساس بالأزمة العاطفيّة؛ نعم شاهدتها تتسلّى بأغنية قديمة” عاشق ليالي الصبر مدّاح القمر…عشق العيون السّود غواني طول السّهر” نعم رمقتها تمشي في شارع السّعادة دون شعور بالسّعادة؛ كانت تمشي واثقة من قدراتها الفنيّة على إغراء كلّ العشّاق و الإطاحة بهم في صفّ واحد من نظرة واحدة؛ ها هي تتبرّج في مشيتها مثل أكبر عارضات الأزياء والموضة؛ تحافظ على غرور ضروريّ يصعد بها إلى النّجوم في سمائها؛ أغرتني فسقطت أجري وراءها؛ لم أكن واثقا من قدراتي الفنيّة على الإطاحة بها من أوّل لقاء اعترضت فيه سبيلي…

   بعد مسافة طويلة قطعتها عارضة الأزياء وهي تمشي متبرّجة تخاصم النّجوم في السّماء وقد كشف نسيم بارد أنحاء هامة من تفاصيل جسدها يندفع كالموج لا ساحل له؛ رأيتها تمشي على الأقدام مسافة يوم أو يومين وراء تحقيق الأحلام قالت: هربت خوفا من الازدحام الخانق وسط المدينة الخانقة؛ هربت من القطط السّائبة تتسلّق الجدران؛ نعم هربت من كلب  مفترس يجري ورائي في ساعة متأخّرة من الفجر وقد فقد الإحساس بالنّشوة؛ بصعوبة تخلّصت من القطط والكلاب؛ سألتني بإلحاح عن شارع الفرح دون أن تشعر بالفرح؛ سألتني عن مقهى الحبّ دون شعور بالحبّ يتخلّله حبّ وسط ضياع الإحساس بالحبّ….تلعثمت…أصابني ما أصابها من ارتباك شديد حين تجد أمامك جسدا فاخرا طريّا ضائعا دون عنوان محدّد…. ادّعت أنّها عابرة طريق وقد جاءت من مدينة أخرى تسكنها نشوة أخرى؛ أجبتها بحرقة ردّا عن سؤالها عن معنى السّعادة؛ قلت: عفوا لا أعرف شارع السّعادة لأنّي لا أشعر بالسّعادة؛ لا  أعرف مقهى الحبّ لأنّي في حياتي ما أحببت أو فكّرت في تحقيق الحبّ؛ أعرف فقط شارع العشّاق قرب تلك الحانة التي لا تفتح أبوابها إلاّ في ساعة متأخّرة من النّشوة؛ اذهبي على يمينك ثمّ خذي الاتجاه إلى اليسار بعد ذلك المنعطف الدّورانيّ يوجد هناك جنوبا رصيف طويل يسكنه عشّاق منظرهم كالأشباح وهم يتدافعون بازدحام وسط ازدحام في صفّ طويل؛ كلّ واحد ضرب موعدا وهميّا مع حبّ وهميّ قد يلتقي به صدفة قبل فوات الاوان؛ نعم قبل أن تغلق حانة “السّرور” أبوابها ونوافذها في وجه كلّ واحد من الرّجال المزدحمين دون سبب واضح يريد أن يفوز بتحقيق النّشوة قبل الآخر؛ وقد نصحتها اسألي أيّ عابر سبيل أو أيّ عاشق يحمل في عينه علامات تدلّ على أنّه مازال عاشقا عن العنوان الذي تبحثين عنه؛ لكن أحذّرك لا تسألي شخصا لا يحمل في عينيه أثر حبّ ما تركه في مكان ما؛ قد يأخذك أحدهم متعمّدا إلى عنوان آخر أو كتاب آخر لا يتضمّن في صفحاته أيّ إشارة إلى الحبّ الذي تبحثين عنه وقد حذّرتك من ذلك؛ شكرتني على حسن اهتمامي بها. قبل أن تنصرف باحثة عن تفاصيل ذلك الشّخص الذي يحمل في عينيه و يديه علامات عاشق؛ اختزلت عليها المسافة؛ قلت: أنا أشبه عاشقا رأيته ولا أعرفه… يمكن أن أرافقك مسافة محدّدة في طريقي وأنا أتّجه غربا إلى مكان غير  محدّد شرقا؛ نحن التقينا صدفة وقد شكرتها على عبورها صدفة على هذا الرّصيف القصير وقد كشفت أضواء الطّريق أجزاء مغرية من تفاصيل ثوبها الحريريّ القصير يحمل عدة ثقوب؛ لم تعطيني نظرة واضحة؛ لم أفهم أين اختفت ياء النّداء؛ لم أجد حرف النّداء من قريب أو بعيد… كرهت واجهات المحلاّت؛ كرهت الأضواء الخافتة حجبت عنّي طريقي إلى تلك الثّقوب؛ غابت على الرصيف افترشت الأرض والتحفت السّماء… لم ترفض طلبات الصداقة من أيّ عابر سبيل؛ نعم لم ترفض طلبات الإعجاب من أيّ عابر طريق؛ احتّلت فتاة الرّصيف بجمالها كامل الطّريق؛ هي لم ترفض رغم غرورها الشّعريّ جلوس كلّ العشّاق من المترجّلين يكتبون الأشعار على أطراف الذكرى وسط الذكرى في بقايا ذلك الرّصيف؛ خلّفت خطواتها الحثيثة على الطّريق عدّة ضمائر تدلّ على حبّ تحمله ضمائر الغيبة: هو؛ هي؛ هما؛ هم…؛ الجميع صاروا من ضمائر الغيبة… كنت أراقب من مسافة قريبة دخان سجائرك يترك في السّماء طبقات من السّحب البيضاء وقد طارت كالحمام فوق رؤوس هؤلاء المترّجلين من العشّاق وهم يتسابقون وراء قميصك ولم يبق منه إلاّ ما يبقى من الأشباح؛ الجميع انتحروا كالأشباح لا يتركون أثرا إلاّ كالأشباح؛ سرنا معا في الطّيق نتبادل نظرات خفيفة تخلّلها حوار عسير عن ثورة الياسمين.

    على الرّصيف تركت إحدى بائعات الهوى شميما حلوّا؛ الجميع طالبوا فتاة الرّصيف بتحقيق الاحتياجات العاطفيّة لهم؛ أحدهم رأيته يسرق من آخر الرّصيف آخر نشوة تركتها أجمل أنثى خرافية الحسن مرّت من هنا صدفة داخل صدفة ضائعة لا يمكن أن يصطدم بها إلاّ عند الاحتلام؛ فجأة عثر أحدهم على نشوة ضائعة وسط مجلّة ضائعة في أوّل الرّصيف؛ تعرض المجلّة الأجنبيّة صورا مخلّة بالآداب العربيّة وقد تضمّنت عاهرات أجنبيات يكشفن عن نهودهنّ يطلبن اللّذة؛ لم يجد الشّحّاذ في ذلك الطّريق وسط آخر طريق إلى بيته الفارغ من النّشوة حرجا في اغتصاب تلك العاهرة و قد أغواه جسدها الفاجر وسط تلك المجلّة الفاجرة؛ نعم وجد في تلك المجلّة ما لم يجده في الواقع؛ أعطته العاهرة على الورق ما رفضت أن تعطيه عاهرة أخرى بمبلغ لا يملك إلاّ نصفه؛ كم شعر بالإهانة لأنّ إحداهنّ أعطته نشوة مزيّفة تساوي أو تناهز في حجمها نصف المبلغ الذي طلبته مقابل تحقيق نشوة كاملة؛ أخيرا اختار الشحّاذ من تلك المجلّة أجمل صورة فيها مواصفات عاهرة كان يحلم أن ينام معها ليلة كاملة؛ رأيته سعيدا وهو يحمل تلك المجلة بين يديه كأنّه يحمل لأول مرّة في حياته حبّا فيه نشوة إلى الأبد؛ وقد حزّ ذلك في نفسي؛ حتّى النّشوة تبدو كأنّها لا تبدو؛ حتّى الحبّ يتجلّى كما يتخفّى فوق ذلك الرّصيف المليء بالمغامرات العاطفيّة؛ نسيت أين ذهبت فتاة القميص وقد أغرت المارّة بذلك الميني جيب؟ ربّما ابتلعها الرّصيف؛ توارت عن ناظري كأنّها حمامة؛ فعلا هي حمامة مميّزة فيها كلّ مواصفات الفراش الملوكيّ اللّيليّ.

