النقد

نوافذ مشرعة على التاريخ والحياة

إلى الغائب الحاضر الصديق الفنان/ مرعي التليسي


(1) بورتريه أول

في لوحته التشكيلية الجميلة المعنونة (صرخة) التي شَهِدتُ مرحلة إنجازها النهائي داخل مرسمه بالمدينة القديمة، يقف في وسطها الطائر الذي رسمه الفنان الغائب الحاضر مرعي التليسي ليهتف فينا متسائلاً: من نحنُ؟

وسرعان ما تتلقف فضاءاتُ وصفحاتُ التاريخ ذاك النداء الاستفهامي المدوي، المستحِث والمستفز في آن، بينما صديقنا العزيز مرعي، يستلقي مبتسماً كعادته بمرقده في عنوان سكنه الأبدي، ليسمع إجابات التاريخ الذي يقول بصوته الجهوري ووثوقه الراسخ بأن الفيلسوف الليبي (أوناس) والمعروف كذلك باسم (أنيس الليبي) أثبت أن فن الإهرامات قد ظهر في مدينة “جرمة” عاصمة الجرمنتيين بحوض مدينة أوباري في جنوب ليبيا قبل ظهور أهرامات مصر القديمة بألاف السنين.

ويضيف التاريخ متعجلاً هذه المرة، ولكنه مؤكداً، بأننا أنشأنا منذ أكثر من مائة وعشرين سنة، في ليبيا وبمدينة طرابلس تحديداً سنة 1897م، أولَ مدرسةٍ متخصصة للفنون بالوطن العربي كافة، وهي مدرسة الفنون والصنائع التي كانت مركزاً ومعرضاً يومياً للنقش على الأواني النحاسية، والرسم والزخرفة، والتطريز والكتابة على الخشب والجلود وغيرها.

ثم يدنو التاريخ ويقترب من زمننا الراهن قليلاً، ليفتح صفحاتِ كتابٍ حديثٍ، تُسجل بحروفٍ ثابتة أن سنة 1953م شهدت تنظيمَ أول معرض للفنون التشكيلية ببلادنا، وقبله سنة 1951م تأسست جمعيةٌ للفنون في مدينة بنغازي، وفي سنة 1960م تأسس نادي الرسامين بمدينة طرابلس، وها هو معرض (نوافذ تشكيلية) يحتفي اليوم بإتمام إشهار الجمعية الليبية للفنون التشكيلية فوجب زف التهاني والتبريكات لجميع التشكيليين في ليبيا بهذا المنجز الفني.

(2) بورتريه ثاني

تبدو إجاباتُ وشواهدُ التاريخ الإنساني والوطني على تساؤلات الطائر الجميل الذي أبدعه وأطلقه فناننا الراحل مرعي التليسي في فضاء الفن التشكيلي صادمةً بعراقتِها، ومفاجئةً بـأمدِها البعيدِ لبعض المتابعين عن بُعد للمشهد الإبداعي في ليبيا، ولكنها في نفس الوقت دليلٌ مؤكد، وحافزٌ ضروري، يجب أن يتخذه الجميع لتعزيز الثقة في الريادة الابداعية، وبذل مزيد الجهد الجماعي، لتأكيد هذه الأصالة التاريخية عملياً، رغم اليقين بأن الدعم الحكومي الرسمي للحركة الفنية التشكيلية على مدار عقود زمنية، ظل خجولاً ومحتشماً، قياساً بما حققته اللوحة التشكيلية الليبية من إسهامٍ في المنتوج الإنساني العالمي، والتعريفِ بعناصرِ الهوية الليبية، والمحافظة عليها وتوثيقها فنياً، وحتى إن ظلت معظم هذه الجهود فرديةً، فإنها تستحق وتستوجب الاشادة والثناء والاعتزاز بكل رسمة ولوحة وتشكيل وخط، لأن رسالة الفنان الليبي ترتكز أساساً على العشق للوطن، والحب للحياة، وترسيخ أنسنة قيم الجمال والمحبة والحسن والبهاء، وتوطين الهوية، وتظل غايته الأسمى دائماً هي الارتقاء بذائقة المتلقي الفنية والفكرية ومن ثم إنسانيته.

