غلاف رواية ديجالون. للكاتب: المختار الجدال.
سرد

رواية ديجالون – الحلقة 11

غلاف رواية ديجالون.
للكاتب: المختار الجدال.

-13-

مطار كولا لمبور

كوالالمبور تعني ملتقي النهرين وكانت في الأصل عبارة عن محطة خارجية لتعدين القصدير أنشئت عام 1800 م علي ملتقي نهر جومباك مع نهر كيلانج، وتشتهر كوالالمبور اليوم بأنها مدينه عصريه مليئة بالنشاط وهي العاصمة الاتحادية لماليزيا والمركز الأساسي للتجارة والسياسة.

يتدفق السياح علي الأجزاء القديمة من المدينة بأعداد كبيرة لزيارة قصر السلطان عبد الصمد وميدان التحرير الذي انزل فيه العلم البريطاني في 31 أغسطس عام 1957 م ورفع مكانه العالم الماليزي معلنا استقلال البلاد من الاستعمار.ويتألق أفق المدينة المتجدد باستمرار ببرجي بترو ناس الاعلي في العالم ارتفاعا يبلغ 452 م فوق سطح البحر، وكذلك برج كوالالمبور رابع اعلي أبراج العالم وتمتاز هذه المدينة بشبكه مواصلات حديثه تشمل سكك الحديدية الخفيفة والقطار أحادي السكة وعلي الرغم من تحول كوالالمبور إلي مدينه في غاية الحداثة إلا أنها ما زالت تحافظ علي سحرها القديم وهذا يبدو واضحا في المباني الضخمة في الحقبة الاستعمارية وحوانيت ما قبل الحرب وفي أسلوب ممارسه الأعمال التجارية.

ومن ابرز سمات هذه المدينة أجواء الحديقة الكبيرة التي تهيمن عليها وفي الليل تزدان الشوارع والأشجار بالزينات، وبأضواء ملونه لتعطي المدينة تألقا فريدا وباهرا وتزهو المدينة بالعديد من الحدائق مثل : حديقة البحيرة المكسوة بنباتات الخبيزة والسحليات والطيور والغزلان والفراشات بالاضافه إلي العديد من الأماكن الجميلة الاخري ويستطيع عشاق التاريخ والآثار العصور علي ضالتهم في المتحف الوطني والعديد من المتاحف التخصصية الاخري كما إن المدينة مكان رائع للتسويق لما تحويه من ميادين وأسواق تجاريه متعددة علي سبيل المثال :

في شارع بوكيت بينتانج وشارع تينكو عبد الرحمن وشارع امبانج، والمراكز التجارية مثل السوق المركزي التي تجذب الناس بما فيها من بضائع متنوعة بأسعار مناسبة، كما إن هذه المناطق حافلة بالحياة الليلية والترفيهية عبر مسارح غربيه ومحليه وأمسيات ثقافيه وحتى لعب الجولف ليلا في أطراف المدينة.

وهناك أطباق عالميه ومحليه جذابة يمكن الاستمتاع بها طوال اليوم، وما عليك إلا استكشاف المطاعم الفاخرة ومطاعم الوجبات السريعة ومطاعم الوجبات الاخري لتستمتع باقصي ما يمكن في هذه المدينة.

بتنا ليلتنا الأخيرة في كوالالمبور ننتظر مغادرتها نحمل في أفكارنا أحلاماً تنهي مأساتنا وسط هذا العالم الواسع الذي أصبح يضيق بناء ويحشرنا في زواياه المظلمة ونعيش نفترش حقائب سفرنا ونتكئ على وسائد محشوة بكذبة الحرية وحقوق الإنسان.

أشرقت شمس صباح الجمعة ورحلتنا إلى كندا عند الظهيرة وكل شيء أصبح عندنا جاهز لإتمام إجراءات المغادرة، ولا يفصلنا عن الحرية التي ننشدها إلا بوابة الخروج وساعات قليلة من الطيران نستريح بعدها من عناء الترحال والخوف من مجهول خيل لنا إنه يلاحقنا أينما نزلنا.

نهرب من مجهول يسيطر على عقولنا و لا نراه، يقيدنا بأفكار بعيده عن الواقع، وأتأمل أطفالي من حولي وهم يلعبون وأحدث نفسي ما ذنبهم في كل ذلك يرحلون معنا من مجهول إلى مجهول يطوفون الأرض يبحثون عن سقف يمنحهم الأمن والطمأنينة والاستقرار.