   أيّها الرّصيف الطّويل؛ أنت تعرف أحلامنا و أسرارنا؛ أنت يقصدك كلّ العشّاق كي تحلّ أزماتهم العويصة؛ لا تجد حرجا عندما تستقبل كلّ الهاربين من بيوتهم يبحثون فعلا عن بيوتهم وقد فقدوا الاستقرار في بيوتهم؛ كلّ المترجّلات أعطيتهنّ أحلاما وسط أحلام جديدة في الحياة؛ لا ترفض إقصاء شخص يحمل ملامح شخص طلب منك خدمة عاطفيّة؛ يتوفّر الرّصيف على كلّ المرافق الحيويّة من ماء وكهرباء وإسعاف وشرطة وحماية؛ كم استنجدت بجدرانك العتيقة؛ أبحث عن حبّك العتيق؛ عندما تغلق الحانات أبوابها؛ أرتمي في أحضانك؛ أخيرا كتب على باب الحانة بخطّ غليظ “ممنوع الدخول” يمنع منعا باتّا دخول العشّاق دون حبّ؛ أي دون رفيق يعطيك ما تحبّ؛ لم أجد العاشقة التي أبحث عنها؛ خطر لي أثناء محاولتي اليائسة للدّخول إلى الحانة خلسة أن أستظهر بصورة عاهرة من عاهرات تلك المجلّة؛ اكتشف البواب مؤامرتي؛ مزّق المجلة إربا إربا؛ ضاعت نشوتي وسط نشوتي؛ حسدت أحدهم لأنّه عثر بسهولة في الطّريق الخلفيّ المنزوي على عاهرة و قد سرق منها موعد نشوتي؛ وقد فكّرت في إطلاق الرّصاص عليه انتقاما لمقتلي وقد ضاعت نشوتي داخل نشوتي .

    عدت إلى الرصيف أبحث عن فتاة الميني جيب؛ سلبت عقلي؛ نهبت نشوتي؛ يتوفّر رصيفك المرتفع عن الأرض بمقدار كفّ من الحبّ على نشوة غامضة وأنا المعذّب في الليالي دون حبّ لا يوجد حبّ…يذوب اللّيل وسط ثقوب تركها العشّاق على الرّصيف وهم يسهرون في آخر الرّصيف ؛ انت صديق قديم في الحبّ نادر الوجود في الحب؛ لم ترفض مدّ يد المساعدة إلى كلّ من يقصدك أو يدخل ترابك زائرا من بلاد بعيدة؛ يفتح الرّصيف على عدد كبير من  الملاهي الليليّة الصّاخبة بالرّقص والغناء؛ أنت ملتقى العشّاق من الفقراء؛ أنت ملتقى الحبّ في ساعات متأخّرة من اللّيل؛ لا ترفض نداء العشّاق إلى الصّلاة حتّى آخر الفجر؛ حتّى قيام اللّيل؛ حتّى قيام السّاعة؛ أنا أستغيث بك؛ أستجير بك؛ لا أملك إلاّ أن أجلس فوق ذلك الرّصيف أرفع الدّعاء والبكاء؛ أعطيتنا كلّ بقايا سجائرك؛ اعطيتنا كلّ قلبك؛ لم ترفض مشاعري؛ كم شاهدتك في منتصف اللّيل تستقبل “بائعات الهوى” وهن يستعرضن فنونهن في الإغراء؛ شعارهن مكتوب بعلامات مميّزة على الرّصيف؛ أمام كلّ علامة “قف” تجد شعارهنّ “الجسد مقابل المال” هنّ لا يجدن حرجا في الانتصاب ببضاعتهنّ المميّزة في سوق أصبحت معروفة تجلب لهنّ عدّة زبائن؛ تؤمّن لهنّ مورد رزق قار وغير قار؛ إحداهنّ قالت: خرجت وراء لقمة العيش؛ الظروف صعبة؛ لابدّ أن أعمل بعرق جبيني؛ لا بدّ أن أجد مورد رزق قار؛ جسدي مقابل عيشي؛ هذا شعاري وأنا أفتخر به؛ هو شعار يحقّق لي الحدّ الأدنى من ضروريّات العيش؛ رأيتهنّ غير بعيد يجلسن وسط قطار طويل؛ كثير العربات؛ كثير المحطّات؛ يعجّ بالمسافرين؛ هنّ يبعن للرّاغبين تذاكر النّشوة القصيرة؛ هذا السّوق حسب آخر تقرير صحفيّ في إحدى الجرائد النّاطقة بالفرنسية غريب وعجيب يخضع الى قانون العرض والطلب؛ وسط طابور طويل جلس أحدهم ينتظر دوره في تحقيق النّشوة البعيدة؛ هو الرّجل الأخير؛ جاء يبحث عن النّشوة الأخيرة؛ طلب وقتا أطول من المسموح به حسب قانون العاهرات؛ مقابل ذلك تعهّد بأن يدفع ضرائب أكثر؛ يبدو أنّه رجل ثريّ لا تهمّه الفوائض الماليّة؛ بقدر ما يهمّه تحقيق الفوائض من أقصى النشوة التي احتفظت بها تلك العاهرة إلى السّاعة الصّفر؛ اختار أن يبقى في الأخير حتّى يفوز بالنّشوة الأخيرة؛ قبل إخلاء المكان من الزوّار؛ كم مرّة أغوتني إحداهنّ بالنّزهة معها؛ عرضت عليّ مشاهدة فيلم إباحيّ في إحدى قاعات السينما المشهورة بأفلام الدّعارة؛ نعم ادّعت أنّها تملك عدّة فنون خارقة للعادة في استئصال اللّذة من جذورها الأولى؛ حاولت أن تأخذني بالقوّة؛ رفضت القوّة؛ لا تتحقّق النّشوة بالقوّة العامّة؛ قالت: أنت لا ينفع معك أسلوب اللّين؛ أنت لا ينفع معك إلاّ منطق القوّة إلى درجة العنف؛ لكنّي رفضت الاستسلام إليها؛ أنا لا أعطي المال مقابل الجسد؛ سخرت من كلامي؛ ثمّ تركتني دون لذّة أبحث عن لذّة وسط لذّة لم تتحقّق؛ واصلت السّير من أوّل الطّريق شرقا الى آخر الطّريق غربا؟ لم أنتبه إلى علامة “قف” واصلت سيري على الرّصيف وأنا أفكّر هل حقّق الرّجل الأخير النّشوة الأخيرة؟

