المقالة

عبد الونيس محمود: 11 سنة في السجن الانفرادي*

في مذكراته – التي يصر على تسميتها مذكرة ـ لأنها مختزلة وقصيرة: «مذكرة حول الأحداث التي مررتُ بها في سجن الحصان الأسود»، يروي سجين الرأي، عبد الونيس محمود الحاسي، باقتضاب شديد فرضته فداحة ما تعرض له من وحشية وألم، وهو إذا قرر كتباتها بعد أربعة أعوام من خروجه من السجن (1992)، تساءل بشأن مقدرته أو مقدرة اللغة على أن تنقل ذاك الكم من القهر والألم الذي تعرض له: «عندما بدأت في كتابة هذه المذكرة حول وجودي في السجن طوال ثمانية وعشر عاما وثلاثة أشهر، تساءلت بيني وبين نفسي.. هل سيكون بمقدوري أن أغطي هذه المساحة الزمنية الطويلة التي تجعل من المولود حديثا من بطن أمه شابا يافعاً يتلقى العلم في مدرجات الجامعة».

اعتُقل عبد الونيس يوم 7 ديسمبر 1969 حين شن ما يسمى بمجلس قيادة الثورة الحاكم حملة اعتقالات واسعة في صفوف ضباط الجيش، خصوصا من يحملون رتبا عسكرية أكبر من رتبة القذافي ـ وكان على رأسهم المقدم آدم الحواز، وزير الدفاع، والمقدم موسى أحمد، وزير الداخلية ـ بعد أن لُفقت له تهمة زائفة بمحاولة الانقلاب على ما سمي آنذاك «الثورة» بينما الأسباب كانت تتعلق باختلاف في الرأي حيال مهمة هذا الانقلاب التالية: «ولما كان الجيش الليبي صغيرا تستطيع أن تعرف فيه بسهولة اهتمامات وميول الضباط ولما كنت بين الضباط الذين يحملون أفكارا سياسية معينة، تتناقض مع أفكار العقيد القذافي السياسية إلى حد ما، فقد توقعت أن يتم إبعادي من الجيش لكن الذي لم يدر بخلدي على الإطلاق هو أن يُزج بي في السجن بتهمة ملفقة ولكن ذلك ما حصل بالفعل ـ للأسف الشديد ـ بعد ثلاثة أشهر فقط من وقوع الانقلاب».

كان عبد الونيس محمود من الضباط القلة المثقفين والمطلعين، وكانت له آراؤه الخاصة المتعلقة بقيام الدولة المدنية الديمقراطية وضرورة عودة العسكريين إلى ثكناتهم، وإتاحة الفضاء لدولة دستورية تتمتع بالحقوق والحريات، وهي أمور كانت في مجملها ضد قناعات القذافي الذي كان يخطط للانفراد بالسلطة منذ البداية.

لا يطنب الكاتب في ذكر التفاصيل، لكنه يقف عند مفاصل معينة يذكر خلالها طبيعة تلك الأحداث، كما يذكر بعض الأسماء التي أسهمت في تلفيق التهم أو المحاكم الشكلية، لكنه يركز أكثر على ضحايا تلك التهم، ومن منهم اغتيل داخل السجن أو انتحر أو قضى نتيجة مرض في ظروف قاسية. لقد تسرب الألم إلي وأنا أقرأ هذا النص الكثيف وساكتفي هذه المرة بذكر اقتباسات محددة تحمل أسئلة إنسانية عميقة، وتعكس مدى قدرة الإنسان على الاحتمال الأسطوري للعذاب، ومدى قدرته على التوحش في الوقت نفسه:«هل استطيع الآن أن أصور الألم الذي قاسيته منذ ما يزيد عن عشرين سنة، وأضعه فوق الورق؟. هذا مستحيل لأنني لا استطيع من ذلك شيئا وإذا كنت لا استطيع أن أصور آلامي، فهل من المعقول أن أكون قادرا على تصوير آلام الآخرين؟ حتى ولو كنت قد شاهدتهم وهم يتألمون بجانبي؟».

