النقد

أنا.. لستُ أنا

ومضات في الكتابة الليبية 8

(الصورة من اختيار الكاتب)
(الصورة من اختيار الكاتب)

في قصة “لستُ أنا” للكاتبة أسماء القرقني نحن إزاء موقف نصفه بـ “الأجرأ”. وإن لم نتجاوز به الشكوكية المتردّدة للساردة في قصة “عندما تتداعي الأشياء” من حولنا في “بيت الدُمية” عالم الزوجية الهّش. فالنفي بصيغة “لستُ” لا يدفع “الأنا” إلى أن يلجأ منهجياً إلى ما أطلق عليه ديكارت المغمور بالشك بـ “الأخلاق المؤقتة” وهي تصور متناقض مع الموقف الشكوكي من جهة، ومع مذهب “الأنا الواحدي” من جهة أخرى. فالأخلاق المؤقتة تنبع من عدم القابلية لتأجيل اتخاذ موقف ما. وهذه القضية تفرض ضمنيا الحاجة إلى الغير، وعدم قدرة الأنا على كفاية نفسه بنفسه، مما يجعل ادعاء مذهب “استقلال الأنا” باطلا.

 بعكس الساردة بنفس الضمير المصدوع في “عندما تتداعى الأشياء”. فإن الساردة بضمير الأنثى في قصة ” لستُ أنا” ما أرادت أن تقول لقارئها: أنا لا أتيقن شكي، ولكني أحدسه في تداعي الأشياء. فنحن كقراء نجد أنفسنا إزاء يقين يتجاوز بخطوة مجرد الحدس:” ثلاثة عشر عاماً استمع لنصائحه وإرشاداته المكررة والمتجددة أحيانا دون أن اعترض أو أفقد صبري، تعودت ذلك في بيت أبي، لم يتغير شيء. وقفت في هدوء أتلقى تعليماته الصباحية، ركزت نظراتي كعادتي في إبريق قهوتي حتى لا تفور (…) أصخت السمع لأصواتهن وحديثهن وضحكاتهن أمام شقتها، مازال الوقت مبكراً للزيارة!! يالهذا الفضول الذي ينمو ويترعرع”.

 في بداية “عندما تتداعى الأشياء” نتتبع استعدادات المتكلمة في القصة بضمير السارد للسباحة في البحر ” قررتُ ألّا أتناول الحبة، لأجرّب الخروج بدونها” فـ “المهدئات والعقاقير خدّرت إحساسي وأفقدتني الشعور بما حولي”. أما في “لستُ أنا” فنقرأ” ترددت كثيرا قبل أن احسم أمري وأقف أمام بابها للمرة الأولى، شعرت بالخجل، تلاشت ثقتي في نفسي، لم أزر أحداً ولم يرني أحد الا صدفة منذ استقررتُ هنا، سرت قشعريرة في أوصالي، اااااه على أن أتغلب على هذا الخوف، هناك وقت طويل قبل أن يعود (الزوج) من عمله”.

قبل الوصول إلى النقطة المقارنة بين الساردتين في “عندما تتداعى الأشياء” وفي “لستُ أنا” بتقدير موقفيهما ،أو بالأحرى خطوتيهما، نورد ما يمكن الاتفاق عليه بـالخطاطة السردية أي التمثيل المبسط والمختصر لمختلف العمليات التحويلية الكبرى في مجرى السرد والتي تنتظم وفق البنية التالية :البداية (المقدمة)والوسط( العقدة) والنهاية(الحل).ولكن مقاربتنا لـ “عندما تتداعى الأشياء” بـ “بيت الدُمية” تجعلنا نتبنى حتى بخصوص ” لست أنا” قلبُ التقنية الأبسني، الدي لا يفترض حلاً بل يفتح الباب على مصراعيه للتساؤل : ثم ماذا سيحدث بعد الخطوة الأولى؟ .

قبل الإجابة نتتبع خطوات الساردة 1 ـ فبقراءة مفتتح قصة “عندما تتداعى الأشياء” يتداعى إلى الذهن الشك الديكارتي كوسيلة منهجية للمعرفة. فالساردة تبدأ بامتحان قواها العارفة قبل اختبار معارفها الذي يشئ به هدا المقتطف السردي “لملمتُ الاشياء التي ستصحبني في الرحلة، ثياب السباحة، نظارتي الشمسية. لأضع الرواية التي أوصاني زوجي بأخذها مع حاجياتي قبل أن أنساها”.. قرأت عنوانها (عندما تتداعى الأشياء).. اسم غير جذّاب في نظري “ولكن حكمها الشخصي بلا جاذبية العنوان تنفيه سلطة معرفة أعلى هي ذائقة الزوج “لكن زوجي له ذائقة لا يختلف عليها اثنان كما يردد دائما”. سلطة الزوج تحددها هده الفقرة لو نسيت أخد الرواية “أتعرّض بعدها للومه واتهامه لي بعدم التركيز كعادته.. ” خاتمة النص المفتتح تفسر لنا عنوان رواية “عندما تتداعى الأشياء”.. “آه، كم كان يهينني ويصفني بالفارغة، ويبدي أشدّ الندم لأنه تزوج من امرأة لا تناسب عالمه”.

في قصة “لستُ أنا” كما في “عندما تتداعى الأشياء” نحن لا نسمع صوت انصفاق باب كما في مسرحية إبسن “بيت الدُمية”. ذلك الرّد الدي يتهافت عليه بالتأويل النقّاد الثقافيين والنسويين، فكما هو حال الساردة 1ـ فالرّد من قبل الساردة 2 ـ نُطق في “لستُ أنا” بأهدأ نبرة ممكنة: “كومت ملابسي الشاحبة على السرير دون ترتيب، تقلبت في فراشي كثيرا تلك الليلة، احتدمت الأفكار في باطني انحشرت الاستفهامات برؤوسها المعقوفة داخل رأسي، كيف تعيش “سمر” تلك الفوضى مع رفيقاتها؟ كيف تحتمل هذه الحياة المستهترة؟ لم أعتد تلك الأجواء، بيتي كان دائما مثالاً للنظام والدقة، كل تصرف محسوب وفي مكانه المناسب، كل شيء له موعد محدد لا يتجاوزه، لا اعتقد أنى سأزورها مرة اخرى.

افترضنا في ” أنا.. لستُ أنا” عنوان رواية ميلان كونديرا “كائناً لا تحتمل خفته” يشدّه الفضول لاجتياز الباب من (عالم الزوج) والدخول ناشداً السعادة إلى (عالم سمر) الآخر حيث الجارات ينتشرن في أروقة بيتها كالفراشات بأناقتهن المتزنة والوان ملابسهن المبهجة. ولكن في البيت ـ العالم الذي تتداعى فيه الأشياء حيث الذات تنفي نفسها بلستُ أنا يقابلنا بدل ضجة انصفاق الباب. ذلك الخفوت الذي يُبْطِنُ صرخات (نورا) التي سنسمعها لاحقًا، ويؤجل انصفاق بابها الذي سيُجْفلنا مستقبلاً فيما سنقرأه في قصة تالية من قصص العالم الذي تتداعى أشياءه.

مقالات ذات علاقة

مرثية الزوال.. أخر ما تبقى من شيء أصيل في الصحراء

أحمد الفيتوري

الوظيفة السامية للتخريف

محمد الترهوني

عن التجديد في شعر أُمَيْلَة النيهوم، أقول: حنين البهجة شعر.. أنين اللهفة لمعانُهُ..

نورالدين سعيد

اترك تعليق