وقفت أتفحص وجه ضابط الجوازات الماليزي وهو يراجع جواز سفر العائلة، هذا الذي رأيته في الحلم… هو بالتأكيد.. صورته طبعت في مخيلتي،…. واسترجعت حلم تلك الليلة،.. الطريق الطويل… وسط الغابة…. والدراجة التي تهشمت أمام ذلك الرجل.

– وقلت لزوجي إنه هو… نفس الوجه الذي رأيته في الحلم… يا سبحان الله…

– نظر نحوي باستغراب، ماذا تقولين يأمراه أصمتي… وابتعدي عن هذا التفكير… أتصدقين أحلام وتكذبين حقيقة… ها نحن نقترب من بوابة الخروج ومغادرة ماليزيا…

– عدت أسترجع الحلم المرعب….

– قال زوجي… أمسكي الأطفال وأهتمي بهم، أعرف إنه يحاول أن يطمئن نفسه ويطمئنني.

ختم لنا ضابط الجوازات… وغادرنا بوابة دخول المطار متوجهين إلى بوابة الصعود إلى الطائرة، وبين هذه وتلك مسافة ليست بالقصيرة، وكنت أكثرت من النظر إلى الضابط والتفت إلى الخلف للتأكد من إنه لا يلحقنا إلا إن زوجي كان يدفعني نحو بوابة الخروج.

كانت تجلس في البوابة سيدة تتفحص جوازات السفر فحصاً نهائياً، فأمسكت بالجواز…. وعند التفاته مني رأيت الضابط يتجه نحونا مسرعاً الخطى، وعلى الفور قالت له تلك السيدة… أليس هذا الجواز شبيه بنفس جواز أول أمس؟؟، أخذ الجواز ليتفحصه من جديد باستخدام العين السحرية هذه المرة وطلب تذاكر السفر وبطاقات الصعود وقال إن الجواز مزور ولا يمكنكم المغادرة بهذا.

لم أحتمل ما يحدث صرخت كثيراً لقد أصبحنا شبهة زوجي وأنا والأولاد نحن لم نفعل شيء لم نقتل.. لم نرتكب جريمة.. نحن خرجنا نبحث عن الحياة.

كنا ننوي التوجه إلى كندا ونطلب اللجوء هناك ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فالجواز كان مزوراً وكذلك جواز السيد الذي تم إيقافه قبل ذلك بيومين والذي قيل لنا إنه غادر المطار ولكن عرفنا فيما بعد إنه قد أكتشف أمره وهو يقبع في سجن المطار.

وبما لأن جواز السفر كان سعودياً منحنا القوة لنتمسك بحقنا كسعوديون، وعندما قيل لنا أنكم لستم سعوديين طلبنا حضور السفير السعودي للخروج من هذا المآزق، وفي المساء حضر السفير يرافقه رجل آخر، واختلوا بزوجي موجهين إليه سيلاً من الأسئلة وطلبوا منه الاعتراف بتزوير الجواز، ولما كان لهم ذلك تركونا لمصيرنا المجهول، وقمنا بعدة محاولات لإقناع سلطات المطار لكن محاولاتنا لإثبات ذلك باءت بالفشل.

كنا نحتفظ برسالة تمنحنا حق اللجوء السياسي من منظمة اليونيسيف مكتب المغرب، أبرزنا هذه الرسالة، وهي الوثيقة الوحيدة المتبقية لتثبت شخصياتنا بعد أن سحب منا الجواز السعودي، ولكن هذه الورقة لم تجدي نفعاً اللهم إلا لفت الانتباه إلى إن ورائنا قصة.

لا أستطيع وصف تلك المعاناة وصفاً دقيقاً لأن ما حدث يبدو لي حلم وواقع ولكم أن تتصوروا العائلة وهي تعيش في صالة الانتظار في أحد المطارات الدولية ليل ونهار ويمر بنا المسافرون ذهاباً وإيابا، فقد رأيت عديد الوجوه وهي تغادر ثم تعود.