   أيّها الرّصيف الطّويل؛ أنت تستقبل كلّ الغرباء؛ أنت لا ترفض لقاء العشّاق؛ أنت تشتاق إلى رائحة العشّاق يعودون آخر اللّيل إلى رصيفك؛ ثمّ يخرجون آخر النهار؛ مسرعين يغلقون بيوتهم؛ لا ترفض استقبال الشحّاذ الأعمى؛ استغلّ الإسكافيّ الفرصة انتصب يعرض خدماته على المارّة وقد انتفخت أحذيتهم من حركة المرور والعبور؛ لماذا ترفض تلك النّعال الكلام على الكلام؟ لماذا ترفض السّلام على السّلام؟ لماذا لا تردّ على الكلام؟ هل حققت نعالك البسيطة أهدافك من المدافعة عن شعار الارض مقابل السلام؟ هل حققت احلامك من الجسد مقابل الجسد؟ لماذا ترفض السّهر معي إلى آخر اللّيل حتّى بتحقّق شعارك؟ لماذا تخرج من فراشي قبل تحقيق اللّذة؟ هل فكّرت كم قطعت تلك الأحذية الحمراء من مسافة داخل مسافة؟ هي تبدأ أوّل النّهار ثمّ تعود إليك آخر النّهار؟ هل حققت العاهرات أرباحا كبيرة؟ كم احتالت تلك الأحذية الحمراء على شخص وعدته باللّذة ثمّ هربت منه قبل تحقيق اللّذة؟ فكّرت هل يمكن إقناعهنّ بالتّوبة؟ إحداهنّ قالت: الله غفور رحيم قلت لها على محمل الجدّ: لكنّه شديد العقاب؛ تجاهلتني وانشغلت بشخص تبدو عليه علامات الثّراء وقد نزل من سيّارة مرشيدس؛ فكّرت كيف يمكن أن تغريه؟ كيف يمكن أن تتسلل إلى جسده؟ كيف يمكن أن تصعد معه في سيّارته؟ كيف يمكن أن تتسلّل إلى جيبه؟ غمزته عدّة مرّات؛ لم ينتبه إليها الرّجل الثّريّ؛ طلبت منه سيجارة؛ اعتذر لها؛ أنا لا أدخن؛ التّدخين مضرّ بالصّحة؛ تجاهل تفاصيل جسدها؛ انتصر عليها؛ قاوم رغبتها الملّحة في الإطاحة به؛ اشترى الرّجل من بائع الفواكه الجافّة بطاقة شحن وامتطى سيّارته على جناح السّرعة؛ لم تشعر بالإهانة لأنّها اعتادت على مثل تلك الإهانات؛ ما حزّ في نفسها فقط وهي تراجع نفسها بنفسها أنّ الفرصة ضاعت دون مقابل؛ فكّرت أن أقترح على أولئك العاهرات منهجا جديدا في الحياة؛ لماذا لا يحملن شعارا جديدا ينسجم مع مبادئ الثّورة المضادة؟ إحدى بائعات الهوى قالت: انا مع ثورة الجسد؛ قلت لها: أليس الأفضل أن يكون شعارك على هذا الرصيف “الحب مقابل الحب”؟ لم تفهم كلامي؛ أصرّت على أنّ الحبّ وحده لا يحقّق السّعادة؛ دعتني مع أفكاري أغرق وسط أفكاري؛ انصرفت تبحث عن رزقها فوق ذلك الرّصيف الطّويل الذي يعجّ بالمارّة من كلّ الطّوائف والأديان والمعتقدات.

    شدّني أنّ تلك الأحذية الحمراء تمشي على مدار اليّوم والسّاعة والأسبوع…. تبحث العاهرة منهنّ فقط عن صاحب الحظّ السّعيد؛ شعارها في العمل من يدفع أكثر دولارات يفوز بمدّة أطول من اللّذة؛ لا تنطوي مهنتها على مصاعب؛ إحداهنّ تذمّرت فقط من غلاء أسعار المكياج واللّباس الشفّاف؛ هنّ يصرفن عند الكوافير أموالا كبيرة حتّى يفزن بأكثر زبائن؛ أمّا الأخرى فقد قالت: تعبت من المشي؛ سوق الدّعارة كاسدة هذه الأيّام؛ لم أوفّر حتّى ثمن الايجار؛ قد أجد نفسي بعد اليّوم أنام في الشّارع خارج الشّارع؛ من سيشتري لي السّجائر؟ من سيقدّر ظروفي؟ من سيصرف على أطفالي؟ من سيشتري الدّواء إلى أمّي؟ أنا أمشي طول النّهار بعد النهار دون غاية؛ أهرب من التّفكير في تلك الظّروف الصّعبة؛ أنا أغرق بالدّيون…. وقد حزّ ذلك في نفسي؛ بصعوبة كبيرة حددت اتّجاهها شرقا؛ لم تعرف أنّها كانت تسير غربا؛ هي في كلّ الحالات لا تعرف أنّها تسير في الطّريق الخطأ؛ غير مقتنعة بارتكاب الأخطاء؛ غاب خطّ الاستواء؛ غاب الاتّجاه؛ أسير وراءها جنوبا دون أن أصل إليها شمالا؛ أسير حذوها غربا دون أن أصل إليها شرقا؛ ضاعت وسط نشوتي؛ تبعثرت أفكاري في كلّ الاتّجاهات؛ فقدت القدرة على التميّيز بين كل الاتّجاهات.

