قصة

العطاء المقهور

خليفة التكبالي

من أعمال التشكيلية والمصورة أماني محمد
من أعمال التشكيلية والمصورة أماني محمد

الأحياء في كل مكان، الناس والحيوانات تزحم الدنيا، في الأزقة وفي الدكاكين، في البيوت، وحتى في الشوارع، يصطدم بهم، يحاول الاعتذار ولكنهم يشيحون عنه بعد أن يواجهوا له نظرة غاضبة شاردة تكويه وتصهر عواطفه حتى يتماوج في خاطره الف معنى، ألف رجاء، ولكن الفم العاجز الضيق الممتلئ بالأسنان واللسان يضيق بفيض المعاني، فتصدر عنه بدل الاعتذار لجلجات حمقاء تصور ارتباكه وتنبئ عن تصادم مريع في داخله.

في داخلة يقبع قلبه الأحمر، يقاوم بعض سحب الدخان الذي تعلمه حديثا وينسج العواطف ويتلقى الطعنات، فيبدو على وشك الموت ولكنه يولد بعد مزيد من الأسى دما أسودا يضخه في جسد الفتى فيرتعد ويرتبك ويتلجلج لسانه، كلما التقى أو كلما اصطدم بالناس، فما اندر لقاءاته الحقيقة بالناس.

اعترض طريقه غدير معكر الماء، تسرب إلى كل حفر الطريق ببراعه تامة، وجعل من قضية عبوره مشكلة تتطلب التفكير، أين هو العقل الذي يفكر؟ شيئان لا يشتغلان في جسم الإنسان؛ عقله وقلبه. عندما يشتغل العقل يتوقف القلب وما أندر ما يشتغل عقله! وأيضا ما أبخس حظه وما أخيبه!

خاض القعر الملطخ بالطين، فأحس البلل يغمر قديمه من خلال الحذاء، فأحس بمهانة مؤلمة وكأنه يتمرغ في الغدير وعفر وجهه بطينه اللزج العفن. لا هدف لديه، الطريق وقدميه، المشي يفرغ الحيوية، يتعب القلب والفكر معاً، لا شيء يبقى هناك ليؤلم، سوى الأعصاب وما أبسط ألمها، بل وما ألذه! البعض يسكر لينسى وهو يمشي ربما أيضاً لينسى، أو ليضِل ويتوه، يتوه عن قلبه.

السماء سوداء متجهمة، تمطر بعناد وبؤس كأنها تبكي، وغضبٌ ما يغضن ملامحها كأي حمال مسكين لم يعد الناس في حاجة إليه، ولكنه مع ذلك يصر على رفع الحمال. الأشجار صامتة بلهاء وقد بهتت حيويتها فبدت تحت مياه المطر النادرة كأنها طفل أرغم على الاستحمام فراح يقاوم ويصرخ حتى انهد وفقد لون الحياة.

قطط متشردة منفردة، تتواثب هنا وهناك بحيوية الوحوش، تتصارع من أجل قطعة خبز في قمامة، من أجل علبة لها رائحة، أو من أجل أنثى، أي شيء وكل شيء! حتى من أجل قدميه، رفس قطة فصرحت في وجهه، تسبه كأنها رجل، ومضت بعيدا عنه، فهي الأخرى ذات مشاغل، ومن يدري اي موعد هام ينتظرها.

انعطف مع الطريق، تتصاعد في جوفه المتعب خواطر زاعقة، فيها حب وفيها عطف، وفيها حنان ورغبة جارفة إلى الانضواء، كأنه قطعة ما فصلت عن كلها، كانه قط أعمى نزع من حضن أمه، فراح يموء محاولا إيجاد طريقه إلى الدفء والحنان، ولكن ما أقسى عجزه، وما أفظع الألم ينهشه في كل محاولة.

في المركز الثقافي ضاق بالأفكار المطبوعة، أراد أن يحس أنفاس إنسان ما، التفت إلى جاره، وهمس: قتلوه، ما أخيبك!

كأن لا كلمات هناك تقال! جعد ملامحه الأسف، فتبنج قبل أن يرميه الآخر بنظرة حارقة، وخرج كأن النظرات طردته، إلى أين؟ إلى لا مكان، إلى إله يعيدك إليه، إلى قدر يحيق بك ويرحمك، إلى الناس تصرخ في وجوههم: أنا منكم، إنا إنسان. وما جدوى ذلك؟ أولم تصرح بملامحك، بالأسى يصبغ لونك ويجعل عروقك لزجة كأنها تنتزعك كلما طردك الناس ليلصقك بهم، فتشبث بروحك التي تحسها تخرج دون جدوى، دوامة كالدنيا حوله معتمة، تزوم في داخله، تخنقه وتكتم أنفاسه، ومع ذلك يتماسك، لا يسقط ولا يصرخ. كأن الشفقة أمواس حادة مستعدة لاختراقه، إن هو صرخ أو سقط، ولكن الصغير، يصرخ إذا سقط.

ناح الصبي وخبط الأرض الموحلة كأنها إنسان يحتضنه قسراً، أسرع إليه، كم هي سريعة بديهية المصلحة! سيخفف النار في جوفه، سيضع شيئاً من الألم في المكان حيث سقط الصبي، فذلك المكان يستحق الألم، رفعه بمائه ووحله وهمس كان لم تمض سنة منذ كان طفلا: خيرك، طيحاتك.. هه.