(3) بورتريه ثالث

(نوافذ تشكيلية) عنوانٌ يحمل دلالة مفتوحة تطرح فيها الألوان والفرشاة مواضيعها ورؤاها، لفضاءٍ فكريٍ يسعُ جميع التوجهات والمذاهب والأطياف والتيارات، من خلال حوالي خمسين لوحةً تشكيلية، تفنن في رسمها مبدعون أوفياء للون والتكوين الجميل، صاغوا بخطوطهم وألوانهم رواياتٍ، وكتبوا قصصاً وحكايات، ونظموا أشعاراً وقصائد، تداعب الأخيلة والنفوس التواقة للجمال والبهجة، وأطلقوا بها أفكاراً وتساؤلاتٍ ورسائلَ عديدة تنحاز جميعها إلى فاعلية الحياة، وتحدي الواقع البائس، بكل الإمكانيات المتاحة، لتؤكد أحقية انتسابنا للمجتمع الإنساني، والإنتماء إلى جذوره، والذي أيقونة مرتكزاته هي المثابرة، والجد، والتضحية، والاستمرار في العمل الدؤوب، وديدنه التفاني في العشق اللامحدود، إيماناً بأنه لا شيء نصل إليه في الفن، لأن الفن هو ما لا نصل إليه، ولذلك فالفن لا يقدم أجوبة، بل هو السؤال الكبير والمستفز الدائم، الذي يتناسل فينا أسئلة مستنسخة ومتوالدة لا تنتهي، لأن نهايتها تعني توقفَ الحياةِ ذاتِها.

ومن خلال مسيرة هذه الحياة المتدفقة بالاستمرارية والتنوع، نكتشفُ أنَّ هناك فرقاً جوهرياً كبيراً بين قراءة كتاب والتمعن في لوحة فنية تشكيلية، ففي الكتاب يقوم القاريء نفسُه برسم المشهد، وتخيلِه من خلال الجمل والعبارات والحوارات، أما في اللوحة التشكيلية، فإنّ المشهدّ جاهزٌ ومرسومٌ بريشةِ الفنانِ مبدعِ اللوحة، وما على القاريء إلاّ تتبع خطوطه وألوانه، واستنباط واستيعاب دلالاته، وفهم معانيه ورسالته.

واللوحة الفنية التشكيلية تقتبس من التناص والمجاز البلاغي والمحسنات البديعية اللغوية كل الصفات، وتختزل الكثير من الرؤى والإيحاءات الرمزية الطافحة من مواضيع رسوماتها وتقنياتها، ولذلك فهي عوالمٌ مرسومةٌ مكثفة، متعددة ومتداخلة تحصرها مساحةُ مقاسٍ محدد، تمنح قيمةً معرفيةً عظيمةً، وتنثر أسئلةً عديدة تستحث بها المتلقي، وتستفزه بوخزات فكرية لذيذة، توطن فيه عالماً من الحماس والرغبةِ للكشف عن المعاني والدلالات، كالبحث هنا مثلاً عن معنى المفردة العامية (هردميسة) عنوان اللوحة الجميلة للفنان عدنان القرقني، والتي لن تحتويها قواميس اللغة العربية كافةً، وبالتالي يظل الإنشغال بها حتى الوصول بطريقة ما إلى أنَّ مفهومَها باللهجة المحلية الطرابلسية الدارجة هو (الفوضى) في جميع أشكالها وأطوارها، كما تمثلتها فنياً اللوحة التشكيلية الرائعة تماماً، حين صاغت خطوطُها وألوانُها ضجيجاً بصرياً، وبيئةً تعج بالتلوث العمراني المادي والفكري، وأبانت عن مكان الهردميسة وموقعها الجغرافي ومساحتها المكتظة الواسعة، جاعلة مسار حافة الساحل في أعلاها دليلاً، يحدد مكانها جنوب البحر المتوسط، ثم تتعمق رمزيتها لتؤكد بأن هذه الهردميسة لم تقتصر على الأرض والإنسان فحسب، بل طالت البحر والأسماك كذلك من خلال الصيد الجائر والتلوث البحري وغيرها.