   أتسلّى في نزهتي على الرّصيف بما قاله أحد الشّعراء:” الفتاة التي شاركتني فراشي مضت قبل أن يطلع الفجر” لا أعرف السبب الذي جعلني في تلك اللّحظة أرتاح إلى قراءة الشّعر؛ لم أكن شاعرا؛ لكنّي أشعر بما لا يشعر به غيري من الشّعراء؛ لخّصت أزمتي في مفهوم الشّعر؛ مفهوم الحبّ؛ قلت في نفسي:” ما أجمل هذا الرّصيف لو كان فيه بيت من الشّعر” كم مرّت على الرّصيف فوق الرّصيف من فتاة جميلة؟ كم كنت أكتب على الرّصيف خارج الرّصيف من قصائد نثريّة على طريقة شعراء النّثر؟ لماذا هدم هؤلاء الشّعراء الجدد عمود الشعر؟ لماذا نسفوا القصيدة العموديّة؟ ليت شعري أين الأبيات والقوافي؟ أين الوقوف على الأطلال؟ كم تعلّقت بالوقوف على الديّار؟ كم تعلّقت بتلك الأعلام فوق الديّار؟؛ كم شاهدت امرئ القيس يبكي على فراق “عنيزة ” أمام تلك الديّار؟ كم وقف واستوقف وبكى واستبكى؟ فتحت عيني لم أجد تلك الديّار وجدت فقط أسلاكا كهربائيّة شائكة فوق تلك الديّار وقد تغيّرت الديّار؟ أمام كل عمود كهربائيّ تجلس عاهرة تخطف الأضواء من الطّريق أو ترشدك إلى الطّريق في غياب الطّريق؛ انبهرت بالفراشات تحلّق ما تحلّق وترقص ما ترقص وتغنّي ما تغنّي وصولا إلى تلك الأضواء ثمّ تختفي مع تلك الأضواء السّاطعة؛ فجأة تموت كلّ الألوان؛ عفوا تموت كلّ الفراشات آخر النّهار من شدّة الفرح؛ تذبل الأزهار من كثرة الامنيات؛ تموت نشوتي كما تموت كلّ الأضواء؛ كم شدّتني من فراشة؟ كم دعتني إلى احتواء جسدها؟ كم أغرتني بألوانها السّاطعة؟ كم صعقتني أسلاك الذكرى؛ قوتّها بحجم القوّة في أسلاك الكهرباء؟ أكره انقطاع التيار الكهربائي؛ فجأة؛ دون سبب؛ أو دون سابق أعلام بانقطاع النّور الكهربائيّ؛ تذمّرت إحدى بائعات الهوى من ذلك؛ قالت: بسبب تواصل انقطاع النّور الكهربائيّ على مدى عدّة ليال أعود إلى البيت بخسائر كبيرة؛ لا تقدر بثمن؛ من يعوّضني على تلك الخسائر؟ انظر إلى الرّصيف تحت الظّلام؛ ألا يبدو شاحبا فارغا من اللّذة دون لذّة تحقّقها تلك الفراشات اللّيليّة تجوب المكان والزّمان رافعة أعلام اللّذة؛ أعلام النّصر؟ بعد ساعة عاد التيّار الكهربائيّ؛ ضرب جسدي صعقني خيط من خيوط الذكرى دون غلاف سميك فوق الرّصيف؛ عادت الفراشات تحلّق من جديد؛ اقتربت من تلك المولّدات الكهربائيّة التي أشعلت أمامي أكثر من ذكرى وسط ذكرى جميلة؟ مرّت أمامي فتاة تشبه حبيبتي تذكرت: كم من أقلام كالأعلام في البحر رفعتها؟ كم من شعارات تحمل الحبّ كتبتها؟ كم من أقلام شمعيّة كالأحلام جفّت من الكتابة وسط الكتابة على أطراف الذكرى تجلس على ذلك الرّصيف؟ كم وجدت نفسي في امتحان الحبّ يدلّ على الحبّ أقدّم ورقة بيضاء؟ كم اعترفت أمام كل المراقبين المحايدين بأنّي خسرت الامتحان…خسرت موضوع الحرب…أريد تحقيق السّلام؛ أعترف أمامكم: ” أنا أسلّم ورقة بيضاء”؟ كم وقّعت من هدنة وراء هدنة؟ كم وقّعت من اتّفاق وراء اتّفاق؟ لم أحقّق الحبّ؛ كنت أنتظر أن يكون موضوع الامتحان في الحبّ؛ كلّ الحروب التي خضتها في موضوع الحبّ كانت خاسرة؛ كنت أنتظر أن يكون موضوع الإنشاء في الحبّ؛ فوجئت أنّ الموضوع يمجّد الحرب؛ لم أحقّق الحبّ المنتظر؛ كم من مرّة خرجت من تلك الذكرى قبل دخول تلك الذكرى؟ لم أوقّع على وقت الدّخول قبل وقت الدّخول؟ لم أوقّع على وقت الخروج قبل وقت الخروج؛ كم تفحّص المراقبان صورتي؟ كم تفحصا رقم تسجيلي؟ كم تثبّتا بدقّة غريبة في كلّ البيانات الواردة في الاستدعاء؛ أحدهم قال: رقم التّسجيل غير واضح؛ شكّوا أن الرّقم مزوّر؛ لماذا شكّك أحدهم حتّى في صورتي؟ لماذا طلبوا من مدير الامتحان التثبّت في هويّتي؛ طلبوا بطاقة التّعريف الوطنيّة؛ لم يتأكّدوا من صورتي لأنّ البطاقة كانت قديمة وقد عبث الزّمن بصورتها حتّى صارت كأنّها تدلّ على شخص آخر يعرفني ولا يشبهني؛ فات أجل صلوحيّتها؛ كلّ الأوراق كانت قانونيّة إلاّ الصّورة أعطتهم إحساسا بأنّي أنتحل صفة شخص مجهول الهويّة؛ الشكّ طريق إلى اليقين؛ لم تكن الصّورة في الواقع قديمة بل كانت حديثة العهد تدلّ على واقع متخيّل؛ بدأت أشكّ أنّ الصّورة ليست صورتي؛ و الوجه ليس وجهي؛ و الجسد ليس جسدي؛ و الرّقم ليس رقمي؛ و الأفكار ليست أفكاري؛ يا الاهي؛ لكنّي كنت على ثقة أنّ القلب هو قلبي؛ بل أنّ العقل هو عقلي؛ أحد المراقبين من المتربّصين طلب من المدير أن يتخذ ضدّي إجراءات مراقبة صارمة؛ منها أن أتخلّى عن الحجاب الشرعيّ؟ ما الذي جعلهم يشكّون في أنّ تلك البيانات الدقيقة لا تتطابق مع صورتي؟ دخلني ارتباك كبير؛ دخلني الشكّ في كلّ شيء؛ أصبحت أشكّ أنّي أشكّّ؛ لم أعرف هل اسمي هو اسمي؟ هل أنا هو أنا كما كنت أريد أن أكون أنا وسط أنا تمارس حقّها في وجودها داخل وجودها؛ فقدت القدرة على النّطق؛ فقدت القدرة على الكتابة؛ لم أعد أفكر في الابداع. ضاع ضمير الأنا…. لم يعد إلاّ ضمير الهو.

