طيوب عالمية

الدرس الأول والهدف في قصيدة: “التل الذي نتسلقه – The Hill We Climb”

الشاعرة الأمريكية الشابة أماندا جورمان Amanda Gorman (الصورة من اختيار الكاتب يونس الفنادي)
الشاعرة الأمريكية الشابة أماندا جورمان Amanda Gorman (الصورة من اختيار الكاتب يونس الفنادي)

شاركت الشاعرة الأمريكية الشابة أماندا جورمان Amanda Gorman، البالغة من العمر اثنتين وعشرين سنةً، وهي بذلك تعتبر أصغر شاعرة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية تلقي نصوصاً شعرية في حفل تسليم السلطة، وانتقالها للرئيس الحالي جون بايدن، وتنصيبه خلفاً للرئيس دونالد ترامب مؤخراً في 20 يناير 2021م.

لقد بدت الشاعرة  السمراء الشابة في أوج تألقها وسعادتها حين تقدمت للميكرفون على منصة الاحتفال بمبنى البيت الأبيض بابتسامتها الواثقة، وملابسها الملونة الزاهية، المختارة بذائقة أمريكية ذات أصول أفريقية سمراء، وألقت بكل ثبات نص قصيدتها الجميلة (التل الذي نتسلقه The Hill We Climb) التي جسدت فيها بعضاً من سيرتها الذاتية ومعاناتها، ملمحة إلى انحدارها من مجتمع الرق والعبيد البغيض، وطموحها الحالي، وصوراً ترسخ المباديء الديمقراطية الأمريكية التي تمنح الجميع أحقية الوصول للسلطة بكل شفافية وعدالة وفق نتائج صناديق الانتخابات الحرة النزيهة. وجاء في نص القصيدة:

(لأننا أبناءُ هذه البلاد

في زمنٍ تستطيعُ فتاةٌ نحيلةٌ،

انحدرت من أصلابِ العبيد،

وربَّتها أمٌّ وحيدةٌ تخلّى عنها زوجُها،

أنْ تحلمَ بأنْ تُصبح رئيسةَ الجمهورية

فيأخذُها الحُلمُ لتُلقي قصيدتَها أمام رئيسِ الجمهورية.

نعم. أعترفُ لسنا متحضرين بما فيه الكفاية

ولسنأ أنقياء بشكل مثالي.

ولا يعني هذا أننا نسعى لصياغة اتحاد كامل

إننا نسعى لخلق اتحاد له هدف: أن يخلق بلداً

ملتزماً بكل الثقافات والألوان والأعراق والأشخاص

وبالوضع الانساني

كي نرفع أعيننا ونحدِّق،

لا فيما يفرقنا، وإنما إلى مستقبل ننشده

سننهى الانشقاقات،

لأننا ندركُ أهميةَ أن نجعل المستقبل

هدفنا الأول.)

يقدم النص الشعري القصير الذي استغرق إلقاؤه بصوت الشاعرة الشابة ستة دقائق فقط، دروساً إنسانية عديدة يمكن حصر بعضها في المساواة بين الأفراد، وحقوق المواطنة في التعبير والرأي الشخصي، ومشروعية الحلم في الوصول لأعلى مراتب السلطة والحكم، وتحدي الواقع السلبي والمعاناة والمكابدات الشخصية والظروف المجتمعية كافةً، واحترام الأصول العرقية والألوان وتنوع الثقافات والتعايش معها سلمياً في بلد مشترك، والنهوض معاً بعد الأزمة والانطلاق صوب المستقبل بروح متحدة ترسخ هوية المحبة والتنوع.

ويظل الإحساس الوطني متدفقاً طافحاً ومستوطناً النص الشعري في ثنايا مفرداته العميقة الدلالة، وبارزاً في قوالب لغوية إبداعية، ورؤى بعيدة تتجاوز المباشرة والسطحية الباهتة، ليطرز المعنى الأعمق للنص الشعري الضامن وصوله الواثق، وتأثيره المؤكد في المتلقي، وانتشاله من قيعان الإحباط والبؤس والألم إلى سماوات العُلا وفسحات الأمل والفرح، وحشد الهمم والمثابرة والسعي لتحقيق الأحلام والأهداف المرسومة في نسيج النص، والباعثة كل الدفع في النفس الإنسانية التواقة للخلاص.