وعلى غرار هذه القراءة التحليلية والتأويلية البسيطة، إذا حاولنا عقد المقارنات بين عدد من اللوحات التشكيلية بهذا المعرض دون التوغل في أبعادها الفنية ومواضيعها، بل وفق عناوينها المثبتة في حواشيها فقط، فإننا سنكتشف أن العنوان رغم أنه العتبة الأساسية الأولى في العمل الإبداعي، سواء كان أدبياً نثرياً وشعرياً أم فنياً تشكيلياً، يضيق إطاره غالباً بمضامين العديد من الأعمال الأدبية واللوحات التشكيلية المعروضة هنا، وعلى سبيل المثال فإن اللوحة الأحدث تاريخاً والمرسومة سنة 2021م أي قبل أسابيعَ معدودة فقط، للفنان عبدالجواد المغربي المعنونة (المدينة القديمة) لا تتضمن أية إشارة بارزة أو علامة معينة لعناصر المدينة، حيث غلب على مساحتها الواسعة، تأثيتها بالأبوابِ والشبابيكِ المقوسةِ القديمةِ الطراز، وطلاءِ سطحِها باللون الترابي العتيق، مع بعض آثار التلوث الطافحة التي طالت سطحَ اللوحةِ والمكانَ المرسومَ معاً. كما أن لوحةً بالعنوان ذاته (المدينة القديمة) للفنان بشير السنوسي انصبغت باللون الأزرق الهاديء إشارة إلى سطوة البحر، دون غيره من العناصر المكانية، على كيانها وبراحها وحتى مكوناتها المادية، وهو يعكس أثر الموقع الجغرافي على المدينة القديمة إن قصد الرسام طرابلس، لأن مدناً أخرى قديمة ولكنها ليست ساحلية.

وهذا التفاوت في التكوين والإيحاء والقراءة والتأويل، يقودنا للقول بأنه لو جمَّعنا اللوحات التشكيلية ذات العناوين الواحدة المتكررة في هذا المعرض، مثل عنوان (بورتريه) لكلٍّ من الفنانة مودة شقلوف والفنانة بشرى العلام، وعنوان (الطبيعة) لكلٍّ من الفنان التيجاني زكري والفنان عادل التواتي، بالإضافة إلى عنوان (المدينة القديمة) للفنان عبدالجواد المغربي والفنان بشير السنوسي، وتأملنا هذه اللوحات الفنية الجميلة، كلاً على حدى، وعقدنا مقارنة بين المشترك والمختلف بينها في خصائصها الفنية وعناصرها التكوينية، ودرجة تفاوت كلِّ فنان في أسلوبه التعبيري عن ذات الموضوع أو المكان، لأيقنا بأن اللوحة الفنية التشكيلية تقدم لنا درساً تعليمياً عظيماً، يتمثل في الإيمان بتعدد الأفكار والآراء، وتنوع وجهات النظر حول الموضوع الواحد، وهذا يوطن بلا شك الكثير من الطمأنينة النفسية في أعماقنا، ويعزز الرضى والقبول الفكري بالآخر المعارض والمخالف، ولا شك أن اعتناقنا وارتواءنا بهذا الفكر الإنساني المنفتح المستنير، يمنحنا قدرة ورغبة قوية للتعايش معه والقبول به شريكاً، والإشادة به وإن اختلف معنا، وهذا يجعلنا هنا نحضن بكل المحبة والأخوّة والابتهاج لوحةً جميلة بعنوان (سيدة أمازيغية) للفنان توفيق عويب والاحتفاء بها منجزاً فنياً، وكياناً إنسانياً، ونسيجاً إجتماعياً ليبياً أصيلاً، وقد تداخلت تكويناتها بين الرسم والزخرفة وأشغال القص واللصق، الذي يناظر تقنية الاقتباس في النص الأدبي النثري والشعري، وكذلك الاحتفاء بلوحة (تارقي) للفنان عبدالناصر المبروك، ولوحة (فتاة من الجنوب) للفنان صلاح غيث إيماناً باحتضان جميع أطياف المجتمع الليبي وشرائحه المتنوعة التي تشكل هوية متكاملة للوحدة الوطنية والهوية الليبية.