وضرب الأرض بيده، فكاد يضحك الصبي، ما أغباك وما أجد الطفل بمواساتك على الدهر على أسلوبك، القرن العشرون، عصر الإلكترون. الإنسان يصعد للقمر، الإنسان يطير، الإنسان لم يعد إنساناً.

لم تجف دموع الصبي ولكنه كف عن البكاء، جعل يتأمل الرجل أمامه يخبط الأرض بسذاجة، وفي عينيه عرف الضعف، فقال يخالجه ارتياب في حجم الرجل وشنبه: اعطيني قرش؟

سمعه بوضوح يقول ذلك رغم إن الوجل بترها، فحك يده بالحائط، يمسحها وأدخلها إلى جيبه، وترقب الصبي النقود بلهفة تماثل لعفته في خراجها، ولكن صوتا غبي اللهفة صاح من الباب وراءهما: خيرك، يا منجوه.

وتعلثم كأنه فوجئ يرتكب إثماً، بينما نهب الصبي قطعة النقود واختفى. تابع طريقه كأنه سائل لم يشبع والسماء فوقه هي السماء، حزينة له أو غاضبة عليه، تتضواء فيها النجوم متناثرة أحيانا كأنها انتصار زائف للإنسان، بينما السيطرة الكاملة لجحافل من سحاب أسود يلتهم الأشعة الحمراء الصادرة عن شمس لا قدرة لها على المقاومة، كأن الوحدة قد أضنتها فقررت الاستسلام.

الليل بدأ ينتصر، والليل في داخله يسع لذلك ويكتسب معنوية تعينه على الفتك بآخر القلاع، ولكن الضياء المغبش لا يزال هناك. ما أروع الكفاح، تضخ في صده موجة من المقاومة، فيهرول إلى هناك يقدم معونته، يرجو أن ينال خلاصه. كانت سيارة غارقة في الرمل، يحاول صاحبها زحزحتها كأنه خلق وحده، يخشى أن يطلب المعونة لربما لا يملك الثمن، فما أصعب الابتسام احياناً.

شمر عن عضلاته اللا مجدية في قتام ألم الوحدة، وأسهم في دفع السيارة، كأنها تسهم في إقرار بديهة ما، وتزحلقت بحرية على الأرض اللزجة حتى كادت تدهس طفلة صغيرة. صرخت الطفلة في فزع بينما السيارة تحجزها، لتقع بين يدي أمها. امرأة سقط لحافها، وتهدلت خصلاتها شعرها الأكرث من طول ما احتجز. صرخت ألم وقد أخدتها نشوة الانتقام: آه حصلتك!

وأهوت على الجسد الصغير المكوم، دون أن تهتدي إلى طريقة تنزع بها روحها وتبقيها لها في نفس الوقت. وأنقذها من حيرتها، تقدم منها معرضا نفسه إلى سخطها كأنه المسيح: خليها معليش!

والتفتت إليه المرأة الشابة كأنه القربان الذي سيفتدي ابنتها. أعملت فيه أطافرها وصرخت وتلوت، ولكنها في النهاية رضخت لغريزة البخل المتمكنة فيها، عندما أحست التذاذه بهياجها، وألقت في وجهه بمشكلتها كأنها السيف الذي سيقطع سعادته: توا كيف نعمل؟ وين نعيش؟ المفتاح اللي ريحاته تخلقه أنت؟

وفي أعماقه استيقظت كل القوى العملاقة تحطم قيودها وتستولي على السلطة من جديد، وتبدد الغمام الذي ران على عقله وقلبه ليصبح حرا، سعيدا، ففي العالم إنسان سيحتاجه، يلتجئ إليه، يريد منه أن يحل مشكلته، وفي سرعة خارقة وربما بإلحاح من القلب إلى الفكرة المنقذة، ودون تردد مضى لينفذها. وحتى الكلب الذي سمعه يزمجر فوق السطح كأنه يتحرق إلى النزال لم يثنه عن عزمه، راح يتسلق الحائط ويدعبس بقدميه محاولاً الصعود بجهد وألم كأنها فرصته الأخيرة التي ستغلق بعدها الأبواب، أبواب البشر. عالج الرعب مع الكلب ولكنه نجح في التخلص من أذاه كأنما بفعل التعويذة التي صرخت بها المرأة من أسفل: أسكت ركس.. أهدا!

وفتح الباب من الداخل ووقف في منتصفه يبتسم، كأن قلبه هو ما فتح، ولكن ملابسه الملطخة بالجير، ووجهه العرق المتعب أيقظا في المرأة حس الخوف والحذر، فوقفت ترمق بارتباك الرجل الواقف في عتبة بيتها، عاجزة عن إيجاد وسلية طرده كأنه قد ألجم فيها. وأخيرا همست وعيونها مثبتة عليه كانه أفعى توشك أن تقفز: بري يا بنت نادي بوك.

وكسى وجهها مع لون الإحراج الوردي، خوف بدائي غبي اغتال كل النور الذي يتشربه بنهم، فأشاح بوجهها كأنما ليخفي دمعة، وتدحرج من عتبة البيت مطعون القلب يسترد قوة مؤقتة من كرامته، وما إن وصل إلى المنعطف حتى أجهش في بكاء مرير.

مقالات ذات علاقة

هكذا أكلت المانجا

عزة المقهور

الشـــرف

سعد الأريل

الوزرة

عائشة إبراهيم

اترك تعليق