وقالت الشاعرة الأمريكية الشابة ذات الأصول الأفريقية أماندا جورمان Amanda Gorman بعد أن حظيت قصيدتها القصيرة (التل الذي نتسلقه The Hill We Climb) بإشادة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي (أن تكون أمريكياً ليس مجرد فخر ترثه بل أكثر من ذلك. لن نعود إلى ما كان. بل سنمضي قُـدماً إلى ما ينبغي أن يكون). وأضافت وهي تحاول ترميم ما تصدع من كيان المجتمع الأمريكي بعد حادثة اقتحام بعض المتطرفين مبنى الكونجرس (الكابيتول) (أن الأمريكيين يستطيعون التغلب على الكراهية. ويمكن أن تتأخر الديمقراطية مؤقتاً، ولكن لا يمكن أبداً أن تُهزم بشكل دائم. دعونا نترك دولة أفضل من تلك التي ورثناها. سنسمو بهذا العالم الجريح إلى عالم رائع).

وقد تعززت القصيدة الجميلة بالصوت الديني الذي مثله ظهور عبارة “الكتاب المقدس” وهي إشارة تشمل الكتب الإلهية المنزلة كافة وإن ظلت ترمز تحديداً إلى إنجيل عيسى عليه السلام، وتخصه به، فقد جاء استحضار قدسيته الدينية والاتكاء على رمزيته الربانية السماوية من أجل التذكير بتعاليم الخالق سبحانه وتعالى لترسيخ قيم الحياة الإنسانية النبيلة ومفاهيم الأمن والسلام والمحبة والتعايش السلمي مع جميع أطياف المجتمع، بلا تهديد أو خوف ولا غبن أو ظلم، بل وفق خارطة الطريق التي ترسمها القصيدة بانتهاج العزيمة والجرأة لكي يعم الفرح ربوع الوطن كما جاء في قول الشاعرة:

(يخبرنا الكتاب المقدس أن نتخيل بأن الجميع سيجلسون تحت كرمهم وتينهم

ولن يخيفهم أحد.

إذا أردنا أن نرتقي إلى وقتنا الخاص، فلن يكمن النصر في النصل،

ولكن في كل الجسور التي صنعناها.

هذا هو الوعد بالفرح ، التل الذي نتسلقه، إذا تجرأنا فقط.)

ومثلما جاء استهلال القصيدة بسؤال صريح ينشد المشورة للخلاص ويبحث عن وسيلة للعبور للضفة الآخرى الآمنة:

(عندما يأتي اليوم، نسأل أنفسنا:

أين يمكن أن نجد الضوء في هذا الظل الذي لا ينتهي؟)

فقد جاءت خاتمة القصيدة جسرَ ترابطٍ بين المبتدأ والانتهاء، وجوابيةً ضمنياً لسؤال البداية، تتسم بإيقاعية محفزة وتحريضية بامتياز، من خلال استخدام خاصية التكرار واستفزاز الذات المتلقية في إطار صورة شعرية مفعمة بالدلالة والإيحاء، جسدت قيمة وهدف الحرية إثر انبلاج الفجر بعد خلع رداءات الخوف والتردد والظلم المستوطن في أعماق الذات الإنسانية:

(عندما يأتي اليوم، نخرج من الظل، مشتعلين وغير خائفين.

يزهرُ الفجرُ الجديدُ بينما نحرره.

لأنَّ هناك دائماً نورٌ

فقط إذا كُنَّا شُجعانًا بما يكفي لرؤيته.

فقط إذا كُنَّا شُجعانًا بما يكفي لنكون عليه.)

لا شك أن أبعاد الرسالة الاجتماعية والسياسية للقصيدة الأمريكية الرقيقة تمتد اشعاعاتها خارج وطنها ومكان الميلاد إلى أمكنة ومجتمعات أخرى عديدة في العالم، لعل من بينها مجتمعنا الليبي الذي لازال يعاني جراحه النازفة في محاولة لتضميدها والخروج من النفق السحيق، والذي يجد في معنى هذه الرسالة الشعرية المفعمة بالإنسانية صوتاً مشتركاً للتعبير عن معانات وتطلعات كل الليبيين للخروج ومعانقة أنوار الفجر المشرق، ورمي الماضي البغيض والحاضر المؤلم وراء ظهورهم، وطي صفحة مرحلة زمنية بكل انكساراتها وتضحياتها القاسية، وذلك هو الدرس والهدف الأول من قصيدة (التل الذي نتسلقه).

مقالات ذات علاقة

“أوغوستو” من أفضل عشرة أفلام سينمائية في العالم

المشرف العام

هزيمة الغرب في أفغانستان.. ذهب الجمل بما حمل

عزالدين عناية (تونس)

صنبر والمكتبة الإسلامية يفوزان بجائزة «يونسكو» للثقافة العربية

المشرف العام

اترك تعليق