غادرت المطار عائلة أردنية إلى أستراليا لتضع الزوجة حملها وغابت شهر كامل أو يزيد ثم عادت فوجدونا لازلنا في صالة الانتظار ننتظر ما يتقرر بشأننا ولما كان منظرنا يثير الشفقة فقد وضع ذلك الأردني مبلغ من المال في جيب أبنتي الآمر الذي بعث فينا سرور لا يقدر فقد كنا بحاجة ماسة للمال فقد نفذ كل ما بحوزتنا.

في المطار كنا نقضي كل الوقت على الكراسي ولا نستطيع أن نبرح أماكننا نستعمل كراسي القاعة للنوم جلوساً أو نتمدد على الأرض أحيانا في أوقات متأخرة وعندما لا يكون هناك مغادرون.

في اليوم الرابع من إقامتنا في المطار التقينا الكابتن إبراهيم، عراقي الجنسية ويعمل طيار على الخطوط الماليزية والذي قدم لنا خدمات جليلة طيلة وجودنا في الأراضي الماليزية سواء في المطار أو بعد نقلنا إلى السجن.

وجدت إن جسدي قد سيطر عليه التعب من كثرة الجلوس على الكراسي، وكانت توجد أمام مسجد المطار مجموعة من الكراسي متصلة دون حواجز فيما بينها رغبت أن أمدد جسدي قليلاً، فوقف الرجل يسألني عن شبشب الحمام ليتوضآ، ونظراً لأنني مرهقة ومتعبة فقد أجبته بعصبية مفرطة وغير لائقة، جلس الرجل وكان يسرق النظر نحوي ويتأملني بعناية، وكنت كلما حاولت أن أبتعد عنه بنظري تلاحقني نظراته، كنت أعرف إن الشبشب قد دخل به زوجي إلى الحمام ولكن إجابتي كانت فظة، وعندما التقي الرجل بزوجي في المسجد حكى له عن قصتنا وما حدث لنا.

يبدو إن العناية الآلهية هي من أرسلت لنا إبراهيم ليخفف عنا متاعبنا، وأصبحنا بالكاد يمر يوم ولا نرى فيه الكابتن إبراهيم، يمر علينا ويوفر لنا احتياجاتنا ويسأل عنا وكثيراً ما يتدخل لدى سلطات المطار لمساعدتنا.

لقد وفر لنا الكابتن إبراهيم كل احتياجاتنا كان يحضر لنا الآكل ويحمل ملابسنا لغسلها وكيها وعندما يسافر إلى خارج ماليزيا كلف صهره بتوفير كل ما يلزمنا، كان نعم الإنسان الصادق الودود يحضن أطفالي ويلاعبهم يحضر لهم الحلوى لقد وفر لنا جو من الرعاية التي كنا بحاجة إليها.

قال لي ذات يوم عندما اعتذرت منه من باب اللياقة ” أنا لا يوجد عندي أطفال لقد حرمت منهم فأرسل الله لي هؤلاء ليكونوا أبنائي” لقد أشعرني بالخجل لرده هذا وبكيت كثيراً لموقف هذا الرجل.

حدثتني زوجته يوماً بأنه قال لها ” لقد رأيت في وجه المرأة صورة والدتي…. هناك شئ ما جذبني لأقف كي أتأمل وجه تلك المرأة.

بعد مضي قرابة شهر حاولنا فيه الاتصال بعدة شخصيات للتدخل بعضها رفض حتى الاستماع إلينا والبعض حاول مساعدتنا، وقد منحنا الشيخ يوسف القرضاوي المفكر العربي الإسلامي الكبير خمس دقائق من وقته الثمين للاستماع إلى قصتنا كان مغادراً لمطار كوالالمبور فالتقاه زوجي وجلس معه ولكنه غادرنا دون أن يعلق، واذكر كثيراً الجهد التي قامت به السيدة المسئولة عن حقوق الإنسان في ماليزيا وهي نيروجية التي قامت بزيارتنا في المطار وتذليل بعض المشاكل.

 

اقرأ: رواية ديجالون – الحلقة 10

مقالات ذات علاقة

ربما.. وليش لا؟

محمد الأصفر

جزء من رواية لن ترضى عنك روما

فتحي محمد مسعود

مقطع من رواية (صندوق الرمل)

عائشة إبراهيم

تعليق واحد

رواية ديجالون – الحلقة 12 | بلد الطيوب 21 سبتمبر, 2017 at 16:54

[…] اقرأ: رواية ديجالون – الحلقة 11 […]

رد

اترك تعليق