   هذان المراقبان هما السبب في إخفاقي في ذلك الامتحان الوطني الأخير في السّنة الأخيرة؛ أثّرت نظرات الشكّ يتخلّله الشكّ في هويّتي لا تدلّ على هويّتي على مردودي العاطفيّ في ورقة الامتحان؛ لم أعرف ماذا أكتب؟؛ لم أعرف كيف أقرأ أسئلة الامتحان؟؛ تذكّرت تلك البيانات الصّارمة في أوّل اختبار أخوضه معك؛ كنت أخرج إليك قبل الوقت؛ نلتقي خارج الوقت؛ وقد أبقى معك بعد الوقت حتّى أكتب ما تخلّد بذمّتي من دروس؛ حتّى أعرف ما تخلّد بذمّتي من حبّ؛ حتّى أراجع معك عدة أخطاء ارتكبتها في حياتي وأنا أتذكّر حياتي وسط حياتك؛ لم أبحث عن تاريخ إنجاز فرض المراقبة؛ لم أبحث عن تاريخ الإصلاح؛ أهملت الفروض التّقيّيميّة؛ كلّ الفروض المنجزة بيننا هي دون إصلاح تنتظر يوم الإصلاح؛ كم من أقلام مائيّة خافتة استعملت في امتحان الرّسم؟ كم رسمت على صفحات الماء وجهك يغرق في صفحات الماء؟ صار الرسم جاهزا؛ صار الحبّ غائبا؛ الجميع يرسمون على هذا الرّصيف أو على هذا الحائط عدّة قلوب يشقّها في الوسط بلون داكن سيف قاطع؛ نعم يحتاج القلب إلى أكثر من سيف يقطع علاقتي بك؛ كلّ الرّسوم مزعجة؛ كلّ الأمنيات لم تتحقّق؛ أنا تلك الأنثى التي اختارت أن ترسم على الرّصيف أقدامك وهي تتشابك مع أقدامي؛ اختارت أن ترسم نظراتك وهي تتسلّل إلى نظراتي؛ اختارت أن ترسم أصابعك تتشابك مع أصابعي؛ وقد حقق الرّسم نسبة إعجاب كبيرة على مواقع التّواصل الاجتماعيّ؛ وقد فزت في إحدى المسابقات بأكبر جائزة عن أكبر حبّ فوق الرّصيف؛ أتذكّر أنّ ذلك الرّسم على الرّصيف كان أطول عمرا من حياة ذلك الرّصيف؛ بعد عهود من الحبّ ؛ شاركت في إعادة ترميم ما بقي من حبّ في ذلك الرّصيف؛ شاركت في أشغال إعادة البناء والصّقل والتّهذيب؛ تترك الأقدام على ذلك الرّصيف أثرا كالجرح في الكلام؛ لم أفكّر وأنا أمشي في أوّل الرّصيف أنّي كنت أبحث عن أجمل فتاة مرّت من هنا أو من هناك؛ هي وعدتني باللّقاء رغم أنّي لا أعرف وجهها؛ هي وعدتني بالبقاء رغم الفناء؛ أعطتني أكثر من أمارة مميّزة؛ قالت: ثق أنّي سأكون أجمل فتاة تعترضك في ذلك الرّصيف؛ حددت المكان ولم تحدد الزّمان؛ لم يبق منها إلاّ ما يبقى من الدّمعة في مفترق الطّرقات، تأخذ طريقها الصحراويّ على الخدّين غربا ثمّ تستقرّ بين النّهدين على ذلك المنحدر من الشريط الأرضيّ شرقا؛ لم يبق من أريج العطر في الواحة إلاّ ما يدلّ على الغروب في أواخر الغروب أو ما يدلّ على الفجر في أوائل الفجر؛ أحدهم قال لي بصوت جهوريّ : مرّت حبيبتك من هنا منذ قليل؛ تركت على ذلك الرّصيف أكثر من نظرة؛ تركت أكثر من وردة؛ قرأت أكثر من قصّة؟ أزعجها شخص مجهول لا يحمل أيّ هويّة؛ عرض عليها أن تخرج معه في نزهة؛ لكنّها تجاهلته؛ احتقرت نظراته وهو يتسلّل إلى جسدها كما يتسلّل الذئب إلى القطيع… لم أعرف أين انصرفت؟ المهمّ……….. انها غادرت إلى وجهة غير معلومة؛ كم من شخص سألته عنها؟ كم من صورة وراء صورة علّقتها؟ كم من بطاقة تفتيش في حقّها أودعتها؟ كم من بلاغ ضياع حبّ يتخلّله حبّ نشرته؟ كم من لوحة وراء لوحة علّقتها على الحيطان؟ كم كتبت اسمها على الجدران؟ كم استعملت في الرّسم على الجدران من لون لا يدلّ على لونك المفضّل؟ هو من اختار وسط ذلك المعرض التّشكيليّ لوحتي دون بقيّة اللّوحات؛ ها هي اللّوحة تتجرّد من ألوانها و ملابسها؛ تكشف عن نهديها دون معاناة؛ تعطي شفتيها دون انتظار؛ هي لوحة عنيدة؛ ماكرة؛ ترفض كلّ الأشكال كما ترفض كلّ الألوان؛ خرجت اللّوحة من صمتها؛ رفضت صمتها دون مبرّر؛ دون أدنى مبرّر أصبحت ترسم نفسها بنفسها؛ ؛ آخر لوحة فازت بالجائزة؛ عارضة أزياء تمشي معجبة بنفسها؛ مفتخرة بما في فستانها من أزهار و أشكال لا تفهم؛ تحتاج الى رسام بارع حتّى يفهم ما لا يمكن أن أفهم؛ متعلّقة جدا بما في أرضها من أنهار جارية؛ أو بما في السّماء من نجوم تناثرت كالأفكار من عقلي؛ كم ارتفعت إلى السّماء بعينيها؟ كم جابت الأرض بأقلام الرّصاص ترسم بأقدامها أجمل أحلامها؟ كم تركت من أثر كالجرح يتخلّله أكثر من جرح في ذلك القميص السّماويّ؟ كم تركت من نظرات تجمعت كالسّحب في الصحراء؟؛ هي تعرف أنّها رغم  جمالها لا تستطيع أن تدرك  في علوّها وارتفاعها تلك النجوم؛ هي تعرف أنّها معدمة من حقّها في السّعادة؛ خرجت تبحث عن بيت يقع في شارع السّعادة؛ خرجت تبحث عن رجل سعيد؛ اسمه سعيد؛ شاهدته يمرّ على الرّصيف دون أن يحقّق السّعادة؛ خرجت تبحث عن اقلام ضائعة فقدتها في منعطف الطّريق الكائن بحيّ قديم كانت تغمره السّعادة؛ خرجت تبحث عن حبّ غامض تسرّب مع الطيور إلى قلبها؛ فجأة؛ أرادت ان تشارك هؤلاء الأطفال متعتهم وهم يلعبون لعبة ” الغميضة “أرادت أن تسرق منهم أجواء فرح طفوليّ لم تشعر به معك في حضورك بعد غيابك؛ أرادت أن تسرق منهم انتصارا لم تحقّقه؛ أرادت أن تسرق منهم طفولتها؛ شاركت هؤلاء الأطفال عبث الطفولة؛ عبثا حاولت أن تفهم لماذا يسير أمامها هؤلاء العابرون من ذكرى إلى ذكرى بسرعة تفوق السّرعة المسموح بها؛ هي لم تعرف لماذا مرّ أمامها الشّحّاذ وهو يغنّي؟ لماذا عاد بائع الورود قبل أن يبيع كلّ الورود؟ الجميع يقومون بأعمالهم بسرعة تفوق السّرعة المعتادة؟ حتى الشّعور بالحب مطلوب تحقيقه في وقت قياسيّ؛ لماذا الإفراط في السّرعة وسط السّرعة المسموح بها في تلك المنعطفات؟ الجميع أهملوا خطورة ذلك المنعرج الدورانيّ إلى اليسار؛ الجميع أهملوا قواعد الأولويّة في شارع الحبّ؛ حتّى الشحاذ تجاهلوا حقّه في الحصول على الأولويّة المطلقة؛ رفض الجميع قواعد الحبّ…..  عفوا قواعد السّلامة في ذلك الطّريق؛ أهم قاعدة في حبّي لك” في التأنّي السّلامة وفي العجلة النّدامة”؛ المهمّ أنّي أخذت أمشي معهم بسرعة دون سبب محدد يدفعني إلى أن أسير بسرعة؛ أعطتني فوضى الأقدام على الرصيف هامشا من الأحلام المفقودة؛ جاءني شعور ما بأنّنا يمكن أن نلتقي في أيّ مكان وسط مكان وقد تحرّر من عقدة الزّمان ؛ المهمّ يجب أن أسرع قبل ان تخرج نشوتك من الرّصيف؛ قبل أن تخرج من الذكرى أو قبل أن تخرج من الذكرى إلى الأبد وقد عادت في عيد الحبّ؛ أعطتني فوضى الاقدام تسير على الرّصيف فوضى جذّابة أحتاج إليها في تحقيق أحلامي داخل أحلامي؛ لم أعرف متى مرّ ذلك الشّحاذ الأعمى وقد وعدني بالحبّ؛ أعطتني سيّارة الإسعاف التي مرّت أمامي على جناح السّرعة إحساسا غامضا بالفرح يتخلّله الخوف من المصير المجهول؛ هل يمكن أن تحمل تلك السيّارة وهي تشقّ الطّريق بسرعة جنونيّة ما تبقى من مشاعري وسط مشاعري إليك؟ ربّما دقّ ناقوس الخطر؛ ربّما حملتني سيّارة الإسعاف على جناح السّرعة إليك؛ كم تمنيت أن أقودها بتلك السّرعة؛ أنا المجنونة؛ اعترضت سائقها؛ أردت أن أحتلّ فيها مقعدا صرت أتخيّل أنّي أركب داخلها؟ كم تمنّيت أن تحملني إليك؟ لم أعد أحتمل مزيدا من الانتظار. مرّت السيّارة كما تمرّ الأحلام؛ وقد رفض السّائق الوقوف لأنّ حالتي استعجاليّة؛ تستوجب تدخّلا طبيّا عاجلا حتّى يتمّ استئصال الحبّ من القلب تماما؛ وقد عجز جميع الأطباء عن ايقاف النّزيف لأنّ إفراطي في طلب الحبّ لا حدود له؛ أخيرا أخذوني إلى غرفة العناية المركّزة في انتظار إجراء عمليّة جراحيّة حاسمة قد تحدد مستقبلي معك.

