المقالة

رفيق المهدوي.. ورفيقه

يوسف القويري - خليفة التليسي (الصورة: عن السقيفة الليبية)
يوسف القويري – خليفة التليسي (الصورة: عن السقيفة الليبية)

الحياة كغريزة بائسة دائما تفشل، وتخفق كتابتها في شعر رفيق المهدوي بما أسماه الكاتب يوسف القويري باللحظة البسيطة التي نضيف إليها وصف الهاربة، ولكنها رغم ذلك لا تتوقف عن ممارسة وظائفها المشابهة لممارسة النقد بطرائق تمويت الشعر، الذي يُبعد الحياة عن نصوص الأدب.

لتنظير المسألة سكّ البنيوي والمحلّل السيميولوجي “تزيفتان تودوروف” مصطلح “نقد النقد” لتحديد ما أشار إليه الكاتب يوسف القويري في صحيفة الميدان الليبية بستينية القرن الـ 20 في عموده شموع بـ “قيمة إصدار الأحكام” فالناقد في نظره “لابدّ أن يصدر حكماً على العمل الأدبي، فهو بدون هذا الحكم يتركنا معلّقين في الهواء دون أن يضعنا في مكان محدّد نتبين منه وجهة نظره”.

وجهة النظر سميّت نقطة التبئير في علم القراءة الأدبية، الذي طوّره تودوروف من النقد إلى نقد النقد محفزاُ ناقد النصوص الأدبية بأن يطرح على نفسه سؤالاً “ماذا يقول النص تحديداً؟” بدل “هل يتكلم هذا المكتوب بصوابية؟“.

الناقد الخمسيني الليبي الذي يخصه “نقد النقد” مثلّه خليفة التليسي الذي لم يبارح الرومنطيقيات التي توقف عندها، وتعمّق تطبيقياتها في كتابيه “الشابي وجبران“ و”رفيق شاعر الوطن”.

في الاتجاه المختلف بقي القويري تقريباً وحده فارس مقالة النقد في جماليات المضمون الواقعي المعاكسة للروح الرومنطيقي متجلية في إبداع الأدب. وهو ما نلحظه لو تصفحنا بعض مقالات “الكلمات التي تقاتل” التي اختص بها قضية المجتمعيات الثقافية الليبية كـ “قريباً من المنبع، ومفكرون هزموا الظروف” ومقالين اختص بهما مجايليه الكاتبين عبد الله القويري كـ “مخلوقات المؤلف.. عرض نقدي لمسرحيته ـ المعاناة من أجل شيء” ويوسف الشريف كـ “الحكاية وفن السرّد” وهي تأملات نقدية في مجموعته القصصية الأولي “الجدار”.

الطريف والمثير في مقالات يوسف القويري أنه ابتدأها من وجهة نظر مناوئة يمكننا وصفها بتعبير تودوروف “نقد النقد” للكاتب خليفة التليسي بمقالة مكثفة في أحمد رفيق المهدوي، هي “رفيق شاعر اللحظة البسيطة”، الذي رمق القويري في شعره بُرهته، التي ما انفك الموت يقتنصها من حياة الشاعر الكلاسيكي ـ ما بعد الكلاسيكي، والتي لم يتصيّدها التليسي في كتابه “رفيق شاعر الوطن” مستلهماً تطرّفات رومنطيقية مدرسة الديوان، فصار نقد النقد مقالة القويري الأولى مفتتح كتابه الأوّل “الكلمات التي تقاتل” في المقتطف (29) من فِقر كتابه “قطرات من الحبر” من عموده “شموع” وكأني به يوّجه نقداً مُبطنا لنقد التليسي، المستلهم من الممارسة النقدية فيما عُرف “بمدرسة الديوان”. إذ ينبري القويري في نقد نقد التليسي دون ذكر اسمه مُدافعاً عن رفيق وشعره بقوله: “إنما يكون النقد مثمراً حين ينطلق من النص الأدبي ذاته.. مفسّراً ومحللا ولامساً مواضع الاضطراب ومواضع العمق، وكاشفاً أسباب ذلك كله، بلغة مفهومة لا تعالم فيها ولا كبرياء (…) فهذه الطريقة ـ بغض النظر عما فيها من استعلاء وخطأ ـ لن تفيد الكاتب ولا القارئ، وهي في النهاية سوف تنزع عن الناقد نفسه صفته الأدبية وتحيله الى رجل منفّر يملك قائمة من الأوامر والنواهي المُسبقة ولا يفهم ـ حتى مع ذلك ـ كيف يكون مرناً في تطبيقها!“.

مقالات ذات علاقة

أين ليبيا التي عرفت؟ (39)

المشرف العام

المـرأةُ في الأدب الإنسـانيِّ

خالد السحاتي

جرد القلوب وأحلام لا تؤجل

المشرف العام

اترك تعليق