النقد

“شهاق” بنكهة النعناع

الروائي الليبي محمد الأصفر
الروائي الليبي محمد الأصفر

لا يلحظ قراء السقيفة الليبية الفقرة التي وضعها مسؤول الصفحة بين قوسين (ترجمة/ هشام مطر) لقصة محمد الأصفر: “فواق بنكهة النعناع“…

هناك حافزان نشّطا الروائي الليبي الذي يكتب باللغة الإنجليزية ترجمة هذه القصة إليها. شخصي كون مضمون حكيها مرتبط بموضوعة روايات مطر المحورية المكتوبة للقاري باللغة الإنجليزية ولغات أوروبية أخرى تترجم عنها بـ Anatomy” اختفاء”. ولغوي يتعلق بعنوانها الذي سيوقف القارئ الإنجليزي عند لا اعتيادية استعارته غير الخارقة في أن يكون للفواق (نكهة.. نعناع).

أما القارئ الليبي غير المعني بالترجمة فإنه عندما يرد كلمة فواق إلى أرشيفها الدلالي الليبي بالاستعاضة عنها بـ كلمة (شهاق أو ”شهيقة”) المرتبطة استعاريا بمعتقد ذكر الشخص في غيابه. فهو ليس بحاجة للجملة الشارحة للاستعارة في العنوان التي يوردها في السياق الكاتب بضمير السارد بوصفه: “وتدخل أمي بخلبة نعناع طريّة فنبتسم وتبتسم قائلة…“ وبحواره بلسان الأم: “أثناء قطفي للنعناع فاجأني الفُوَاق، أكيد كنتما تتحدثان عني”. والرد عليها من طرف الأب وابنه نافيون (النميمة): ”لا نتحدث عنك إلاّ بالخير“.

المُلفت للقارئ الليبي في هذه القصة القصيرة أن الكاتب الأصفر دون روايتيه اللتين أشهراته كـ: شكشوكة وشرموله أو رواية تمر وقعمول يضع عنوانا أدبياً لنصه لا يصدك عن قراءته بجديّة. عكس نصوص أخرى كقصته “يانا علّي” استعارة معبرة عن عبثية ليبية.

أما المترجم فأختار عنوان القصة “فواق بنكهة النعناع” استعارة سلسة تجدب قارئه الإنجليزي إلى موضوعته الليبية الشخصية، محنته التي تكون المفتاح الأساس للدخول إلى فهم العالم أو المطل الخلفي لعالمه الروائي ممثلاً في نصوصه كـ: بلد الرجال وتشريح اختفاء، والعودة.

في هذه الومضة المقتضبة لقراء السقيفة الليبية، سأكتفي بمهمة المشرّح Anatom بمنهجية Stylistic 0f expression لأسلوبية التعبيرات الليبية. وأقتطف من طلب الأب لأبنه وهو أن يلح على أمه أن تأكل نصيبها من “وعاء الحساء المنكّه بالصعتر والحلبة”: “أشعر أنها بدأت تضعف وتيبس عن ذي قبل، ما عدت أسمع دندناتها وهي تعجن أو تنقّي أو تكنس. المرأة إنْ صمتت فذاك عين الخطر!“. القارئ الليبي ـ العربي والإنجليزي أيضاً يفهم أن: 1) فعل تعجن للدقيق، وأن فعل تكنس لأرضية الدار. ولكن فعل “تنقّي” هذا لا يفهمه إلا من عايش تجهيز حب القمح والشعير أو الدرة (السبول) بتنقيته من الشوائب للقدف به لقلب الرحى حجراً أو آلة طاحون. القارئ الإنجليزي أو الغربي عموماً. 2) يفهم تعبير الأب: أن الأم “تضعف” أو “تنحل”. أما أن “تيبس” فهدا التعبير يفهمه من عاش في البلاد المشمسة الحارة حيث يفقد المرء تدريجياً بالذات عندما يكبر الماء من جسده فييبس جلده بسبب سخونة الطقس وقلة تناوله لمياه الشرب. أما تعبير الأب ويقصد (الأم) بأن: “المرأة إنْ صمتت فذاك عين الخطر! “.. لأنه ما عاد يسمع “دندناتها” وهي تحرك في البيت عملاً.. فهذا مالا يفهمه إلا الجيل الليبي الذي 3) أدرك زمن ما قبل الراديو ومسجلة الأغاني والموسيقى والتلفزيون المليء بالقنوات الفضائية التي تسمعها ربة البيت وتجدبها لرؤية مشهد منها وهي تعمل في شئون البيت. فقد كان جيل أم السارد في القصة يعمل ويدندن، بل أن موروثاً ضخماً باسم “أغاني الرحى” كان سرده محاكياً لرحي الحب شعيراً وقمحاً ودرةً ليصير دقيقاُ للعجن والطبخ والأكل.

مقالات ذات علاقة

قراءة ومقاربة.. تحذير إلى القارئ !

العروسة.. المصرية

نورالدين خليفة النمر

الرواية الليبية .. تبلورت سريعاً رغم ظهورها المتأخر

المشرف العام

اترك تعليق