   قبل تحديد موعد العمليّة تذكّرت الشّحاذ والمجلّة والعاهرة فوق الرّصيف قلت في نفسي: ما أكثر تلك الأرقام لا تدلّ على رقم أنثى بعينها؟ عوّضت الأرقام الأشخاص؛ كم لديك في الحياة من رقم؟ كم لديك من قلم؟ كم كتبت لها بلسان القلم” أحبّك”؟ هل جرّبت أن تستعير أقلاما حمراء من غيرك؟ هل أصلحت أخطاءك وأنت رسم الهمزة في تحريرك؟ وقد كرهت همزة القطع لأنّها قطعتني عنك؛ أنا لا أحبّ إلاّ همزة الوصل لأنّها تصلني بحبّي لك؛ هل استطعت أن تكتب اسمي براحة كما كنت تكتب بأقلامك المعتادة؟ ألم يتغيّر الاسم؟ ألم يتغيّر الإحساس بالحبّ وأنت تجري وراء الحبّ الأعمى؟ كم لديك من رقم مغلق ليس في وضع استخدام؟ ما هو آخر رقم مفتوح اتّصلت به على وجه الخطأ؟ ما هو آخر رقم ساعدك في مسابقة الفوز بالحبّ في سرعة قياسيّة بمواصفات عالميّة فوق ذلك الرّصيف؟ لماذا لم تسرق من تلك اللّوحة الجميلة الوانها الحمراء؟ لماذا لم تفكّر أن ترسم قلبك؟ لماذا لم تسرق من تلك الفتاة الجميلة وقد أخطأت أكثر من مرّة في رسم الهمزة رقمها السريّ؟ نحن في الواقع لا نتعامل عندما نحبّ إلاّ مع أرقام سريّة في غاية الخطورة؛ لماذا لم تسرق منها هاتفها الخلويّ أو عنونها الشخصيّ؟ لماذا لم تعترض طريق عودتها قبل أن تحدد طريق عودتها؟ لماذا لم تفكّر قبل فوات الأوان حتّى في اغتصابها؟ لقد رأيتها أكثر من مرّة توزّع رقمها السريّ؟ لماذا لم تعطيك ملّفها السريّ؟ كلّ الملفّات على طاولتي وأنا أتفاوض معك سريّة للغابة؛ هل كلّ الملفّات السّريّة تخفي دوما تهما خطيرة تتعلّق بالفساد؟ ألا يحمل ملّفي السريّ تهمة خطيرة ناجمة عن الإفراط في الحبّ؟ حتّى الإسكافيّ رآها تخرج متبرّجة بمفردها؛ لم تكن خائفة من العفاريت التي يمكن أن تعترضها في شارع الحبّ الى طريق الحبّ؛ قالت واثقة من نفسها: في أقصى الحالات وأنا أجوب المكان وسط المكان وحدي مهددة بالاغتصاب وتلك أقصى عقوبة يمكن أن تتعرّض لها أنثى تعبر الطّريق واثقة من نفسها ثقة عمياء؛ يحمل كلّ طريق عدّة أسرار ومفاجآت ومغامرات؛ منها المتوقّع ومنها اللاّ متوقّع؛ ألم تعرض عليك فتاة الرّصيف قرب تلك الحانة المغلقة جسدها راضية مرضيّة آمنة مطمئنّة أكثر من مرّة؟ ألم ترفض أن تعطيها سيجارة؟ ألم ترفض ركوبها في سيّارة المرشيدس؟ الم ترفض أن تدخل معها إلى قاعة السينما؟ ألم ترفض استسلامها على الفراش في أكثر من جولة تتخلّلها جولة أخرى؟ لماذا رفضت جسدها في العرض الأخير؟ لماذا رفضت لمسها وتقبيلها مفتخرا بتقاليد الحبّ العذريّ؟؛ ألم تكتب عنها أشعارا على طريقة مجنون ليلى؟ ألم تقل لها كما قال أحد الشّعراء” أنت أطول نخلة في بغداد” لماذا رفضت أن تستأصل آخر المتعة من جسدها يطلب لقاءك بعد أمطار الخريف؟ الم تستمتع وقد جلست الذكرى على فراشك في منتصف اللّيل من تلك الذكرى بمشاهدة أحدث الأفلام الإباحيّة؟ لماذا تكتفي الآن بعد انقضاء الوقت الآن بالنّظر من بعيد إلى الذكرى وقد عادت في عيد الحبّ بعد انتهاء الحبّ؟ لماذا تراقب صهيل الخيول تبحث عن تحقيق نشوتك من بعيد؟ لماذا تحرم جسدك من حقّه الطّبيعيّ في ممارسة اللّذة؟ أنت أيّها الشحّاذ الأعمى رجل غريب الأطوار؛ تحبّ الأشياء بيديك؛ وترفض أن تمارس الفعل يتخلّله أكثر من فعل إلاّ بعينيك؛ ولذلك فقدت عينيك في ساعة متأخّرة قبل خروج النّشوة على حصان يطارد أفعى صحراويّة ذات سبعة رؤوس؛ ألم تكن هوايتك المفضّلة اصطياد الأفاعي في الصّحراء الواسعة وحتّى في الجبال الوعرة؛ ألم تكن مدمنا على مشاهدة الأفلام الاباحيّة العنيفة؟ ألم تشاهد بعينيك الزّانيتين آخر فيلم إباحيّ جدا يحمل عنوان: “نساء فوق الرصيف”؟ تدور أحداث الفيلم حول عاهرة تشقّ الطّريق وسط عواء عدّة ذئاب من سلالة بشريّة نادرة؛ من اختار هذا العنوان؟ أليس الأفضل أن يكون العنوان: “الحبّ فوق الرّصيف”؟؛ ألم تخرج بإرادتك خارج إرادتك في هذه السّاعة المتأخّرة من الفرح بحثا عن ذلك الفرح الغامض في قلبك يجلس فوق ذلك الرّصيف؟؛ من أعطاك الإذن بالدّخول والخروج؟ ألم يعوي صوت الذئب في داخلك؟ ألم يكن نداء الجسد من الدّاخل هو الذي دفعك إلى الخروج في هذا الطّقس البارد؟ لماذا نسيت معطفك؟ ألم تفكّر أنّي أحتاج إلى معطفك؛ إلى سجائرك حتّى تحميني من البرد؟؛