ومع أنني مازلت حتى هذه اللحظة أعاني من آثار ذلك الضرب المبرح على أقدامي، وخاصة على أعصاب القدم اليسرى التي تصيبني أحيانا بما يشبه الشلل التام على نحو مفاجئ أثناء المشي، فأجد نفسي واقفا أتألم، ومع ذلك فلابد لي من الاعتراف بأن ما أصابني من ضرر من عمليات التعذيب بالفلقة تلك، كان أخف من كثير من الآخرين، فقد رأيت بجانبي من كان يستعطفهم وهو يصرخ من الألم، ثم يقول: «توقفوا فقط.. واكتبوا أي شيء، وسوف أوقع عليها حالا. ولكنهم لم يتوقفوا حتى أغمي عليه، وشاهدتهم وهم يحاولون انتزاع السلك الكهربائي من قدم ضحية أخرى بعد أن غاص السلك داخل اللحم ، وهو فاقد الوعي ، وشاهدت من تقطعت بعض أصابعه من العصا، ومن تشوهت قدمه ومن أصيب بالعرج والعجز المستديم، شاهدت الكثير.. ولكن كيف في وسعي أن أصور الإنسان وهو يفقد حياته تحت لهيب السياط، مثلما مات المقدم عبدالحميد الماجري تحت التعذيب».

حاولت جاهدا أن اتذكر الآن مشاعري، لحظة النطق علي بحكم الإعدام، لكنني لم أفلح.. فحين يقع الإنسان في قبضة القهر، ويصل به العسف إلى درجة الشعور بتفاهة الحياة والاستهانة بها، ثم تصل به الاستهانة بالحياة إلى خط التماس مع تخوم الموت.. إذ ذاك بالضبط ـ في تصوري ـ تتبلد مشاعره تماما، ويتلاشى عنده الإحساس بالبون الشاسع بين الحياة والموت، أو بين الفرح والحزن، واعتقد أن هذا ما حصل معي في تلك اللحظة.

قال لي زملائي من الذين حُكموا بسنوات، قالوا لي.. بعد خروجي من السجن «أنك لم تكترث لحظة نطق الحكم”.. غير أني مازلت اعتقد بأنها ملاحظة غير صحيحة وإن كنت لا اتذكر الأمر على وجه الضبط».«كيف يمكنني أن أصف الألم والعذاب على مدى أكثر من أربعة آلاف يوم ؟… عشتها مثل بومة يتيمة في قعر زنزانة هرمة، شيدت منذ أيام الاحتلال الإيطالي لليبيا؟».

«قد يبدو الأمر بسيطا فإذا ما تحدثت عن حياتي داخل تلك الزنزانة لمدة يوم واحد فقط فإن الأمر سيكون واضحا بانسحابه على بقية الأيام الأخرى، باعتبارها كلها متشابهة ولا جديد فيها وهذا هو الخطأ بعينه فالحياة غير المعاناة، وما تعانيه اليوم أو غدا هو غير ما عانيته بالأمس.. وما تستطيع تحمله اليوم لا تقدر عليه غدا.. ومهما كان المرء قويا صامدا، فإن القهر المتواصل يثلم جدار الصمود. أربعة آلاف يوم عشتها في قبو نصفه تحت الأرض قابعا في انتظار الموت…».

«أكثر من سبعة عشر عاما في انتظار تنفيذ الحكم بالإعدام الذي لم ينفذ وعلى مر الزمن الطويل فإن كل باب يفتح أو نافذة تغلق ليلا أو نهارا لا يعني بالنسبة لك سوى أنهم قادمون لتنفيذ حكم الإعدام فيك. إن ما قبل الموت أصعب من الموت ذاته. هكذا تقول التجربة التي مررت بها، ورغم أن سقراط كان ينصح تلاميذه بأن «لا يهابوا الموت، لأن مرارته في الخوف منه” إلا أنه لم يقل لهم، أو لنا ــ على حد علمي ــ كيف نتغلب على ذلك الخوف».

«إنني هنا لا اكتب شعرا ولا أتخيل، إنما أحاول أن أسجل واقعا عشته على أعصابي وبلحمي ودمي، وعمدته بعمري، فإذا ما فشلت في هذا التسجيل فإن ذلك لا يعني سوى أنني مازلت أعيش آثار تلك التجربة المريرة التي جعلتني يوما ما أفشل حتى في تخيل صورة وجه أمي».

_________________________________________

* الشكر للصديق زهير امنيسي الذي زودني بنسخة من هذه المذكرة التي لم تنشر بعد.

نشر بموقع بوابة الوسط.

مقالات ذات علاقة

الكتب كالديناميت

قيس خالد

جدلية الفنان والطاغية

أحمد إبراهيم الفقيه

أين ليبيا التي عرفت؟ (6)

المشرف العام

اترك تعليق