المقالة

جحا وحماره

صورة عن صفحة الأستاذ الباحث “فارس العلاوي”

قالت وفي صوتها رنة حلوة وسؤال بريء.. كيف حالك؟وأجبت الحمد لله.. ولكنها رأت في الجواب اقتضاباً وغموضاً، ولكنه طابق السؤال في إيجازه وإبهامه.. وأي حال تقصدين؟ فإن كانت الصحة فهل وجد حامل قلم صحته على ما يرام أو صحفي مزاجه رائق صاف دائماً؟ من أراد أن يدخل ميدان الصحافة ويحمل قلماً، فليخلع ثوب الراحة عند الباب، ولا يسأل عن صحته.. من التعب المتواصل يبني أهل الأقلام حياتهم، ومن الشقاءيشقون الطريق.قالت: هذا يخالف ما قلت في سمرنا الفائت إن صحة الأبدان فيها إشراق النفوس، والنفوس العليلة لا يمكن أن تنتج أدباً صحيحاً، أو تجني ثماراً شهية، ولا يمكن للمكدود أن يكون صاحب فكر مشرق أنسيت يا صاحبي أم أن كلام الليل يمحوه النهار؟ وكلام النهار يولي مع غروب الشمس؟ ثم يأتي بدلاً عنه كلام جديد؟قلت: قد يكون حامل القلم متألماً قلقاً ونفسه مشرقة أفتسألين عن حالة النفس أم عن حالة البدن؟ صحة الأبدان أم صحة العواطف والأفكار؟ فقد يزعج كاتب مريض من فراشه دولة بل دولاً وهو يتقلب على فراش الآلام..قالت: دعنا من هذا كيف حالك؟ قلت من الناحية النفسية مضطرب كأمواج الشاطيء التي تداعبها الرياح، ثم تزمجر فلا تصل إلى،صخرات الشاطيء حتى تعود كرة أخرى هادئة ثم تعود صارخة مزمجرة وهكذا دواليك..قالت: هذا الآن وأنت في عنفوان الشباب فما بالك ويا ترى ماذا يكون حالك بعد تثاقل السنين وكر الأعوام؟فأجبت ومن قال إني سأعيش إلى أن تتثاقل السنون على كاهلي؟قالت: وماذا تصنع في ليالي الصيف؟قلت: أتأمل موج الشاطيء وأقارن بين أمواج النفس وأمواج البحر..قالت: وماذا تتمنى الآن؟قلت: مثل بلاد الانجليز حديقة (هابدبارك) يقول فيها الإنسان ما يشاء ويفرغ في صدره بشرط ألا يؤذي أحداً، وألا يحتج عليه أحد، وألا يعود حديثه غمغمة وهمهمة واضطراباً، ويعجبني من الأنجليز في بلادهم الحرية هناك ، وأكبر شاهد حياتهم السياسية المستقرة، ثم وجود حديقة (هايدبارك) وإذا اتيح لي زيارة لندن سأخطب فيها بكلام طويل وأضمنه كتاباً يبقى بعد موتي.قالت: كيف حالك مرة ثالثة؟ قلت: أنا الآن مثل جحا وخماره مع الناس.قالت: أتريد الآن أن تعود إلى حديث الفكاهة (أدب المداعبة) .

وهذا يجني على الأسلوب العلمي والبحوث المفيدة وسيأخذ الناس عنك فكرة الضاحك المهزار تلذي يلوح بالنكتة ويقذف الناس بقوارص قوله، وهذا جناية منك على نفسك، ونحن قوم نريد الوقار ولو مصطنعاً والحياء ولو مزيفاً والخشوع ولو متكلفاً والفكاهة وأدب المرح والضحك لا يوافق جوّنا ومالنا وما لجحا وحماره.قلت: إن قصص جحا فيها فوائد ورغم أن الشيخ أو الخواجة جحا – كما يفول الأتراك – قد أضافوا إليه كثيراً من القصص المصطنع والحوار الذي لم بخطر على باله والأحاديث التي أضافوها إلبه وهو مسكين لم يحلم،بها رغم هذا كله فإن جحا قد أصبح شخصية عالمبة نجدها في بقاع العالم كله: جحا التركي، وجحا المصري، وجحا المغربي، وجحا الإوربي. .الخ.. وقد فرغت من كتاب عن جحا في طرابلس (وقطعت مرحلة طيبة ثم جاءت موجة عصفت به كما،عصفت بكثير من الرسائل(2)، والأضابير وويل للكُتاب من عواصف النفوس وعواصف الشواطيء.قالت: كثيرون الذين كتبوا عن جحا.. وقلت وخاصة الأستاذ كامل الكيلاني الذي قرأنا له عندما كنا أطفالاً صغاراً قصصه الطريفة وقد أمسك متذ أيام مضت بخناق جخا.. قال صديقنا مصطفى حمام الصحفي في إحدى جلسات (الفيشاوي) كامل،الكيلاني الآن يسرح بجحا، وكتب الأستاذ فريد أبو حديد كتاباً عن جحا في سلسلة اقرأ (جحا في جامبولاد) ولكن ألبس جحا ثوباً لم يلبسه أبداً، وخاط له قباءً لا يتفق مع كاهله ولم يرتده فوق عاتقه، وصنيعته في كتابه مثل ما تلبس قدماء المصريين الأثواب العصرية، فتخرج كليوباترة تلبس جورباً من النايلون، أو سيدنا آدم في بدلة سموكن، أو حواء في ثوب السهرة، أو تكتب رواية عن،سيدنا الشهم الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضوان الله عليه.. فتعطيه بندقية في بده، ولكن جحا في طرابلس لن يكون مثل جحا في جامبولاند – رغم أنف فريد أبو حديد.قالت: أصابك الغرور وهو داء لعين يصيب الكُتاب الشباب، ويقضي على الناشئة ويسقط الشباب، وما أكثر صرعى الغرور أم أثّر فيك الدكتور زكي مبارك بشحطاته وضرباته وهجماته!؟قلت: زكي مبترك أستاذ له مدرسة خاصة ونهج فريد لا تحركي عظامه في رمسه وإنما دعينا هنا مع الأحياء.قالت: وما قصة جحا وحماره مع الناس فقد أشرت إليها في أول الحدبث ثم أطنبت وباعدت..؟؟