    على مسافة قريبة وجدت نفسي أدخل إلى إحدى قاعات السينما لمشاهدة عرض سينمائيّ نادر من طراز رفيع؛ روّجت له وسائل الإعلام المحترفة في الخداع والتّمويه؛ شدّتني في اللّقطات الاشهارية عدة صور خليعة تدافع عن الدّعارة؛ استغربت أنّ إحدى العاهرات أمام باب السينما كانت تدافع عن حقوق زميلتها في العمل؛ برّرت سلوك الدّعارة تبريرات مقنعة؛ قالت: “جسدي ملكي” حاولت أن تجد عدة حجج مقنعة تدافع بها عن أفعال غير مقنعة؛ حاولت أن تفرض طريقة تفكير اولئك العاهرات الجدد في الوسط الاجتماعيّ؛ روّجت إلى أحلامهنّ في الثّراء؛ تعاطفت مع عدّة حالات ميؤوس من علاجها؛ ولكنّي لم أقتنع بالسلّوك الذي يشجّع فتيات الدّعارة على الانتصاب الفوضويّ بأجسادهنّ في الطّريق العام؛ الجسد ملك خاص؛ مقولة رأسماليّة تحتمل عدة تأويلات؛ منها ” دعه يعمل…دعه يمرّ” هن يؤمن بأنّ الجسد عند الضرورة يصبح ملكا عموميّا؛ ألا تبيح الضرورات المحظورات؛ كشفت الصّورة الإشهاريّة عن مفاتن لأجساد فاجرة وعاهرة؛ متنكّرة بحجاب أو نقاب شرعيّ؛ شدّني توظيف اللّباس الشرعيّ في ممارسات غير شرعيّة؛ موضوع العرض: بائعات الهوى؛ استهواني العنوان؛ دون أن أشعر دخلت إلى قاعة السينما؛ تابعت العرض بانتباه؛ ظهر البطل وهو يرتدي ملابس أنيقة؛ يحمل في يديه عدة لوحات فنيّة؛ يسير بهدوء حذر في طريق ملتوية؛ يراقب الكون بسعادة لا توصف؛ بحزن لا مثيل له اختار السير وحيدا دون حبيبة تقتل في قلبه كلّ شعور بالوحدة؛ مرّ بعدّة مفترقات ضيّقة جدا؛ هو يمشي دون رؤية واضحة؛ لم يحدد هدفه من تلك اللّوحات؛  فجأة سقطت إحدى اللّوحات أرضا؛ وقد أزعجه ذلك لأنّ اللّوحة تلطّخت بمياه ملوثة في الطّريق وقد فقدت بموجب ذلك عدّة ألوان لها دلالة وجوديّة في نفسه؛ أحسست أنّ تصرّفاته الغريبة تشبه تصرّفاتي العجيبة؛ اعتقدت أنّه كان يقلّدني؛ كأنّه يعرف أزمتي؛ لقد اختزل سقوط اللّوحة الفنيّة على الأرض أزمتي؛ لم أعرف هل هي أزمة فكريّة أم أزمة أنطولوجيّة؟ أليست كلّ الأزمات التي عشتها كانت بامتياز أزمات عاطفيّة؟ سار الفنان بلوحاته وسط ازدحام كبير؛ استأنف التّفكير في عدّة أشياء غامضة واضحة؛ جمع ما بقي في تلك اللّوحة من نشوة تدلّ على نشوة أخرى؛ أراد أن يفرض على طريقة الشحّاذ الذي رأيته على الرّصيف أن يفرض وجوده من عدمه بالقوّة؛ أراد على طريقة ذلك الإسكافيّ وهو يصلح أحذية العشّاق أن يلفت انتباه النّاس إلى أنّه فنان يعالج أزمة وجود؛ خدعه هدوء النّجوم في كبد السّماء؛ خدعه هدوء الطيور؛ كم رسمت تلك الطيور المهاجرة في السّماء من لوحة؟ كم رسمت تلك الأقدام كالأقلام السّوداء من خطوط ونقاط وأشكال منكسرة لا معنى لها؟ كم تركت على رصيفك من نقطة تعجّب تدلّ على التّعجّب؟ بل كم تركت من نقطة استفهام تخلق أكثر من استفهام؟ كم اصطدم الفنّان التّشكيليّ في رحلة السّير بأكثر من عاهرة؛ كم راودته عن نفسها؟ كم رفض الفنّان الملتزم عروض أولئك العاهرات؟ كم رفض نداء تلك الأحذية الحمراء تتبختر في الطّريق؛ تدعوك تعال إن شئت جسدي؛ قاوم نداء أولئك الفاجرات لا يخرجن إلاّ في الظّلام؛ هنّ كالأقلام الحمراء تسيل حبرا؟ رفض أن يكتب لهنّ اسمه أو رقمه أو عنوانه؛ رفض أن يعطيهنّ أسرار مهنته؛ رفض أن يعطيهنّ أجمل لوحاته؛ اعترضت إحداهنّ سبيله وهو يكتب خاطرة نثريّة؛ قالت: أنت فنّان متناقض؛ تحمل عقيدة متناقضة؛ لماذا كنت تتعمّد وأنت ترسم أن تترك على جسدي عدّة نقاط حمراء؟ لماذا كنت تنتهك الميثاق المبرم بيننا؟ لماذا تعترف في شعاراتك الثوريّة بميثاق حقوق الإنسان ولا تعترف بميثاق حقوق العاهرات؟ لماذا أهملت حقوقي؟ لماذا لا تطالب إلاّ بحقوقك؟ لماذا تركت قلمي يجفّ من الحبر؟ لماذا تتطوّع بالدم ولا تتطوّع بالحبّ؟ لماذا تركت فراشي دون نشوتك يغرق بحثا عن نشوتك؟ لماذا هجرت جسدي؟ لماذا تركتني فتاة أميّة لا تعرف كيف تكتب اسمك؛ لا تعرف كيف تمسك قلمك؟ صرت لا أعرف كيف أكتب على الورقة؛ كلّ الأوراق تركتها بيضاء؛ كلّ الأقلام تركتها وسط الأحلام؛ لماذا تركت قلمي دون حرف؛ لا يعرف نهاية الحرف؟ لماذا تركت قلمي دون حب يبحث عن أزهار يقطفها؟ أنت كالحبر لا ينتهي. أنت كالحرف لا ينطق؛ أنت كالحساب مغلق.

  في وسط المشهد السينمائي؛ مازال الفنّان يجوب الطّرقات الرئيسيّة؛ لم ينتبه إلى أنّ كلّ الطّرقات الأخرى فرعيّة لا تؤدّي إلى المدخل الرئيسيّ؛ ها هو يرسم ما بدا له عن تفاصيل ذلك الجسد يخترق الظلام بهدوء؛ كاشفا عن نهدين يغرقان بين نهرين؛ المهمّ أنّه يرسم جسد عاهرة تبحث عن شخص يحتضن نشوتها قبل هجوم الشتاء.