وإن ظهر فن الكاريكاتير يتيماً في هذا المعرض ممثلاً بلوحة الفنان العجيلي العبيدي، دون غيرها، والتي ذكرتنا، وما نسينا، الفنانَ الراحل محمد ازوازي، مبدعَ هذا الفن الذي أسهم بشكل لافت في انتشاره وترسيخ أهميته في الوسط الشعبي الاجتماعي، وخطورته في الشأن السياسي كذلك، من خلال مداومته على نشر رسوماته النقدية الساخرة اللاذعة بالصحف اليومية والمطبوعات السيّارة، فإن الأدب السردي ممثلاً في جنس القصة القصيرة رسماً وإبداعاً، كان حاضراً بغزارة في لوحة (الحكايا) الجميلة للفنان صلاح بالحاج التي تضمنت أكثر من عشرة مشاهد قصصية متداخلة، برزت بشكل فني مبهر، وخطوطٍ وألوانٍ تحاكي سرداً نثرياً حكائياً بارعاً، يحمل العديد من الرسائل الفنية المهمة، وهذا يؤكد نظرية التعالق بين الأجناس الإبداعية الأدبية والفنية كافة.

ولابد من التأكيد على أنه من خصائص لوحات الفن التشكيلي في ليبيا، وربما خارجها أيضاً، إفساحها براحاً للموروث الثقافي والتراث الوطني للمجتمعات مثلما نجده في لوحات (عازف) للفنان خالد رمضان المجسد بكل حرفية الزكارَ وآلتَه الموسيقية الفلكلورية (الزكرة) المزهوة بسلاسلها المتدلية وفتحاتها الهوائية وكذلك ملابس العازف التقليدية، و(الخميسة) للفنان يوسف السيفاو وهي تعويذة صحراوية تناسلت في حيواتنا الاجتماعية وظلت رمزاً للفرح والبهجة، تستحضرها غالباً البنات الصبايا والعرائس في مناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف خاصةً، وإن ظهرت باللون الأسود في هذه اللوحة، و(طقطاقة) للفنانة إيناس الشيباني وهي قطعة حديدية مثبتة في فردة باب المنزل للدق عليها، ودعوة أهل البيت للخروج وفتح الباب، نجد الفن التشكيلي الليبي في نفس الوقت يحتوي لوحات زاخرة بعناصر الحداثة البصرية المعاصرة وتكويناتها الفسيحة، وثراء أسئلتها الباعثة للدهشة، والحث على تفكيكها وتأويلها مثل لوحات (مصابيح) للفنان علي المنتصر و(تجريد) للفنان علي معيتيق، و(جذور) للفنان عمر بركة، وحوائط (سالم التميمي)، و(تطلع) للفنان محمد الغرياني، و(تأمل) للفنانة مريم الصيد و(تصدع) للفنانة نادية عابد، و(الفانوس) للفنانة مريم بازينه.

إنَّ جميع هذه اللوحات الجميلة، وإن تفاوتت أحجامها وألوانها ومواضيعها، فإن قدرتها الإيحائية والرمزية فائقة التأثير، ومبهرة نسبياً في تمكنها من اختراق أحاسيس الذات الإنسانية، للتفاعل فيها ومعها، وإيقاظ العقل من سباته، وقرعه بالعديد من الأسئلة التواقة إلى كثيرٍ من المعرفة وبعض اليقين. ولعل ما عايشته شخصياً من مكابدة وعناء، وأنفقته من جهد ووقت ممتع لذيذ، وأنا أركض منتشياً بكل البهجة والتفاعل الإيجابي، متأملاً باحثاً عن خيوط استرشادية لتتبع مسارات المصابيح، وهي مبعث النور والإشعاع في لوحة الفنان علي المنتصر، حين كنتُ ألاحق فيها أنفاسي اللاهثة مع كل نظرة تأملية، منبهراً برهافة ألوانها الانسيابية المتناسقة حد التوحد والإنصهار الآسر، ولمساتِ فضاءها الناعم، وخطوطها المتمكنة من إطلاق الأفكار، وأسر الروح والعقل معاً، يبعث في أعماقي ارتياحاً وانبساطاً معززاً بالاشادة والثناء. وكذلك محاولاتي الأخرى التي خضتها، في السعي الحثيث لفتح قنوات تواصل، وخلق حوار فكري، مع لوحة (اكتئاب) للفنانة عفراء شعيب التي شخّصت فيها إمرأة مكبلة بقيودٍ تطوقها، وأحمالٍ حجريةٍ تثقل جسدها الأنثوي، مع إجبارها على التبسم أو الضحك بالقوة، وهو ما ولّد بداخلي شعوراً بالتعاطف الكبير معها والرغبة في رفع ذاك الظلم ونزع القيود عنها. وبقدر ما حققتُ بعض نجاحاتِ الفهم والاستيعاب في تلك اللوحة، فإنني أعترف بأن لوحة (دوائر الحياة) للفنانة فاطمة الفرجاني أوصدت أبوابها كلياً أمامي، وبقيتْ مُحكمةَ الإغلاق تماماً على فكري المتواضع، رغم عدة محاولات لترويضها، وأقر بأنه استعصى عليّ الدخول إلى عالمها واستيعاب رمزيتها، ومضمونها ورسالتها، ولكن هذا بلا شك نتيجة قصور وتقصير شخصي مني، بينما آخرون ربما يرونها غير ذلك.