قلت: الكلام يجر بعضه بعضاً والخواطر تتلاحق وتتسابق وخاصة إذا كان مع أديبة مثلك تقدر حياة الأشقياء من حملة الأقلام التعساء.روت لي أمي رحمها الله هذه القصة فيما زعم رواة جحا واسمحي لي أن أترك أسلوب أمي رحمها الله وأرويها بأسلوبي لئلا ألبس والدتي ثوباً ما لبسته مثل ما صنع فريد أبو حديد في كتاببه (جحا في جامبولاد) و(آلام جحا). فقد كتب مرتين عن جحا.قالت أمي: كان لجحا رحمه الله حمار لا يملك سواه، يعتني به ويحافظ عليه أكثر من عناية الشباب الآن بسيارات (الكاديلاك) و(البويك) و(الشفروليت)، كان ينظفه ويغذيه من أجود أنواع التبن ويعلفه، وأوجد له بردعة جميلة مزخرفة منقوشة، وكان الحمار مثل سائر فصيلته يعرف طريقه ويسرع في مشاويره ويحمل جحا إلى الأسواق والسهرات.. والأماكن البعيدة.. وذات مرّة دعي جحا إلى مكان قصي، وخطر له أن يركب ولده معه، وسار الحمار يحمل جحا وولده في أمان وهدوء، ولكن طوال الطريق أخذ الناس يتغامزون ويتهامسون ويشيرون.. أرأيتم جحا فظاً غليظ القلب لا رحمة عنده.. يثقل ظهر الحمار المسكين بركب اثنان على ظهره؟ ..

وسمع جحا هذا فنزل وترك الحمار يحمل ولده وهو من وراء الحمار.. ومرّ على قوم.. فسخروا وهزؤا وقالوا أرايتم جحا معتوها مخبولاً، لا فكر عنده يهرول ويجري ويلاحق الحمار ويسير على أقدامه وأركب ولده الذي يستطيع الجري والهرولة.. هلا ركب هو وأراح نفسه من العناء والمشقة؟ فأنزل جحا ولده وراء الحمار ومرّ على قوم.. فقالوا هازئين ساخرين أريتم جحا قلبه قاس وفلذة كبده يتركه يجري وراء الحمار ويركب هو، إنه رجل فظ فقد عطف الوالد، إنه رجل جبار.. تحير جحا أمام هؤلاء الناس فهو في طريقه لا يخلو إذا ركب هو وولده.. قالوا رفقاً بالحمار ما هذه القسوة؟ وإن ركب ولده فقط قالوا معتوه لا يريد أن يرحم نفسه.. وإن ركب هو فقط قالوا لا رحمة عنده، فهو بين ثلاث حالات جبار وقاس أو فاقد الحنان أو معتوه مخبول، هكذا جحا في نظر الناس.. هكذا جحا وحماره مع الناس.قالت: وما علاقة هذا بحياة صحفي ناشيء؟قلت: في بلاد الشرق كلها لا هنا فقط يحتار الناس بعضهم من بعض إن تكلمت قالوا ثرثار وإن سكت قالوا هو أجوف، وإن كنت حليماً قالوا ضعيف.. وإن كنت سريعاً قالوا طائش.. وإن كنت متريثاً قالوا بليد بطيء، وإن كنت صريحاً قالوا.. أهبل.. وإن كنت.. مسايراً مدارياً.. قالوا منافق..وهكذا قصة جحا وحماره مع الناس يلمسها الإنسان في كثير من الأحوال في كثير من البلدان لأن طبع كثير من الناس هكذا.. قالت: وماذا يصنع الإنسان؟قلت: يراقب ربه ويرضي ضميره ويحاسب نفسه ويسير في طريقه ولو على حمار جحا.

(1) نشرت هذه المقالة لأول مرة في صحيفة طرابلس الغرب بتاريخ 12/ 7 / 1954م.(2) ثم طبعت فيما بعد في طبعتين بعنوان (جحا في ليبيا)، الأولى سنة 1958م والثانية سنة 1985م.

مقالات ذات علاقة

من خفيف الكلام .. الزمن والزمان

يوسف الشريف

مثابات أم مكتبات؟

أسماء الأسطى

عن جائزة الروائي الراحل الكبير أحمد إبراهيم الفقيه

عبدالله الغزال

اترك تعليق