  بدأ عدد العابرين على الرّصيف يتناقص؟ الجميع فرّوا إلى بيوتهم يبحثون عن الدفء؛ الجميع عادوا إلى بيوتهم؛ الجميع حقّقوا الاستقرار؛ أضواء الطريق خافتة لا تكشف ما في النّفس الأمّارة بالحبّ من حبّ؛ ها هو يعترف أمام العاهرة؛ قال: خسرت ثورة الجسد؛ اخيرا تظاهر بأنّه كان يتسلّى بالنّظر إلى معركة حامية الوطيس بين قطط متشرّدة يبدو أنّها عثرت على وليمة كبيرة وسط تلك القمامات؛ كلّ القطط تبحث عن سعادتها في تلك القمامات؛ هم فقط دون غيرهم يعرفون متى يجود عليهم الأثرياء من البشر بما تركوا من فضلات؛ لا يرفضون تلك الفضلات؛ لا يرفضون تلك الأحلام؛ يتمسّكون بالأحلام حتّى لو كانت في شكل فضلات؛ حتّى لو كانت في شكل أفكار متناثرة؛ هم يتدافعون إلى تلك الفضلات برغبة غامضة؛ شدّ انتباهي قطّ كبير في السنّ لفّه السّواد؛ لا يحمل إلاّ نقطة بيضاء واحدة؛ تبيّنت من خلالها ملامح وجهه؛ هو حزين يفكّر على طريقة الفلاسفة في مفهوم السّعادة؛ لم أعرف لماذا رفض القطّ أن يأخذ نصيبه من القمامة؟؛ هو يراقب تلك المعركة دون أن يشارك فيها؛ فضّل أن يظلّ محايدا؛ لم يقتنع بدوافع المعركة؛ هو  يبحث عن معركة أكبر في حجمها من ذلك السّبب؛ هو قطّ مفكّر يقرأ المجلات والكتب الفكريّة؛ يجلس كلّ يوم أمام باب المكتبة يطالب بحقّه في مطالعة كتب العشّاق؛ ظل ينتظر ساعات أمام الباب؛ لم يشعر بأنّ الرّصيف بارد؛ أحسست أنّه قطّ نادر؛ يرفض أن يأكل الفضلات؛ يرفض أن يتحمّل الإهانة؛ لم يكن راضيا لأنّ القطط تتخاصم على تلك الفضلات؛ لم يتدخّل في حل النّزاع؛ اختار أن يتّبع خطواتي بحذر شديد؛ هو يرفض أفكاري؛ ها هو يدخل في حوار مع الأقدام التي تجاهلت أفكاره ومشاعره فوق ذلك الرّصيف؛ لم يفهم الجميع مطالبه؛ لم يقدّروا مشاعره؛ الجميع نهروه …طردوه من أمام بيوتهم؛ الجميع رفضوا ما يطلب؛ الجميع عاملوه كأنّه لصّ ينتظر الفرصة المناسبة حتّى يتسلّل إلى بيوتهم؛ هو لم يخرج ليطلب الطعام؛ بل خرج ليحقّق حريّة مفقودة؛ أحسست أنّه يطلب منّي شيئا وسط شيء ما؛ ربّما كان جائعا لكنّه صاحب كرامة يتعفف؟ عن الطّلب؛ ها هو يمشي على الرصيف مثل ملك فقد عرشه؛ لكنّه يرفض أن يتنازل عن عرشه؛ أردت أن أصحبه معي إلى مطعم؛ فجأة رأيته يتخلّى عن مرافقتي اختار أن يسير وراء فتاة جميلة ترتدي ميني جيب كأنّها ملكة؛ لم أعرف لماذا تجاهل دعوتي إلى الطعام؟؛ رأيته يتسلّق ذلك الجدار وقد غاب عن نظري؛ واصلت السّير في ذلك الظلام الحالك؛ فجأة شدّت انتباهي أنثى تتكئ على عمود كهربائيّ؛ صعقتني نظراتها؛ فكّرت أنّ صعقة كهربائيّة أصابتها؛ فكّرت أنّ لساعات البرد جمّدتها؛ كانت ترتدي ملابس شفّافة مغرية تناديك تعال إن شئت جسدي؛ تجاهلت نظراتها؛ لم أبال بتفاصيل جسدها الفاخر؛ لم أعرها انتباها؛ أحسّت أنّي احتقرتها؛ لم تتحمّل الإهانة؛ اعترضت سبيلي؛ طلبت أن تقضّي معي بعض الوقت؛ هي تشعر بالضيق؛ هي تشعر انها بحاجة إلى رجل يضمّها إلى صدره في هذا البرد؛ سألتها بإلحاح: لماذا خرجت في هذا الوقت المتأخر؟ لماذا تعرضين جسدك الكهربائيّ في هذا الطّريق؟ طأطأت رأسها؛ ارتعشت نظراتها؛ رفضت أن تجيب عن أسئلتي؛ تحمّلت صعقات الكهرباء؛  أردت الانصراف عنها؛ لكنّها حاصرتني؛ أصرّت أن ترافقني في السّير؛ رفضت أن تتخلّى عنّي؛ شعرت بأنّ أصابعها تطلب الحنان؛ تطلب الرّحمة؛ سرنا معا؛ تبادلنا أطراف الحديث؛ ارادت أن تغريني بتفاصيل جسدها يطلب اللّذة في الظّلام؛ أقنعتها أنّي أرفض دعوتها إلى الفراش مقابل مبلغ ماليّ؛ جسدك لا يقدّر بثمن؛ أنت جميلة ورقيقة؛ لماذا تبيعين جسدك بالمال؛ الجمال مقابل المال؛ مذهب أرفضه إطلاقا؛ أنا وافقت أن أصطحبك معي؛ حتّى أقنعك بأن تعودي إلى بيتك؛ احفظي هذا الجسد من الضياع…دخلنا المطعم؛ تبادلنا أطراف الحديث؛ اتّصلت بها أمّها أكثر من مرّة؛ قالت: خرجت أبحث عن ثمن الدواء؛ أمي مريضة بحاجة إلى دواء ارتفاع الضّغط…المهمّ أن أعود لها بالدواء؛ حزّ ذلك في نفسي؛ أردت مساعدتها بما أستطيع؛ رفضت أن تأخذ منّي المال دون أن تعطيني مقابل ذلك خدمة؛ أرادت أن تعطيني جسدها حتّى تشعر بأنّها أخذت النّقود استحقاقا على تلك الخدمة التي قدّمتها بعد تعب؛ بعد انتظار عسير؛ رفضت عرضها…رفضت طريقتها في التّفكير؛ رفضت مساعدتي؛ رفضت مشاعر العطف؛ رفضت حتّى البقاء…غادرت المطعم؛ غادرت الرّصيف؛ شاهدت القطّ يلاحقها بنظراته؛ يلاحقها بأحلامه؛ شعرت أنّها صاحبة مبدأ في العمل؛ أخذت القرار بمفردها وانصرفت؛ هي لا تقبل الإهانة التي يمكن أن يفرزها الطّريق…أو يفرزها الظلام.

 غير بعيد عن قاعة السينما وجدت هرّة تموء وقد فقدت فراخها؛ أردت مساعدتها؛ أعطيتها النّقود؛ امتنعت؛ قالت: أبحث عن حبّ ضائع تركته في الرّصيف؛ حتّى القطة رفضت نقودي؛ انصرفت مذهولا…العاهرة تريد جمع النّقود والقطّة تريد جمع الحبّ؛ في طريقي وجدت نفسي أمام نقود ضائعة لا أعرف صاحبها؛ تركت النقود الضّائعة بعنوان حبّ ضائع؛ دخلت إلى قاعة الحبّ…عفوا إلى قاعة السينما؛ طلبت إحداهنّ منّي أن أجلس بجانبها حتّى أستمتع معها على طريقة العشّاق بالحبّ في الظلام؛ لم أرفض عرضها لأنّها جعلتني أشعر بأنّها لا تبحث عن نقود ضائعة بل جاءت إلى هنا تبحث عن رجل ضائع أعطاها الحبّ الضائع واختفى؛ انتبهت إلى أنّ عنوان العرض” سجائر ضائعة” قالت: تعال نحن الابطال؛ نحن الحقيقة؛ دعك من الخدعة السينمائيّة؛ أريد أن أسلّيك؛ أريد أن أعذّبك؛ أخذت دون إذن منّي الولاعة؛ أشعلت سيجارة وراحت تبحث في الدّخان عن حبيبها وقد أخذوه إلى غرفة العمليّات لزراعة قلب اصطناعيّ.

مقالات ذات علاقة

المكتبات تنعي حظها

المشرف العام

الأفـعى الاستعمارية.. فرنسا

المشرف العام

مسرح الطفل بين الخيال العلمي والتخييل الفني

المشرف العام

اترك تعليق