يعتبر فن الزخرفة الحروفية واللونية من الناحية التاريخية عريقاً والأكثر شهرةً، ربما، بين أنواع التشكيل الأخرى، فالحرف هو المبتدأ الذي تستمد منه الحياة معارفها ونورها البصري والتبصيري، وقد جاءت لوحة (كلماتٌ من حروف) للفنان صبري سلطان باذخة بالجمال اللوني السماوي الخافت المتدرج، الذي انصبغ بها بساطها. وأزعم أن الجاذبية القوية التي اكتسبتها اللوحة انبعثت من نوعية الحرف الواضح في رسمه، والمحفور بعمق خفيف، وكذلك المظلل بكل هدوء، وازدانت هذه كلها بدقة التشكيل الفني وحرفية الصنعة المكللة بالعبق والبهاء.

إنّ اللوحة التشكيلية في بلادنا لا يقتصر اهتمامها على التوازن بين حفظ وتوثيق الموروث الفني التقليدي القديم وإنتاج أفكار ومضامين جديدة منتمية للحداثة المعاصرة فحسب، بل ظلت تواكب قضايا المجتمع وظروفه كافةً في السلم والحرب، حتى طالها الخطر والضرر والتشويه، فكانت هي نفسها إحدى ضحايا الحرب الملعونة، ولعل ما تعرضت له لوحة الفنان (عبدالرؤوف عبيه) من مخاطر، وتحملته من معاناة وقلق ووحشة، مثالنا الصريح على ذلك، حين بهتت ألوانها، وارتعشت خطوطها، وتوقف نبض عروقها، من جراء دوي أصوات الرصاص والتفجيرات، وروائح الخراب والدم والموت، وظلت طوال سنة ونصف صامدةً وسط الركام، تنوشها القذائف وتهددها النيران بالفناء، تتحدى الحرب الملعونة حتى انتصرت أخيراً عليها، وعادت إلى محراب حياتها التشكيلية معافاة شكلياً، ولكنها تعاني إنكساراً في روحها وندوباً قاسية على جسدها.

والحرب كانت حاضرة كذلك في لوحة (مسرح الحرب) للفنانة إلهام الفرجاني التي رحل بنا تشكيلها بعيداً إلى عهود قديمة من الحروب والصراعات والقتال الشرس في ساحة حوض البحر المتوسط الذي جعلته غامقاً مظلماً، وألمحت إلى الضحايا سواء من الكيانات البشرية، أو بعض الحيوانات القديمة في الصحراء الليبية، ويبدو أن بروز الترقيع في سجادة بساطها، هو أثرٌ وعلامةٌ على تعدد محاولات جبر النفوس والمصالحات وتجسير العلاقات بين الأمم لإخماد نيران الحروب.

لوحتان زاهيتان راقصتان ظل قلبي مزهواً بهما، وهو يشدو على وقع إيقاعاتٍ صادحةٍ بالحبور والمسرة والانبساط، وقد نهلتُ كثيراً من فيوض ألوانهما الجميلة الناصعة، وخطوط تفاصيلهما الدقيقة، وما ارتويتُ منهما أبداً أبداً. الأولى هي لوحة (سيدة) للفنان جمال دعوب التي لازالت رائحة الفاسوخ والجاوي والوشق المنبعثة من المبخرة التي بيد تلك السيدة الجميلة تطوق أنفاسي، وربما هذا المكان كله، وظل لون ردائها الأزرق الجميل يفتح عيون الخيال للإبحار في تفاصيل وتقاسيم الجسد الأنثوي الناعم ووجهه الصبوح. أما الثانية فهي لوحة (تحدي) للفنانة ريم المنير التي زرعت بأعماقي ربيعاً آسراً بتشكيلة ورود لونية جميلة فواحة ،تعبق بالبهاء والرقة والحُسن، لا ينطفيء شذى عطورها في أنفاسنا، ولا تبهت سطوتها ودلالاتها الجمالية عن عيوننا، وهي تنحاز للحياة المفعمة بالأمل، وترحل بنا معها في أحضان جمال ربيع مزهر دائم.

(4) بورتريه رابع

ظل الفن التشكيلي جزءاً من ثقافتي المرئية البصرية التي علّمتني زاوية النظر، والتأمل في اللوحة التشكيلية، والغوص في ثنايا ألوانها وخطوطها، بحثاً عن دلالات ومعاني تلك البانوراما التي تتشكل بها عناصر ومكونات إبداعية عديدة. أما الصورة الفوتوغرافية فقد كانت بالنسبة لي أكثر سهولةً في التوغل والاستيعاب، باعتبار أنها ناقلة ومجسدة لماديات محسوسة وكائنات موجودة، بينما لوحة الرسم التشكيلي سواء السريالي والحروفي وحتى التجريدي بها نفحة من خيال، ودفقة روحانية عميقة، تحرك الوجدان والعقل لحظة الوقوف أمامها والتجلي في محرابها.

وهذا الشغف قادني في زمن بعيدٍ، كان شاباً مليئاً بالطاقة والآمال العريضة سنة 1992م بالتعاون مع الأستاذة/ أمال المغربي من مكتب برنامج الأمم المتحدة للتنمية UNDP بطرابلس إلى تنظيم أول مسابقة دولية لرسوم الأطفال في ليبيا، والتي فازت بها على مستوى العالم أجمع لوحة الطفل الليبي “أنذاك” (خالد جانكو) حين عُرضت اللوحات المشاركة من جميع دول العالم بمقر هيئة الأمم المتحدة في نيويورك، وطبعت هيئة الأمم المتحدة هذه اللوحة في بطاقة بريدية.

أما تعريفي بالفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي فاقتصر على استضافة الفنانين عمر الغرياني والتيجاني زكري سنة 1995م في لقاءٍ حواري مسموع بإذاعة صوت طرابلس حول تذوق الفن التشكيلي في مشاهد حياتنا اليومية، ثم نشرتُ سنة 1999م مقالة بصحيفة (العرب) اللندنية حول حروفيات الفن التشكيلي بعنوان (تكوينات اسكندر السوكني والعناوين المطلقة)، ومقالة قصيرة بعنوان (لستَ مجرد مصور) عن الفنان المصور الفوتوغرافي أحمد السيفاو نشرتها بصحيفة “أويا” سنة 2009م، كما أجريتُ سنة 2010م لقاءً تلفزيونياً حول الفن التشكيلي مع الفنان الرائع الأستاذ علي العباني ضمن حلقات برنامجي المرئي (المشهد الثقافي)، وأخيراً سنة 2013م نشرتُ بصحيفة فبراير مقالتي المعنونة (اللوحة السيفاوية) حول القلق في اللوحة التشكيلية للفنان الراحل أحمد السيفاو رحمه الله.

كل هذه النشاطات، في تصوري، تعكس أهمية الفن التشكيلي في تأسيس كيان حياتي الثقافية والتي لا أراها مكتملة بدونه، لأنه يمثل الصورة واللقطة الفوتوغرافية المادية، واللوحة الإبداعية الحسية التي بدورها تتطور وتتفاعل في العقل الباطن، ومن خلالها تتخلق العديد من الرؤى والصور المناظرة لها في النص الأدبي والذي هو سيرةُ حياةٍ لكلٍّ منا.

(5) بورتريه خامس وأخير

تُرى ماذا ينقص الفن التشكيلي في بلادنا؟

في ختام هذه الكتابة الانطباعية المتواضعة عن الفنون التشكيلية واجهني طائر فناننا الراحل مرعي التليسي الذي كان حاضراً فينا طوال هذه الكتابة، بهذا السؤال المباغث بنوع من التحدي والاستفزاز اللذيذ. وأعترف بأنه لا يمكن القبض على كل إجابات السؤال، ولكن يمكن الإشارة إلى أنه في ظل عدم وجود كيان أو مظلة جامعة للفن التشكيلي سواء كانت حكومية أو أهلية ترعى هذا المجال، ومحدودية نشاطات ومعارض الفنون التشكيلية، واعتمادها على الظهور الموسمي، الظرفي وغير المبرمج الثابت وفق رزنامة سنوية، وغياب التواجد الإعلامي الواسع والمكثف للتشكيل الليبي في المشهد الإبداعي العام، ممثلاً بعدم إصدار مطبوعة فنية تشكيلية، متخصصة ومتواصلة، أو إعداد برامج تعريفية إذاعية وتلفزيونية تبرز إبداعات التشكيليين الليبيين، وتقدم اللوحة الليبية كأحد عناصر الهوية الوطنية الفنية لتكون أيقونة ومعلماً ورمزاً حاضراً فينا على الدوام، وتؤسس لحركة نقدية فنية عميقة متخصصة، تتابع إبداعات الفنانين التشكيليين، وتضع المعايير الفنية اللازمة وترسم الخطط وتعد البرامج لترسيخ ثقافة الفن التشكيلي، وتنبه إلى بعض مواطن القصور والخلل.

كما أن ضعف الدور الداعم من الوسائل الإعلامية الصحفية والمرئية والمسموعة، وعدم متابعتها الدائمة لنشاطات الفن التشكيلي، على قلتها، أوجد فراغاً وجهلاً بتاريخ اللوحة التشكيلية الليبية وتاريخها ورصيدها واسهامها الانساني.

هذا في تصوري أبرز ما يعانيه الفن التشكيلي في ليبيا الذي ربما، ما لم يتم معالجة تلك الأسباب، سيظل نخبوياً يعاني الإهمال والطمس وانعدام التفاعل مع المستهدفين من جميع شرائح المجتمع، ضعيف الإنتشار، وبعيداً عن ملامسة الإنسان البسيط، والذي هو، كما أتصور، منحازٌ فطرياً إلى المضامين الجمالية المشتركة ورسائل اللوحة الفنية التشكيلية بكل تفرعاتها، والدليل على ذلك ما نجده من جهود شخصية في اختيارات الألوان كافة، وترتيبات الديكور، وتموضوعات قطع الأثاث المنزلي مهما كانت بساطتها.

لقد حظيتُ بمشاهدة عدة معارض للفنون التشكيلية في بعض الدول التي زرتها أو عشتُ فيها مثل بريطانيا وماليزيا وسويسرا ومالطا وتونس والمغرب وأيقنتُ بأن اللوحة التشكيلية الليبية لديها الكثير من الخصائص الفنية التي تجعلها تتصدر المشهد الإنساني، وهو ما يبعث في نفسي الكثير من الفخر والإعتزاز بكل فنان ليبي أسهم في رسم وتلوين وتشكيل وتجسيد لوحة ليبية أبهجت نفسي، وأمتعت بصري، وعاشت في أعماقي. فلكم أجدد التهاني بإشهار الجمعية الليبية للفنون التشكيلية متمنياً كل التوفيق لجميع الفنانين المبدعين في بلادنا كافةً، ويسرني أن أهدي الجمعية نسخاً من كتابي (أما للكره والبغضاء حدٌّ) في قصيدة الشاعر الراحل الدكتور عبدالمولى البغدادي رحمه الله.

___________________________

ألقيت هذه الورقة ضمن الأمسية الثقافية لمعرض نوافذ تشكيلية 28 يناير 2021م.

مقالات ذات علاقة

صراخ الطابق السفلي في زمن السفلة

سالم العوكلي

السيفاو.. الكتابة بحبر الذكريات

عبدالسلام الفقهي

حواء القموي .. أشواك عسلية

يوسف الشريف

اترك تعليق